الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وشد حنظلة الغسيل ، وهو حنظلة بن أبي عامر على أبي سفيان ، فلما تمكن منه حمل على حنظلة شداد بن الأسود فقتله ، ( وكان جنبا فإنه سمع الصيحة وهو على امرأته ، فقام من فوره إلى الجهاد ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه " أن الملائكة تغسله " ثم قال : " سلوا أهله ؟ ما شأنه ؟ " فسألوا امرأته ، فأخبرتهم الخبر ) . وجعل الفقهاء هذا حجة ، أن الشهيد إذا قتل جنبا ، يغسل اقتداء بالملائكة .

وقتل المسلمون حامل لواء المشركين ، فرفعته لهم عمرة بنت علقمة الحارثية حتى اجتمعوا إليه ، وقاتلت أم عمارة ، وهي نسيبة بنت كعب المازنية قتالا شديدا ، وضربت عمرو بن قمئة بالسيف ضربات فوقته درعان كانتا عليه ، وضربها عمرو بالسيف فجرحها جرحا شديدا على عاتقها .

وكان عمرو بن ثابت المعروف بالأصيرم من بني عبد الأشهل يأبى الإسلام ، فلما كان يوم أحد ، قذف الله الإسلام في قلبه للحسنى التي سبقت [ ص: 180 ] له منه ، فأسلم وأخذ سيفه ، ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فقاتل فأثبت بالجراح ، ولم يعلم أحد بأمره ، فلما انجلت الحرب ، طاف بنو عبد الأشهل في القتلى ، يلتمسون قتلاهم ، فوجدوا الأصيرم وبه رمق يسير ، فقالوا : والله إن هذا الأصيرم ، ما جاء به ، لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الأمر ، ثم سألوه ما الذي جاء بك ؟ أحدب على قومك ، أم رغبة في الإسلام ؟ فقال : بل رغبة في الإسلام ، آمنت بالله ورسوله ، ثم قاتلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصابني ما ترون ، ومات من وقته ، فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ( هو من أهل الجنة ) . قال أبو هريرة : ولم يصل لله صلاة قط .

ولما انقضت الحرب أشرف أبو سفيان على الجبل فنادى : أفيكم محمد ؟ فلم يجيبوه ، فقال : أفيكم ابن أبي قحافة ؟ فلم يجيبوه . فقال : أفيكم عمر بن الخطاب ؟ فلم يجيبوه ، ولم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة لعلمه وعلم قومه أن قوام الإسلام بهم ، فقال : أما هؤلاء ، فقد كفيتموهم ، فلم يملك عمر نفسه أن قال : يا عدو الله إن الذين ذكرتهم أحياء ، وقد أبقى الله لك ما يسوءك ، فقال : قد كان في القوم مثلة لم آمر بها ، ولم تسؤني ، ثم قال : اعل هبل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( " ألا تجيبونه " ؟ فقالوا : ما نقول ؟ قال " قولوا : الله أعلى وأجل " ثم قال : لنا العزى ولا عزى لكم . قال : " ألا تجيبونه ؟ قالوا : ما نقول ؟ قال : " قولوا : الله مولانا ولا مولى لكم " ) .

[ ص: 181 ] فأمرهم بجوابه عند افتخاره بآلهته ، وبشركه تعظيما للتوحيد ، وإعلاما بعزة من عبده المسلمون ، وقوة جانبه ، وأنه لا يغلب ، ونحن حزبه وجنده ، ولم يأمرهم بإجابته حين قال : أفيكم محمد ؟ أفيكم ابن أبي قحافة ؟ أفيكم عمر ؟ بل قد روي أنه نهاهم عن إجابته ، وقال : لا تجيبوه ، لأن كلمهم لم يكن برد بعد في طلب القوم ، ونار غيظهم بعد متوقدة ، فلما قال لأصحابه : أما هؤلاء فقد كفيتموهم ، حمي عمر بن الخطاب ، واشتد غضبه ، وقال : كذبت يا عدو الله ، فكان في هذا الإعلام من الإذلال ، والشجاعة ، وعدم الجبن والتعرف إلى العدو في تلك الحال ما يؤذنهم بقوة القوم وبسالتهم ، وأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا ، وأنه وقومه جديرون بعدم الخوف منهم ، وقد أبقى الله لهم ما يسوءهم منهم ، وكان في الإعلام ببقاء هؤلاء الثلاثة وهلة بعد ظنه وظن قومه أنهم قد أصيبوا ، من المصلحة ، وغيظ العدو وحزبه ، والفت في عضده ما ليس في جوابه حين سأل عنهم واحدا واحدا ، فكان سؤاله عنهم ، ونعيهم لقومه آخر سهام العدو وكيده ، فصبر له النبي صلى الله عليه وسلم حتى استوفى كيده ، ثم انتدب له عمر ، فرد سهام كيده عليه ، وكان ترك الجواب أولا عليه أحسن ، وذكره ثانيا أحسن ، وأيضا فإن في ترك إجابته حين سأل عنهم إهانة له ، وتصغيرا لشأنه ، فلما منته نفسه موتهم ، وظن أنهم قد قتلوا ، وحصل له بذلك من الكبر والأشر ما حصل ، كان في جوابه إهانة له ، وتحقير ، وإذلال ، ولم يكن هذا مخالفا ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تجيبوه ) فإنه إنما نهى عن إجابته حين سأل : أفيكم محمد ؟ أفيكم فلان ؟ أفيكم فلان ؟ ولم ينه عن إجابته حين قال : أما هؤلاء ، فقد قتلوا . وبكل حال ، فلا أحسن من ترك إجابته أولا ، ولا أحسن من إجابته ثانيا .

ثم قال أبو سفيان : يوم بيوم بدر ، والحرب سجال ، فأجابه عمر ، فقال : ( لا سواء ، قتلانا في الجنة ، وقتلاكم في النار ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية