الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وقوله : ( على عقبيه ) في موضع الحال ، أي ناكصا على عقبيه ، ومعناه أنه رجع إلى ما كان عليه ، لم يخل في رجوعه بأنه عاد من حيث جاء إلى الحالة الأولى التي كان عليها ، فهو قد ولى عما كان أقبل عليه ، ومشى أدراجه التي تقدمت له ، وذلك مبالغة في التباسه بالشيء الذي يوصله إلى الأمر الذي كان فيه أولا . قالوا : وقد اختلفوا في أن هذه المحنة حصلت بسبب تعيين القبلة ، أو بسبب تحويلها . فقيل بالأول ; لأنه كان يصلي إلى الكعبة ، ثم صلى إلى بيت المقدس ، فشق ذلك على العرب من حيث إنه ترك قبلتهم ثم صلى إلى الكعبة ، فشق ذلك على اليهود من حيث إنه ترك قبلتهم . وقال الأكثرون بالقول الثاني ، قالوا : لو كان محمد على يقين من أمره ، لما تغير رأيه . وروي أنه رجع ناس ممن أسلم وقالوا : مرة هنا ومرة هنا ، وهذا أشبه ; لأن الشبهة في أمر النسخ أعظم من الشبهة الحاصلة بتعيين القبلة ، وقد وصفها الله بالكبر في قوله : ( وإن كانت لكبيرة ) . وقرأ ابن أبي إسحاق : على عقبيه ، بسكون القاف . وتسكين عين فعل ، اسما كان أو فعلا ، لغة تميمية ، وقد تقدم ذكر ذلك .

( وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله ) : اسم كانت مضمر يعود على التولية عن البيت المقدس إلى الكعبة ، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة ، وتحريره من جهة علم العربية أنه عائد على المصدر المفهوم من قوله : ( وما جعلنا القبلة ) ، أي وإن كانت الجعلة لكبيرة ، أو يعود على القبلة التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوجه إليها ، وهي بيت المقدس قبل التحويل ، قاله أبو العالية والأخفش . وقيل : يعود على الصلاة التي صلوها إلى بيت المقدس . ومعنى " كبيرة " : أي شاقة صعبة ، ووجه صعوبتها أن ذلك مخالف للعادة ; لأن من ألف شيئا ، ثم انتقل عنه ، صعب عليه الانتقال ، أو أن ذلك محتاج إلى معرفة النسخ وجوازه ووقوعه . وإن هنا هي المخففة من الثقيلة ، دخلت على الجملة الناسخة . واللام هي لام الفرق بين إن النافية والمخففة من الثقيلة ، وهل هي لام الابتداء ألزمت للفرق ، أم هي لام اجتلبت للفرق ؟ في ذلك خلاف ، هذا مذهب البصريين والكسائي والفراء وقطرب في إن التي يقول البصريون إنها مخففة من الثقيلة ، خلاف مذكور في النحو . وقراءة الجمهور : " لكبيرة " بالنصب ، على أن تكون خبر كانت . وقرأ اليزيدي : " لكبيرة " بالرفع ، وخرج ذلك الزمخشري على زيادة كانت ، التقدير : وإن هي لكبيرة ، وهذا ضعيف ; لأن كان الزائدة لا عمل لها ، وهنا قد اتصل بها الضمير فعملت فيه ، ولذلك استكن فيها . وقد خالف أبو سعيد ، فزعم أنها إذا زيدت عملت في الضمير العائد على المصدر المفهوم منها ، أي كان هو ، أي الكون . وقد رد ذلك في علم النحو . وكذلك أيضا نوزع من زعم أن كان زائدة في قوله :


وجيران لنا كانوا كرام



لاتصال الضمير به وعمل الفعل فيه ، والذي ينبغي أن تحمل القراءة عليه أن تكون " لكبيرة " خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : لهي كبيرة . ويكون لام الفرق دخلت على جملة في التقدير ، تلك الجملة خبر لكانت ، وهذا التوجيه ضعيف أيضا ، وهو توجيه شذوذ . ( إلا على الذين هدى الله ) ، هذا استثناء من المستثنى منه المحذوف ، إذ التقدير : وإن كانت لكبيرة على الناس إلا على الذين هدى الله ، ولا يقال في هذا إنه استثناء مفرغ ; لأنه لم يسبقه نفي أو شبهة ، إنما سبقه إيجاب . ومعنى هدى الله : أي هداهم لاتباع الرسول ، أو عصمهم واهتدوا بهدايته ، أو خلق لهم الهدى الذي هو الإيمان في قلوبهم ، أو وفقهم إلى الحق وثبتهم على الإيمان . وهذه أقوال متقاربة ، وفيه إسناد الهداية إلى الله ، أي أن عدم صعوبة ذلك إنما هو بتوفيق من [ ص: 426 ] الله ، لا من ذوات أنفسهم ، فهو الذي وفقهم لهدايته .

( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) : قيل : سبب نزول هذا أن جماعة ماتوا قبل تحويل القبلة ، فسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنهم ، فنزلت . وقيل : السائل أسعد بن زرارة ، والبراء بن معرور مع جماعة ، وهذا مشكل ; لأنه قد روي أن أسعد بن زرارة والبراء بن معرور ماتا قبل تحويل القبلة . وقد فسر الإيمان بالصلاة إلى بيت المقدس ، وكذلك ذكره البخاري والترمذي ، وقال ذلك ابن عباس والبراء بن عازب وقتادة والسدي والربيع وغيرهم ، وكنى عن الصلاة بالإيمان لما كانت صادرة عنه ، وهي من شعبه العظيمة . ويحتمل أن يقر الإيمان على مدلوله ، إذ هو يشمل التصديق في وقت الصلاة إلى بيت المقدس ، وفي وقت التحويل . وذكر الإيمان ، وإن كان السؤال عن صلاة من صلى إلى بيت المقدس ; لأنه هو العمدة ، والذي تصح به الأعمال . وقد كان لهم ثابتا في حال توجههم إلى بيت المقدس وغيره ، فأخبر تعالى أنه لا يضيع إيمانكم ، فاندرج تحته متعلقاته التي لا تصح إلا به . وكان ذكر الإيمان أولى من ذكر الصلاة ; لئلا يتوهم اندراج صلاة المنافقين إلى بيت المقدس ، وأتى بلفظ الخطاب ، وإن كان السؤال عمن مات على سبيل التغليب ; لأن المصلين إلى بيت المقدس لم يكونوا كلهم ماتوا . وقرأ الضحاك : ليضيع - بفتح الضاد وتشديد الياء - وأضاع وضيع ، الهمزة والتضعيف كلاهما للنقل ; إذ أصل الكلمة ضاع . وقال في المنتخب : لولا ذكر سبب نزول هذه الآية : لما اتصل الكلام بعضه ببعض . ووجه تقرير الإشكال ، أن الذين لا يجوزون النسخ إلا مع البداء يقولون : إنه لما تغير الحكم ، وجب أن يكون الحكم مفسدة ، أو باطلا ، فوقع في قلوبهم ، بناء على هذا السؤال ، أن تلك الصلوات التي أتوا بها متوجهين إلى بيت المقدس كانت ضائعة . فأجاب الله تعالى عن هذا الإشكال ، وبين أن النسخ نقل من مصلحة إلى مصلحة ، ومن تكليف إلى تكليف ، والأول كالثاني في أن المتمسك به قائم . انتهى .

وإذا كان الشك إنما تولد ممن يجوز البداء على الله ، فكيف يليق ذلك بالصحابة ؟ والجواب : أنه لا يقع إلا من منافق ، فأخبر عن جواب سؤال المنافق ، أو جووب على تقدير خطور ذلك ببال صحابي لو خطر ، أو على تقدير اعتقاده أن التوجه إلى الكعبة أفضل . وما ذكره في المنتخب من أنه لولا ذكر سبب نزول هذه الآية ، لما اتصل الكلام بعضه ببعض ، ليس بصحيح ، بل هو كلام متصل ، سواء أصح ذكر السبب أم لم يصح ، وذلك أنه لما ذكر قوله تعالى : ( لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ) ، كان ذلك تقسيما للناس حالة الجعل إلى قسمين : متبع للرسول ، وناكص . فأخبر تعالى أنه لا يضيع إيمان المتبع ، بل عمله وتصديقه ، قبل أن تحول القبلة ، وبعد أن تحول لا يضيعه الله ، إذ هو المكلف بما شاء من التكاليف ، فمن امتثلها ، فهو لا يضيع أجره . ولما كان قد يهجس في النفس الاستطلاع إلى حال إيمان من اتبع الرسول في الحالتين ، أخبر تعالى أنه لا يضيعه ، وأتى بكان المنفية بما الجائي بعدها لام الجحود ; لأن ذلك أبلغ من أن لا يأتي بلام الجحود . فقولك : ما كان زيد ليقوم ، أبلغ مما : كان زيد يقوم ; لأن في المثال الأول : هو نفي للتهيئة والإرادة للقيام ، وفي الثاني : هو نفي للقيام . ونفي التهيئة والإرادة للفعل أبلغ من نفي الفعل ; لأن نفي الفعل لا يستلزم نفي إرادته ، ونفي التهيئة والصلاح والإرادة للفعل تستلزم نفي الفعل ، فلذلك كان النفي مع لام الجحود أبلغ . وهكذا القول فيما ورد من هذا النحو في القرآن . وكلام العرب . وهذه الأبلغية إنما هي على تقدير مذهب البصريين ، فإنهم زعموا أن خبر كان التي بعدها لام الجحود محذوف ، وأن اللام بعدها أن مضمرة ينسبك منها مع الفعل بعدها مصدر ، وذلك الحرف متعلق بذلك الحرف المحذوف ، وقد صرح بذلك الخبر في قول بعضهم :


سموت ولم تكن أهلا لتسمو



ومذهب الكوفيين : أن اللام هي الناصبة ، وليست أن [ ص: 427 ] مضمرة بعده ، وأن اللام بعدها للتأكيد ، وأن نفس الفعل المنصوب بهذه اللام هو خبر كان ، فلا فرق بين : ما كان زيد يقوم ، وما كان زيد ليقوم ، إلا مجرد التأكيد الذي في اللام . والكلام على هذين المذهبين مذكور في علم النحو .

( إن الله بالناس لرءوف رحيم ) : ختم هذه الآية بهذه الجملة ظاهر ، وهي جارية مجرى التعليل لما قبلها ، أي للطف رأفته وسعة رحمته ، نقلكم من شرع إلى شرع أصلح لكم وأنفع في الدين ، أو لم يجعل لها مشقة على الذين هداهم ، أو لا يضيع إيمان من آمن ، وهذا الأخير أظهر . والألف واللام في بالناس يحتمل الجنس ، كما قال : ( الله لطيف بعباده ) ، ( ورحمتي وسعت كل شيء ) ، ( وسعت كل شيء رحمة وعلما ) ، ويحتمل العهد ، فيكون المراد بالناس المؤمنين . وقرأ الحرميان وابن عامر وحفص : لرءوف ، مهموزا على وزن فعول حيث وقع ، قال الشاعر :


نطيع رسولنا ونطيع ربا     هو الرحمن كان بنا رءوفا



وقرأ باقي السبعة : لرؤف ، مهموزا على وزن ندس ، قال الشاعر :


يرى للمسلمين عليه حقا     كحق الوالد الرؤف الرحيم



وقال الوليد بن عقبة :


وشر الظالمين فلا تكنه     يقابل عمه الرؤف الرحيم



وقرأ أبو جعفر بن القعقاع : لروف ، بغير همز ، وكذلك سهل كل همزة في كتاب الله ، ساكنة كانت أو متحركة . ولما كان نفي الجملة السابقة مبالغا فيها من حيث لام الجحود ، ناسب إثبات الجملة الخاتمة مبالغا فيها ، فبولغ فيها بإن وباللام وبالوزن على فعول وفعيل ، كل ذلك إشارة إلى سعة الرحمة وكثرة الرأفة . وتأخر الوصف بالرحمة لكونه فاصلة ، وتقدم المجرور اعتناء بالمرءوف بهم . وقال القشيري : من نظر الأمر بعين التفرقة ، كبر عليه أمر التحويل ; ومن نظر بعين الحقيقة ، ظهر لبصيرته وجه الصواب . ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) : أي من كان مع الله في جميع الأحوال على قلب واحد ، فالمختلفات من الأحوال له واحدة ، فسواء غير ، أو قرر ، أو أثبت ، أو بدل ، أو حقق ، أو حول ، فهم به له في جميع الأحوال . قال قائلهم :


حيثما دارت الزجاجة درنا     يحسب الجاهلون أنا جننا



التالي السابق


الخدمات العلمية