الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                  صفحة جزء
                                                                  عوف عن أبي رجاء

                                                                  ( 276 ) حدثنا محمد بن العباس المؤدب ، ثنا هوذة بن خليفة ، ثنا عوف ، عن أبي رجاء ، حدثني عمران بن الحصين قال : كنا في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فسرنا ليلة حتى إذا كان في آخر الليل قبيل الصبح وقعنا تلك الوقعة ، ولا وقعة أحلى عند المسافر منها ، فما أيقظنا إلا حر الشمس ، فكان أول مرة استيقظ بلال ، ثم فلان ، وفلان ، وسماهم ، ثم عمر بن الخطاب ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا نام لا يوقظه حتى يكون هو الذي يستيقظ ؛ لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه ، فلما استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس ، وكان رجلا جليدا ، فكبر ورفع صوته بالتكبير ، فما زال يكبر ويرفع صوته حتى استيقظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصوته ، فشكا إليه القوم ما أصابهم ، قال : " لا ضير ارتحلوا " ، فارتحل فسار غير بعيد ، ثم نزل فدعا بوضوء فتوضأ ، ثم نودي بالصلاة فصلى بالناس ، وانفتل من صلاته ، وإذا رجل معتزل لم يصل مع القوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما منعك يا فلان أن [ ص: 133 ] تصلي مع القوم ؟ " فقال : يا رسول الله ، أصابتني جنابة ولا ماء ، قال : " عليك بالصعيد فإنه يكفيك " ، ثم سار فاشتكى الناس إليه العطش ، فنزل فدعا فلانا - قد سماه أبا رجاء - فدعا عليا فقال لهما : " اذهبا فابغيا الماء " ، فانطلقا فيستقبلان امرأة بين سطيحتين أو مزادتين من ماء على بعير لها ، فانطلقا فقالا لها : الماء ، فقالت : عهدي به أمس هذه الساعة ، فقالا لها : انطلقي إذا ، قالت : إلى أين ؟ قالا : إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت : هذا الذي يقال له الصابئ ؟ قالا : " هو الذي تعنين ، فانطلقي فجاءا بها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحدثاه الحديث ، فاستنزلوها من بعيرها ، ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإناء فجعل فيه أفواه السطيحتين أو المزادتين ، ثم تمضمض فأعاده في الإناء ، ثم أعاده في أفواه السطيحتين أو المزادتين ، ثم أوثق أفواههما وأطلق العزالي ونودي في الناس ، أن اسقوا ، واستقوا فسقى من شاء واستقى من شاء ، فكان آخر ذلك أن أعطاه الذي أصابته الجنابة ، وقال : " اذهب فأفرغه عليك " وهي قائمة تنظر إلى ما يفعل بمائها ، وايم الله لقد أركبها حين أبلغ وإنه ليخيل إلينا أنهما أشد منهما ملأة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اجمعوا لها ما بين عجوة وسويقة ودقيقة " حتى جمعوا لها طعاما في ثوب ، وحملوها على بعيرها ، ووضعوها بين يديها ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تعلمين والله ما رزأناك في مائك شيئا ، ولكن الله هو سقانا " ، فأتت أهلها وقد احتبست عليهم ، فقالوا : يا فلانة ما حبسك ؟ فقالت : العجب لقيني رجلان ، فذهبا بي إلى هذا الذي يقال له الصابئ ، ففعل كذا وكذا الذي كان ، فوالله إنه لأسحر من بين هذه وهذه ، أو إنه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حقا ، فكان المسلمون يغيرون على من حولها من المشركين ، ولا يصيبون الصرمة التي تليها ، فقالت يوما لقومها : والله ما أرى هؤلاء [ ص: 134 ] القوم يدعوننا ، فهل لكم في الإسلام ؟ فطاوعوها ، فجاء وقد دخلوا جميعا في الإسلام .

                                                                  التالي السابق


                                                                  الخدمات العلمية