الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                  صفحة جزء
                                                                  أم يحيى امرأة وائل بن حجر عن وائل بن حجر .

                                                                  ( 117 ) حدثنا أبو هند يحيى بن عبد الله بن حجر بن عبد الجبار بن وائل بن حجر الحضرمي بالكوفة قال : حدثني عمي محمد بن حجر قال : حدثني عمي سعيد بن عبد الجبار ، عن أبيه عبد الجبار بن وائل ، عن أمه أم يحيى ، عن وائل بن حجر قال : لما بلغنا ظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجت وافدا عن قومي حتى قدمت المدينة ، فلقيت أصحابه قبل لقائه فقالوا : قد بشرنا بك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل أن تقدم علينا بثلاثة أيام فقال : " قد جاءكم وائل بن حجر " ثم لقيته [ ص: 47 ] عليه السلام ، فرحب بي ، وأدنا مجلسي ، وبسط لي رداءه فأجلسني عليه ، ثم دعا في الناس ، فاجتمعوا إليه ، ثم اطلع المنبر ، وأطلعني معه فأنا من دونه ، ثم حمد الله وقال : " يا أيها الناس ، هذا وائل بن حجر أتاكم من بلاد بعيدة من بلاد حضرموت طائعا غير مكره ، بقية أبناء الملوك ، بارك الله فيك ، يا وائل ، وفي ولدك ، وفي ولد ولدك " ، ثم نزل وأنزلني معه وأنزلني منزلا شاسعا من المدينة ، وأمر معاوية بن أبي سفيان أن ينزلني إياه ، فخرجت وخرج معي حتى إذا كنا ببعض الطريق قال : يا وائل ، إن الرمضاء قد أصابت باطن قدمي فأردفني خلفك ، قلت : ما أضن عنك بهذه الناقة ، ولكن لست من أرداف الملوك ، وأكره أن أعير بك قال : فألق إلي حذاءك أتوقى به من حر الشمس قال : ما أضن عنك بهاتين الجلدتين ، ولكن لست ممن يلبس لباس الملوك ، وأكره أن أعير بك ، فلما أردت الرجوع إلى قومي أمر لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتب ثلاثة منها : كتاب لي خالص يفضلني فيه على قومي ، وكتاب لي ولأهل بيتي بأموالنا هنالك ، وبكتاب لي ولقومي ، في كتابي الخالص : " بسم الله من محمد رسول الله إلى المهاجر بن أبي أمية : أن وائلا يستسعى ويترفل في الأقبال حيث كانوا من حضرموت " . وفي كتابي الذي لي ولأهل بيتي : " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى المهاجر بن أبي أمية لأبناء معشر ، وأبناء ضمعاج أقيال شنوءة بما كان لهم فيها من ملك ومراهن ، وعمران ، وبحر ، وملح ، ومحجر ، وما كان من مال أترثوه وماء ينابع وما لهم فيها من مال بحضرموت أعلاها وأسفلها على الذمة والجوار ، الله لهم جار ، والمؤمنون على ذلك أنصار . وفي الكتاب الذي لي ولقومي : " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد [ ص: 48 ] رسول الله إلى وائل بن حجر والأقوال العياهلة من حضرموت بإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة من الصرمة التبعة ، ولصاحبها الثيمة لا جلب ولا جنب ولا شغار ولا وراط في الإسلام ، لكل عشرة من السرايا ما يحمل القراب من التمر من أجبا فقد أربى ، وكل مسكر حرام ، فلما ملك معاوية بعث رجلا من قريش ، يقال له بسر بن أرطاة ، وقال له : لقد ضممت إليك الناحية فاخرج بجيشك ، فإذا خلفت أفواه الشام فضع سيفك ، فاقتل من أبى بيعتي حتى تصير إلى المدينة ، ثم ادخل المدينة فاقتل من أبى بيعتي ، ثم اخرج إلى حضرموت فاقتل من أبى بيعتي ، وإن أصبت وائل بن حجر حيا فائتني به ففعل فأصاب وائل بن حجر حيا ، فجاء به إليه فأمر معاوية أن يتلقى وأذن له فأجلسه معه على سريره فقال له معاوية : أسريري هذا أفضل أم ظهر ناقتك ؟ ، قلت : يا أمير المؤمنين ، كنت حديث عهد بجاهلية وكفر ، وكانت تلك سيرة الجاهلية ، وقد أتانا الله اليوم بالإسلام فسيرة الإسلام ما فعلت قال : فما منعك من نصرنا وقد اتخذك عثمان ثقة وصهرا ؟ ، قلت : إنك قاتلت رجلا هو أحق بعثمان منك قال : فكيف يكون أحق بعثمان مني فأنا أقرب إلى عثمان بالنسب ؟ ، قلت : إن النبي صلى الله عليه وسلم آخا بين علي ، وعثمان ، والأخ أولى من ابن العم ، ولست أقاتل المهاجرين قال : أولسنا مهاجرين ؟ ، قلت : أوليس قد اعتزلناكما جميعا ؟ وحجة أخرى حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رفع رأسه نحو المشرق ، وقد حضره جمع كثير ثم رد إليه بصره فقال : " أتتكم الفتن كقطع الليل المظلم فشد أمرها وعجله وقبحه " ، قلت له : من بين القوم يا رسول الله ، وما الفتن ؟ قال : " يا وائل ، إذا اختلف سيفان في الإسلام فاعتزلهما " فقال : أصبحت شيعيا ، فقلت : لا ، ولكن [ ص: 49 ] أصبحت ناصحا للمسلمين ، فقال معاوية : لو سمعت ذا وعلمته ما أقدمتك ، قلت : أوليس قد رأيت ما صنع محمد بن مسلمة عند مقتل عثمان أومأ بسيفه إلى صخرة فضربه بها حتى انكسر ؟ قال : أولئك قوم يحملون علينا ، قلت : فكيف نصنع بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب الأنصار فبحبي ومن أبغضهم فببغضي ؟ ، فقال : اختر أي البلاد شئت ، فإنك لست براجع إلى حضرموت ، فقلت : عشيرتي بالشام وأهل بيتي بالكوفة ، فقال رجل من أهل بيتك خير من عشرة من عشيرتك ، فقلت : ما رجعت إلى حضرموت سرورا بها ، وما ينبغي للمهاجر أن يرجع إلى الموضع الذي هاجر منه إلا من علة قال : وما علتك ؟ ، قلت : قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتن " فحيث اختلفتم اعتزلناكم وحيث اجتمعتم جئناكم " فهذه العلة ، فقال : إني قد وليتك الكوفة فسر إليها ، فقلت : ما إلي بعد النبي صلى الله عليه وسلم لأحد أما رأيت أبا بكر قد أرادني فأبيت ، وأرادني عمر فأبيت ، وأرادني عثمان فأبيت ، ولم أدع بيعتهم قد جاء في كتاب أبي بكر حيث ارتد أهل ناحيتنا ، فقمت فيهم حتى ردهم الله إلى الإسلام بغير ولاية فدعا عبد الرحمن ابن أم الحكم ، فقال له : سر فقد وليتك الكوفة وسر بوائل بن حجر فأكرمه واقض حوائجه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أسأت في الظن تأمرني بإكرام رجل قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرمه وأبا بكر ، وعمر ، وأنت قال : فسر بمعرفة ذلك منه فقدم معه .

                                                                  التالي السابق


                                                                  الخدمات العلمية