الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            واعلم أنه تعالى لما حكى عن ذلك الداعي ، أنه طلب هذه الأشياء الثلاثة ، قال بعد ذلك : ( إني تبت إليك وإني من المسلمين ) والمراد أن الدعاء لا يصح إلا مع التوبة ، وإلا مع كونه من المسلمين ، فتبين أني إنما أقدمت على هذا الدعاء بعد أن تبت إليك من الكفر ومن كل قبيح ، وبعد أن دخلت في الإسلام والانقياد لأمر الله تعالى ولقضائه .

                                                                                                                                                                                                                                            واعلم أن الذين قالوا إن هذه الآية نزلت في أبي بكر ، قالوا : إن أبا بكر أسلم والداه ، ولم يتفق لأحد من الصحابة والمهاجرين إسلام الأبوين إلا له ، فأبوه أبو قحافة عثمان بن عمرو وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو ، وقوله : ( وأن أعمل صالحا ترضاه ) قال ابن عباس : فأجابه الله إليه فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله منهم بلال وعامر بن فهيرة ولم يترك شيئا من الخير إلا أعانه الله عليه ، وقوله تعالى : ( وأصلح لي في ذريتي ) قال ابن عباس : لم يبق لأبي بكر ولد من الذكور والإناث إلا وقد آمنوا ، ولم يتفق لأحد من الصحابة أن أسلم أبواه وجميع أولاده الذكور والإناث إلا لأبي بكر .

                                                                                                                                                                                                                                            ثم قال تعالى : ( أولئك ) أي أهل هذا القول : ( الذين نتقبل عنهم ) قرئ بضم الياء على بناء الفعل للمفعول ، وقرئ بالنون المفتوحة ، وكذلك ( نتجاوز ) وكلاهما في المعنى واحد ؛ لأن الفعل وإن كان مبنيا للمفعول فمعلوم أنه لله سبحانه وتعالى ، فهو كقوله : ( يغفر لهم ما قد سلف ) [الأنفال : 38] فبين تعالى بقوله : [ ص: 20 ] : ( أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ) أن من تقدم ذكره ممن يدعو بهذا الدعاء ، ويسلك هذه الطريقة التي تقدم ذكرها : ( نتقبل عنهم ) والتقبل من الله هو إيجاب الثواب له على عمله ، فإن قيل : ولم قال تعالى : ( أحسن ما عملوا ) والله يتقبل الأحسن وما دونه ؟ قلنا : الجواب من وجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : المراد بالأحسن الحسن كقوله تعالى : ( واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ) [الزمر : 55] كقولهم : الناقص والأشج أعدلا بني مروان ، أي عادلا بني مروان .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : أن الحسن من الأعمال هو المباح الذي لا يتعلق به ثواب ولا عقاب والأحسن ما يغاير ذلك ، وهو كل ما كان مندوبا أو واجبا .

                                                                                                                                                                                                                                            ثم قال تعالى : ( ونتجاوز عن سيئاتهم ) والمعنى أنه تعالى يتقبل طاعاتهم ويتجاوز عن سيئاتهم . ثم قال : ( في أصحاب الجنة ) قال صاحب "الكشاف" : ومعنى هذا الكلام مثل قولك : أكرمني الأمير في مائتين من أصحابه ، يريد أكرمني في جملة من أكرم منهم وضمني في عدادهم ، ومحله النصب على الحال على معنى كائنين في أصحاب الجنة ومعدودين منهم ، وقوله : ( وعد الصدق ) مصدر مؤكد ؛ لأن قوله : " نتقبل ، نتجاوز " وعد من الله لهم بالتقبل والتجاوز ، والمقصود بيان أنه تعالى يعامل من صفته ما قدمناه بهذا الجزاء ، وذلك وعد من الله تعالى فبين أنه صدق ولا شك فيه .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية