الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وإذ قلتم ياموسى لن نصبر على طعام واحد ) : لما سئموا من الإقامة في التيه ، والمواظبة على مأكول واحد ، لبعدهم عن الأرض التي ألفوها ، وعن العوائد التي عهدوها ، أخبروا عما وجدوه من عدم الصبر على ذلك وتشوفهم إلى ما كانوا يألفون ، وسألوا موسى أن يسأل الله لهم . وأكثر أهل الظاهر من المفسرين على أن هذا السؤال كان معصية ، قالوا : لأنهم كرهوا إنزال المن والسلوى ، وتلك الكراهة معصية ، ولأن موسى وصف ما سألوه بأنه أدنى وما كانوا عليه بأنه خير ، وبأن قوله : ( أتستبدلون ) هو على سبيل الإنكار .

والجواب ، أن قولهم : ( لن نصبر على طعام واحد ) لا يدل على عدم الرضا به فقط ، بل اشتهوا أشياء أخر . وأما الإنكار فلأنه قد يكون لما فيه من تفويت الأنفع في الدنيا ، أو الأنفع في الآخرة . وأما الخيرية فسيأتي الكلام فيها ، وإنما كان سؤالا مباحا ، والدليل عليه أن قوله : ( كلوا واشربوا ) من قبل هذه الآية ، عند إنزال المن وتفجير العين ليس بإيجاب بل هو إباحة ، وإذا كان كذلك لم يكن قولهم : ( لن نصبر على طعام واحد ) معصية لأن من أبيح له صنوف من الطعام يحسن منه أن يسأل غيرها ، إما بنفسه أو على لسان الرسول . ولما كان سؤال النبي أقرب للإباحة ، سألوه عن ذلك ، ولأن النوع الواحد أربعين سنة يمل ويشتهى إذ ذاك غيره ، ولأنهم ما تعودوا ذلك النوع . ورغبة الإنسان فيما اعتاده وإن كان خسيسا فوق رغبة ما لم يعتده وإن كان شريفا ، ولأن ذلك يكون سببا لانتقالهم عن التيه الذي ملوه ; لأن تلك الأطعمة لا توجد فيه ، فأرادوا الحلول بغيره ، ولأن المواظبة على طعام واحد سبب لنقص الشهوة وضعف الهضم وقلة الرغبة ، والاستكثار من الأنواع بعكس ذلك . فثبت بهذا أن تبديل نوع بنوع يصلح أن يكون مقصودا للعقلاء ، وثبت أنه ليس في القرآن ما يدل على أنهم كانوا ممنوعين عنه ، فثبت أنه لا يجوز أن يكون معصية . ومما يؤكد [ ص: 232 ] ذلك قوله : ( اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم ) هو كالإجابة لما طلبوا . ولو كانوا عاصين في ذلك السؤال لكانت الإجابة إليه معصية ، وهي غير جائزة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . ووصف الطعام بواحد ، وإن كان طعامين ; لأنه المن والسلوى اللذان رزقوهما في التيه ; لأنهم أرادوا بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدل ، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عديدة يداوم عليها كل يوم لا يبدلها قيل : لا يأكل فلان إلا طعاما واحدا ، يراد بالوحدة نفي التبدل والاختلاف . ويجوز أن يريدوا أنهما ضرب واحد لأنهما معا من طعام أهل التلذذ والسرف ، ونحن قوم فلاحة أهل زراعات ، فما نريد إلا ما ألفناه وضرينا به من الأشياء المتفاوتة ، كالحبوب والبقول ونحوهما . ذكر هذين الوجهين في معنى الواحد الزمخشري .

وقيل : أعاد على لفظ الطعام من حيث أنه مفرد لا على معناه . وقيل : كانوا يأكلون المن والسلوى مختلطين ، فيصير بمنزلة اللون الذي يجمع أشياء ويسمى لونا واحدا ، قاله ابن زيد . وقيل : كان طعامهم يأتيهم بصفة الوحدة ، نزل عليهم المن فأكلوا منه مدة حتى سئموه وملوه ، ثم انقطع عنهم ، فأنزل عليهم السلوى فأكلوها مدة وحدها . وقيل : أرادوا بالطعام الواحد السلوى ; لأن المن كان شرابا أو شيئا يتحلون به ، وما كانوا يعدون طعاما إلا السلوى . وقيل : عبر عنهما بالواحد ، كما عبر بالاثنين عن الواحد نحو : ( يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ) ، وإنما يخرج من أحدهما وهو الملح دون العذب . وقيل : قالوا ذلك عند نزول أحدهما . وقيل : معناه لن نصبر على أننا كلنا أغنياء ، فلا يستعين بعضنا ببعض ، ويكون قد كنى بالطعام الواحد عن كونهم نوعا واحدا ، وهو كونهم ذوي غنى ، فلا يخدم بعضهم بعضا ، وكذلك كانوا في التيه ، فلما خرجوا منه عادوا لما كانوا عليه من فقر بعض وغنى بعض . فهذه تسعة أقوال في معنى قوله : ( على طعام واحد ) .

( فادع لنا ربك ) : معناه : اسأله لنا ، ومتعلق الدعاء محذوف ، أي ادع لنا ربك بأن يخرج كذا وكذا . ولغة بني عامر : ( فادع ) بكسر العين ، جعلوا دعا من ذوات الياء ، كرمى يرمي ، وإنما سألوا من موسى أن يدعو لهم بما اقترحوه ولم يدع لهم ; لأن إجابة الأنبياء أقرب من إجابة غيرهم ، ولذلك قالوا : ( ربك ) ولم يقولوا : ربنا ; لأن في ذلك من الاختصاص به ما ليس فيهم من مناجاته وتكليمه وإتيانه التوراة ، فكأنهم قالوا : ادع لنا الذي هو محسن لك ، فكما أحسن إليك في أشياء ، كذلك نرجو أن يحسن إلينا في إجابة دعائك . ( يخرج لنا ) : جزمه على جواب الأمر الذي هو ادع ، وقد مر نظيره في ( أوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) . وقيل : ثم محذوف تقديره : وقل له أخرج فيخرج ، مجزوم على جواب هذا الأمر الذي هو أخرج . وقيل : جزم ( يخرج ) بلام مضمرة ، وهي لام الطلب ، أي ليخرج ، وهذا عند البصريين لا يجوز .

( مما تنبت الأرض ) : مفعول ( يخرج ) محذوف و ( من ) تبعيضية : أي مأكولا مما تنبت ، هذا على مذهب سيبويه . وقال الأخفش : ( من ) زائدة ، التقدير : ما تنبت ، و ( ما ) موصولة ، والعائد محذوف تقديره : تنبته ، وفيه شروط جواز الحذف ، وأجاز بعضهم أن تكون ( ما ) مصدرية ، تقديره : من إنبات الأرض . قال أبو البقاء : لا يجوز ذلك لأن المفعول المقدر لا يوصف بالإنبات ; لأن الإنبات مصدر والمحذوف جوهر وإضافة الإنبات إلى الأرض مجاز ، إذ المنبت هو الله تعالى ، لكنه لما جعل فيها قابلية الإنبات نسب الإنبات إليها .

( من بقلها ) : هذا بدل من قوله : ( مما تنبت الأرض ) ، على إعادة حرف الجر ، وهو فصيح في الكلام ، أعني أن يعاد حرف الجر في البدل ، فـ ( من ) على هذا التقدير تبعيضية ، كهي في ( مما تنبت ) ، ويتعلق بـ ( يخرج ) إما الأولى ، وإما أخرى مقدرة على الخلاف الذي في العامل في البدل ، هل هو العامل الأول ، أو ذلك على تكرار العامل ؟ والمشهور هذا الثاني ، وأجاز المهدوي أيضا ، وابن عطية ، وأبو البقاء أن تكون ( من ) في قوله : ( من بقلها ) لبيان الجنس ، وعبر عنها [ ص: 233 ] المهدوي بأنها للتخصيص ، ثم اختلفوا ، فقال أبو البقاء : موضعها نصب على الحال من الضمير المحذوف ، تقديره : مما تنبته الأرض كائنا من بقلها ، وقدم ذكر هذا الوجه قال : ويجوز أن تكون بدلا من ( ما ) الأولى بإعادة حرف الجر . وأما المهدوي ، وابن عطية فزعما مع قولهما : إن ( من ) في ( من بقلها ) بدل من قوله : ( مما تنبت ) وذلك لأن ( من ) في قوله ( مما تنبت ) للتبعيض ، و ( من ) في قوله ( من بقلها ) على زعمهما لبيان الجنس ، فقد اختلف مدلول الحرفين ، واختلاف ذلك كاختلاف الحرفين ، فلا يجوز البدل إلا إن ذهب ذاهب إلى أن ( من ) في قوله : ( مما تنبت الأرض ) لبيان الجنس ، فيمكن أن يفرع القول بالبدل على كونها لبيان الجنس ، والمختار ما قدمناه من كون ( من ) في الموضعين للتبعيض ، وأما أن تكون لبيان الجنس ، فقد أباه أصحابنا وتأولوا ما استدل به مثبت ذلك ، والمراد بالبقل هنا : أطايب البقول التي يأكلها الناس ، كالنعناع ، والكرفس ، والكراث ، وأشباهها ، قاله الزمخشري . وقرأ يحيى بن وثاب وطلحة بن مصرف وغيرهما : ( وقثائها ) بضم القاف ، وقد تقدم أنها لغة .

( وفومها ) : تقدم الكلام فيه ، وللمفسرين فيه أقاويل ستة ، أحدها : أنه الثوم ، وبينته قراءة ابن مسعود : ( وثومها ) بالثاء ، وهو المناسب للبقل والعدس والبصل . الثاني : قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي : أنه الحنطة . الثالث : أنه الحبوب كلها . الرابع : أنه الخبز ، قاله مجاهد وابن عطاء وابن زيد . الخامس : أنه الحمص . السادس : أنه السنبلة .

( وعدسها وبصلها ) : وأحوال هذه الخمسة التي ذكروها مختلفة ، فذكروا ، أولا ما هو جامع للحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، إذ البقل منه ما هو بارد رطب كالهندبا ، ومنه ما هو حار يابس كالكرفس والسداب ، ومنه ما هو حار وفيه رطوبة عرضية كالنعناع . وثانيا : القثاء ، وهو بارد رطب . وثالثا : الثوم ، وهو حار يابس . ورابعا : العدس ، وهو بارد يابس . وخامسا : البصل ، وهو حار رطب ، وإذا طبخ صار باردا رطبا ، فعلى هذا جاء ترتيب ذكر هذه الخمسة .

( قال أتستبدلون ) : الضمير في ( قال ) ظاهر عوده على موسى ، ويحتمل عوده على الرب تعالى ، ويؤيده ( اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم ) ، والهمزة في ( أتستبدلون ) للإنكار ، والاستبدال : الاعتياض . وقرأ أبي : أتبدلون ، وهو مجاز ; لأن التبديل ليس لهم إنما ذلك إلى الله تعالى ، لكنهم لما كانوا يحصل التبديل بسؤالهم جعلوا مبدلين ، وكان المعنى : أتسألون تبديل .

( الذي هو أدنى بالذي هو خير ) ، والذي : مفعول ( أتستبدلون ) وهو الحاصل ، والذي دخلت عليه الباء هو الزائل ، كما قررناه في غير مكان .

( هو أدنى ) صلة للذي ، وهو هنا واجب الإثبات على مذهب البصريين ، إذ لا طول في الصلة ، وأدنى : خبر عن هو ، وهو أفعل التفضيل ، و ( من وما ) دخلت عليه حذفا للعلم ، وحسن حذفهما كون أفعل التفضيل خبرا ، فإن وقع غير خبر مثل كونه حالا أو صفة قل الحذف ، وتقديره : أدنى من ذلك الطعام الواحد ، وحسن حذفهما أيضا كون المفضل عليه مذكورا بعد ذلك ، وهو قوله : ( بالذي هو خير ) ، وأفرد : ( الذي هو أدنى ) لأنه أحال به على المأكول الذي هو ( مما تنبت الأرض ) ، وعلى ( ما ) من قوله : ( مما تنبت ) ، فيكون قد راعى المبدل منه ، إذ لو راعى البدل لقال : أتستبدلون اللاتي هي أدنى ، وقد تقدم القول في ( أدنى ) عند الكلام على المفردات وذكرنا الأقاويل الثلاثة فيها .

وقرأ زهير الفرقبي ويقال له زهير الكسائي : ( أدنأ ) بالهمز ، ووقع لبعض من جمع في التفسير وهم في نسبة هذه القراءة للكسائي ، فقال : وقرأ زهير والكسائي شاذا ( أدنأ ) فظن أن هذه قراءة الكسائي ، وجعل زهيرا والكسائي شخصين ، وإنما هو زهير الكسائي يعرف بذلك ، وبالفرقبي ، فهو رجل واحد .

فأما تفسير ( الأدنى والخير ) هنا ففيه أقاويل ، أحدها : قال الزجاج : تفاضل الأشياء بالقيم ، وهذه البقول لا خطر فيها ولا علو قيمة ، والمن والسلوى هما أعلى قيمة وأعظم خطرا ، واختار هذا الزمخشري ، [ ص: 234 ] قال : أقرب منزلة وأهون مقدارا ، والدنو والقرب يعبر بهما عن قلة المقدار فيقال : هو أدنى المحل وقريب المنزلة ، كما يعبر بالبعد عن عكس ذلك فيقال : بعيد المحل بعيد المنزلة ، يريدون الرفعة والعلو . انتهى كلامه ، وهو من كلام الزجاج . والثاني : أن المن والسلوى هو الذي من الله به وأمرهم بأكله ، وفي استدامة ما أمر الله به وشكر نعمته أجر وذخر في الآخرة ، والذي طلبوه عار من هذه الخصال فكان أدنى من هذا الوجه . الثالث : أن التفضيل يقع من جهة الطيب واللذة ، والمن والسلوى لا شك أنهما أطيب من البقول التي طلبوها . الرابع : أن المن والسلوى لا كلفة في تحصيله ولا تعب ولا مشقة ، والبقول لا تحصل إلا بعد مشقة الحرث والزرع والخدمة والسقي ، وما حصل بلا مشقة خير مما حصل بمشقة .

الخامس : أن المن والسلوى لا شك في حله وخلوصه لنزوله من عند الله ، والحبوب والأرض يتخللها العيوب والغصوب ويدخلها الحرام والشبهة ، وما كان حلا خالصا أفضل مما يدخله الحرام والشبهة . السادس : أن المن والسلوى يفضلان ما سألوه من جنس الغذاء ونفعه . وملخص هذه الأقوال : هل الأدنوية والخيرية بالنسبة إلى القيمة ، أو امتثال الأمر وما يترتب عليه ، أو اللذة ، أو الكلفة ، أو الحل ، أو الجنس ؟ أقوال ستة . وأما قراءة زهير فهي من الدناء .

وقد تقدم أن ( أدنى ) غير المهموز قيل إن أصلها الهمزة فسهل كهذه القراءة ، ومن قال بالقلب وإن أصله أدون ، فالدناءة والدون راجعان إلى معنى واحد ، وهو الخمسة ، وهو من جهة المعنى أحسن مقابلة لقوله : ( بالذي هو خير ) . ومن جعل ( أدنى ) بمعنى أقرب ; لأن الأدون والأدنأ يقابلهما الخير ، والأدنى بمعنى الأقرب يقابله الأبعد ، وحذف ( من ) ومعمولها بعد قوله : ( هو خير ) لما ذكرناه في قوله : هو أدنى ، من وقوع أفعل التفضيل خبرا ، وتقديره : منه ، أي من : ( الذي هو أدنى ) . وكانت هاتان الصلتان جملتين اسميتين لثبوت الجملة الاسمية ، وكان الخير أفعل التفضيل ; لأنه لا دلالة فيها على تعيين زمان ، بل في ذلك إثبات الأدنوية والخيرية من غير تقييد بزمان ، بخلاف الجملة الفعلية ، فإنه كان يتعين الزمان ، أو يتجوز في ذلك ، إن لم يقصد التعيين ، فكان الوصل بما هو حقيقة في عدم الدلالة على التعيين أفصح ، وكانت صلة ( ما ) في قوله : ( مما تنبت ) جملة فعلية ; لأن الفعل عندهم يشعر بالتجدد والحدوث ، والإنبات متجدد دائما ، فناسب كل مكان ما يليق به من الصلة .

التالي السابق


الخدمات العلمية