الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          وحدثني مالك عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك يقول كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا من نخل وكان أحب أمواله إليه بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب قال أنس فلما أنزلت هذه الآية لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن الله تبارك وتعالى يقول لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وإن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا [ ص: 757 ] رسول الله حيث شئت قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بخ ذلك مال رابح ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت فيه وإني أرى أن تجعلها في الأقربين فقال أبو طلحة أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          1875 1828 - ( مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة : أنه سمع أنس بن مالك يقول : كان أبو طلحة ) زيد بن سهل الخزرجي ( أكثر أنصاري ) ، أي أكثر كل واحد من الأنصار ، ولذا لم يقل أكثر الأنصار ، فهو من التفضيل على التفضيل ، قاله الكرماني ( بالمدينة مالا ) ، تمييز أي من حيث المال ( من نخل ) بيان لمال ، ( وكان أحب أمواله ) ، هي حوائط ، قال ابن عبد البر : كانت دار أبي جعفر ، والدار التي تليها حوائط لأبي طلحة ، وكان قصر بني حديلة حائطا له ، يقال لها : بيرحاء ، قال الحافظ : ومراده بدار أبي جعفر التي صارت إليه بعد ذلك ، وعرفت به ، وهو أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي ، وقصر بني حديلة - بحاء مهملة - مصغر ، ووهم من قال بجيم بطن من الأنصار ، فنسب إليه بسبب المجاورة ، وإلا فالذي بناه معاوية ، لما اشترى حصة حسان بمائة ألف درهم ، ليكون له حصنا ، وجعل له بابين أحدهما شارع على خط بني حديلة ، والآخر في الزاوية الشرقية ، والذي بناه لمعاوية الطفيل بن أبي بن كعب ، كما ذكره ابن شبة ، وغيره ( بيرحاء ) ، قال الباجي : قرأناه على أبي ذر - بفتح الراء - في موضع الرفع والنصب [ ص: 665 ] والخفض والجمع واللفظان اسم لموضع ، وليست مضافة إلى موضع ، وقال الحافظ أبو عبد الله الصوري : إنما هي بفتح الباء والراء ، واتفق هو وأبو ذر وغيرهما من الحفاظ على أن من رفع الراء حال الرفع ، فقد غلط ، وعلى ذلك كنا نقرؤه على شيوخ بلدنا ، وعلى الأول أدركت أهل العلم بالمشرق ، وهذا الموضع بقصر بني حديلة قبلي مسجد المدينة .

                                                                                                          وفي فتح الباري : بيرحاء ، بفتح الموحدة ، وسكون التحتية ، وبفتح الراء ، وبالمهملة والمد ، وجاء في ضبطها أوجه ، جمعها في النهاية ، فقال : يروى بفتح الباء وكسرها ، وبفتح الراء وضمها ، وبالمد والقصر فهذه ثمانية .

                                                                                                          وفي رواية حماد بن سلمة ، يعني في مسلم بريحا - بفتح وكسر الراء - مقدمة على التحتية .

                                                                                                          وفي أبي داود : بأريحاء مثله ، لكن بزيادة ألف ، وقال الباجي : أفصحها بفتح الباء ، وسكون الياء ، وفتح الراء مقصور ، وكذا جزم به الصغاني ، وقال : إنه فعيلا من البراح ، قال : ومن ذكره بكسر الموحدة ، فظن أنها بئر من آبار المدينة ، فقد صحف ، انتهى .

                                                                                                          وتعقب فيما نسبه للنهاية بأن الذي فيها إنما هو خمس فقط ، فنصبها بفتح الباء وكسرها ، وبفتح الراء وضمها ، والمد فيها ، وبفتحهما والقصر .

                                                                                                          وقال عياض : روينا بفتح الباء ، والراء وبكسر الباء مع فتح الراء ، وضمها ، يسمى به ، وليس اسم بئر ، وجزم التيمي بأن المراد البستان ، قال : لأن بساتين المدينة تدعى بآبارها ، أي البستان الذي فيه بيرحاء ، وجزم الصغاني بأنها اسم أرض لا بئر ، قال في اللامع : ولا تنافي بين ذلك ، فإن الأرض أو البستان تسمى باسم البئر التي فيه ، وصوب الصغاني ، والزمخشري ، والمجد الشيرازي من هذا كله فتح الموحدة والراء ، وقال الباجي : إنها المسموعة على أبي ذر وغيره .

                                                                                                          قال في الفتح : واختلف في حاء هل هي اسم رجل أو امرأة أو مكان ، أضيفت إليه البئر ، أو هي كلمة زجر للإبل ؟ فكأن الإبل كانت ترعى هناك وتزجر بهذه اللفظة ، فأضيفت البئر إلى اللفظة المذكورة .

                                                                                                          ( وكانت مستقبلة المسجد ) النبوي ، أي مقابلته قريبة منه ، ( وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخلها ) ، زاد في رواية للبخاري : ويستظل فيها ، ( ويشرب من ماء فيها ) ، أي في بيرحاء ( طيب ) بالجر صفة ماء ، وفيه إباحة استعذاب الماء ، وتفضيل بعضه على بعض ، وإباحة الشرب من دار الصديق ، ولو لم يكن حاضرا إذا علم طيب نفسه ، واتخاذ الحوائط والبساتين ، ودخول أهل العلم والفضل فيها ، والاستظلال بظلها ، والراحة والتنزه فيها ، وقد يكون ذلك مستحبا يثاب عليه إذا قصد به إجمام النفس من تعب العبادة ، وتنشيطها في الطاعة .

                                                                                                          ( قال أنس : فلما أنزلت هذه الآية : لن تنالوا البر ) ، أي لا تبلغوا حقيقة البر الذي هو كمال الخير ، أو لن تنالوا بر الله الذي هو الرحمة والرضا والجنة ، ( حتى تنفقوا مما تحبون ) ، [ ص: 666 ] أي بعض ما تحبون من المال ، أو ما يعمه وغيره ، كبذل الجاه في معاونة الناس ، والبدن في طاعة الله ، والمهجة في سبيل الله .

                                                                                                          ( قام أبو طلحة إلى رسول الله ) ، زاد في رواية عند ابن عبد البر : ورسول الله على المنبر ، ( فقال : يا رسول الله إن الله - تعالى - يقول : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ، وإن أحب أموالي إلي ) - بشد الياء - ( بيرحاء ) خبر إن ، ( وإنها صدقة لله أرجو برها ) ، أي خيرها ، ( وذخرها ) بضم الذال ، وإسكان الخاء المعجمتين ، أي أقدمها فأدخرها لأجدها ( عند الله ) تعالى .

                                                                                                          ولمسلم عن ثابت عن أنس لما أنزلت الآية ، قال أبو طلحة : أرى ربنا يسألنا من أموالنا فأستشهدك يا رسول الله أني جعلت أرضي بيرحاء لله ، ( فضعها يا رسول الله حيث شئت ) ، وللتنيسي ، والقعنبي : حيث أراك الله ، فوض أبو طلحة تعيين مصرفها له ، صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                          لكن لا تصريح فيه بأنه جعلها وقفا ، ولذا قيل : لا ينهض الاستدلال بهذه القصة لشيء من مسائل الوقف .

                                                                                                          ( قال ) أنس : ( فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فبخ ) ، بفتح الموحدة ، وسكون المعجمة ، وقد تنون مع التثقيل والتخفيف بالكسر وبالرفع والسكون ، ويجوز التنوين ، لغات ، ولو كررت فالمختار تنوين الأولى ، وتسكين الثانية ، ومعناه تفخيم الأمر والإعجاب به ، قاله الحافظ : ( ذلك مال رابح ، ذلك مال رابح ) مرتين ، قال الباجي : رواه يحيى ، وجماعة بتحتية وجيم ، أي يروح ثوابه في الآخرة ، انتهى .

                                                                                                          وهو مخالف لقول ابن عبد البر ، رواه يحيى ، وجماعة " رابح " من الربح ، أي رابح صاحبه ومعطيه .

                                                                                                          ورواه ابن وهب وغيره بتحتية ، أي يروح على صاحبه بالأجر العظيم ، والأول أولى عندي ، انتهى .

                                                                                                          ونحوه قول أبي العباس الداني في أطراف الموطأ ، رواه يحيى الأندلسي بالموحدة ، والحاء المهملة ، وتابعه جماعة ، ورواه يحيى النيسابوري بالتحتية ، والحاء المهملة ، وتابعه إسماعيل ، وابن وهب ، ورواه القعنبي بالشك ، انتهى .

                                                                                                          ومعنى رابح - بموحدة - : ذو ربح كلابن وتامر ، أي يربح صاحبه في الآخرة ، وقيل فاعل بمعنى مفعول ، أي مال مربوح فيه ، ومعناه بتحتية اسم فاعل من الرواح نقيض الغد ، وأنه قريب الفائدة يصل نفعه إلى صاحبه كل رواح ، لا يحتاج أن يتكلف فيه إلى مشقة وسير ، أو يروح بالأجر ، ويغدو به ، واكتفى بالرواح عن الغدو لعلم السامع ، أو من شأنه الرواح ، وهو [ ص: 667 ] الذهاب والفوات ، فإذا ذهب في الخير فهو أولى ، وادعى الإسماعيلي أن رواية التحتية تصحيف .

                                                                                                          ( وقد سمعت ) أنا ( ما قلت ) أنت ( فيه ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين ) ، وفي رواية للبخاري : قبلناه منك ، ورددناه عليك فاجعله في الأقربين ، ( فقال أبو طلحة : أفعل ) - بضم اللام مضارع - ( يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه ) ، عطف خاص على عام .

                                                                                                          وفي البخاري من وجه آخر عن أنس : فجعلها لحسان ، وأبي ، وأنا أقرب إليه ، ولم يجعل لي منها ، فباع حسان ، فقيل له : أتبيع صدقة أبي طلحة ؟ فقال : ألا أبيع صاعا من تمر بصاع من دراهم ؟ وفي مرسل أبي بكر بن حزم : فرده على أقاربه أبي بن كعب ، وحسان بن ثابت ، وأخيه ، أو ابن أخيه شداد بن أوس ، ونبيط بن جابر ، فتقاوموه فباع حسان حصته من معاوية بمائة ألف درهم ، أي بعد ذلك في خلافة معاوية .

                                                                                                          قال ابن عبد البر : روى إسماعيل القاضي عن القعنبي عن مالك بلفظ : فقسمها - صلى الله عليه وسلم - في أقاربه وبني عمه ، أي أقارب أبي طلحة ، وإضافة القسم إلى المصطفى - صلى الله عليه وسلم - على أنه الآمر به ، وإن شاع في لسان العرب ، لكن أكثر الرواة لم يقولوا ذلك ، والصواب علي بن عبد العزيز ، فقسمها أبو طلحة كرواية الجماعة ، وفيه التمسك بالعموم ; لأن أبا طلحة فهم من الآية تناول ذلك الجمع أفراده ، فلم يقف حتى يرد عليه البيان عن شيء بعينه بل بادر إلى إنفاق ما يحبه وأقره - صلى الله عليه وسلم - وفيه فضيلة لأبي طلحة لأن الآية تضمنت الحث على الإنفاق من المحبوب ، فترقى هو إلى إنفاق أحب المحبوب فصوبه - صلى الله عليه وسلم - وشكر فعله ، ثم أمره أن يخص بها أهله ، وكنى عن رضاه بذلك بقوله : بخ ، وزيادة صدقة التطوع على نصاب الزكاة ، خلافا لمن قيدها به ، وصدقة الصحيح بأكثر من ثلثه ; لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يستفصل أبا طلحة عن قدر ما تصدق به ، وقال لسعد بن أبي وقاص : الثلث والثلث كثير ، وفيه جواز حب المال للرجل الفاضل العالم ، وأنه لا نقص عليه من ذلك ، وقد أخبر الله عن الإنسان بقوله : ( وإنه لحب الخير لشديد ) ( سورة العاديات : الآية 8 ) ، والخير : المال اتفاقا وفيه غير ذلك .

                                                                                                          وأخرجه البخاري في الزكاة عن عبد الله بن يوسف ، وفي الوكالة عن يحيى النيسابوري ، وفي الوقف ، وفي الأشربة عن القعنبي ، وفي التفسير عن إسماعيل بن أبي أويس ، ومسلم في الزكاة عن يحيى النيسابوري أربعتهم عن مالك به ، وتابعه عبد العزيز الماجشون عن إسحاق عند البخاري .




                                                                                                          الخدمات العلمية