الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                              المسألة الخامسة : قوله : { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين } .

                                                                                                                                                                                                              المعنى : قد أعطيناك الآخرة ، فلا تنظر إلى الدنيا ، وقد أعطيناك العلم فلا تتشاغل بالشهوات ، وقد منحناك لذة القلب فلا تنظر إلى لذة البدن ، وقد أعطيناك القرآن فتغن به ، فليس منا من لم يتغن بالقرآن أي ليس منا من رأى بما عنده من القرآن أنه ليس بغني حتى يطمح ببصره إلى زخارف الدنيا ، وعنده معارف المولى ، حيي بالباقي ، فغني عن الفاني .

                                                                                                                                                                                                              [ ص: 114 ] وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { حبب إلي من دنياكم ثلاث : الطيب ، والنساء ، وجعلت قرة عيني في الصلاة } . فكان يتشاغل بالنساء جبلة الآدمية وتشوف الخلقة الإنسانية ، ويحافظ على الطيب منفعة خاصية وعامية ، ولا يقر له عين إلا في الصلاة لدى مناجاة المولى ، ويرى أن مناجاة المولى أجدر من ذلك وأولى .

                                                                                                                                                                                                              وقد بينا تحقيق ذلك في شرح الحديث ، ولم يكن في دين محمد صلى الله عليه وسلم الرهبانية والإقبال على الأعمال الصالحة بالكلية كما كان في دين عيسى ; وإنما شرع الله له ولنا بحكمته حنيفية سمحة خالصة عن الحرج خفيفة عن الإصر ، نأخذ من الآدمية وشهواتها بحظ وافر ، ونرجع إلى الله بقلب سليم ، إن شغل بدنه باللذات عكف قلبه على المعارف ، ورأى اليوم علماء القراء والمخلصون من الفضلاء أن الانكفاف عن اللذات ، والخلوص لرب السموات اليوم أولى ، لما غلب على الدنيا من الحرام ، واضطر إليه العبد في المعاش من مخالطة من لا تجوز مخالطته ، ومصانعة من تحرم مصانعته ، وحماية الدنيا بالدين ، وصيانة المال بتبدل الطاعة بدلا عنه ; فكانت العزلة أفضل ، والفرار عن الناس أصوب للعبد وأعدل ، حسبما تقدم به الوعد الذي لا خلف له من الصادق ; { يأتي على الناس زمان يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ، ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن } .

                                                                                                                                                                                                              فإن قيل : ففي هذا الحديث الذي ذكرتم وهي :

                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية