الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل أطلب الطلاق وأرتاح أم ماذا أفعل؟

السؤال

أنا بنت وحيدة والدي، تزوجت قبل سنة (عقد قران فقط) ولا أدري لماذا تسرعت بهذا الزواج، لا أعرف شيئا عن ذلك الشخص الذي سأتزوجه، المهم بدأت الخلافات، والذي زاد الوضع سوءاً أنه لا يلبي احتياجاتي المادية، فأنا أعيش في وسط يجب على الزوج أن يلبي كل احتياجات زوجته، ولكن -للأسف- هو ما زال يترك هذه الأمور لأسرتي، حتى مصاريف دراستي، أنا لا أبحث عن المادة، ولا أشوه منظره، ولكن من الصعب أن أجد الأعذار كل مرة عندما أحتاج لشيء ولا أجده.

لا أنكر أنه يحبني، ولكنني أشعر بأنه يكذب أحيانا علي في مشاعره، والأكثر وجعا أنه يتعامل معي بطريقة جارحة بعض الشيء، وعناد كبير، كلما تحدث مشكلة يتعامل معها بذكورية شرقية جدا، وأحيانا أرد الأمر إلى فارق العمر بيننا 17 سنة، أو أن البيئات مختلفة، أو أنه تعلقي بوالدتي، ولكن هناك أشياء كثيرة لا نستطيع أن نتعامل بها مع بعض، والشيء الأكثر سوءاً أنه يشكو لكل قريب مني مشكلنا، ويظهرني بمنظر البشعة المدللة التي تحطمه، وأنا ألتزم الصمت، ولكن طفح الكيل، كل هذا وأكثر، ولا أدري ماذا أفعل.

هل أطلب الطلاق منه، وماذا سيحل بمستقبلي، وهل سأستطيع أن أتزوج وأبدأ حياة عملية وزوجية جديدة، أم أرضي بواقعي وأعيش أمومتي التي أتمناها؟ أم ستحدث مشاكل وتقع بظلالها على أطفالي وسيكرهون أني أمهم، أم أحاول تدارك المشاكل؟

مع العلم أني فتاة مراهقة 16 سنة، طموحة ومتفوقة دراسياً واجتماعيا، والحقيقة أنه يتملكني رعب وخوف عندما يأتي بيتنا، ولا أدري ماذا أفعل هل أطلب الطلاق؟ وقد تبقى شهر كي أخبره بقراري، ونحن الآن منقطعين عن بعضنا.

أرجوكم أخبروني ماذا أصنع؟ وأتمنى أن تأتيني الإجابة في وقت قصير، فحياتي مرهونة بهذه المساعدة، ولأن لكم كل الثقة والاحترام، ولن أنسى هذا الجميل، أرجوكم بسرعة ردوا علي.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الابنة الفاضلة/ جودي حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك إسلام ويب، فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأل الله جل جلاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يشرح صدرك، وأن ييسر أمرك، وأن يصلح ما بينك وبين زوجك، وأن يجمع بينكما على خير، إنه جواد كريم.

وبخصوص ما ورد برسالتك -ابنتي الكريمة الفاضلة- : فإنه مما لا شك فيه أن فارق السن بينكما ليس بالهين، فكما -ذكرتِ أنت- فارق العمر بينكما يصل إلى سبعة عشر عامًا، وهذا بالتالي يجعل من الصعب التفاهم الدائم في كل الأمور، فأنت ما زلت مراهقة حيث إنك في السادسة عشر من عمرك، وزوجك قد تخطى الثلاثين من عمره، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن بينكما جيلاً، وهذه الفترة الزمنية الكبيرة قطعًا ومما لا شك فيه تُلقي بظلالها على رؤيتك أنت للأشياء وتحليلك لها، وهو كذلك، ولذلك أرى فعلاً أن هنالك نوع من التعجل فيما يتعلق بارتباطك بهذا الرجل.

وكذلك أيضًا هنالك نوع من عدم مراعاة الفوارق العمرية الكبيرة، التي تجعل التفاهم في معظم الأحايين يكاد يكون ضعيفًا إن لم يكن مستحيلاً، وكذلك أيضًا هذه السلبيات التي ذكرتها في رسالتك، في الواقع لا تبشر بخير، فأنتما ما زلتما على البر، وكل واحد منكما مازال في بيت أهله، وهذا الكم من المشاكل كفيل بأن يحدث شرخًا في قلب كل واحد منكما تجاه الآخر.

ولذلك أرى فعلاً أن تجلسي مع أسرتك -بارك الله فيك- وأن تناقشي الأمر معهم، لأن قضية الطلاق ليست بالأمر الهين ولا بالأمر السهل، وهي في الوقت ذاته أيضًا جعلها الله حلاً عندما تتعذر الحلول الأخرى، فجعل الله -تبارك وتعالى- الطلاق رحمة، لأنه يستحيل أن تعيش امرأة مع رجل لا تحبه ولا تريده ولا تفاهم بينها وبينه إلى هذا الحد، لأن هذه الحياة بهذه الطريقة تعتبر عقوبة من العقوبات وأشبه أن تكون بسجن انفرادي صعب على الإنسان أن يخرج منه أو يتخلص منه، ولكن من رحمة الله تعالى جعل الطلاق لإيجاد حل لمثل هذه المشاكل التي يتعذر على الناس أن يسيطروا عليها.

فأنا أقول: لأن قرار الطلاق ليس بالأمر الهين وليس بالأمر البسيط أو السهل، أرى بارك الله فيك أن تعرضي الأمر على أسرتك، وأن تشرحي لهم عواطفك ومشاعرك، وأن تذكري لهم ما تعانين منه، وما بينك وبين هذا الرجل، وأن تتركي القرار لهم، قولي لهم (أنا لا أريد أن آخذ قرارًا نيابة عنكم لأنكم أنتم من زوجتموني بهذا الرجل، وكما تعلمون أن فارق السن بيننا ليس بالأمر الهين، وهذا سيترتب عليه دائمًا وجود خلافات في وجهات النظر، فأنا طموحة ومتفوقة دراسيًا واجتماعيًا، ولي رغبات أن أكون شيئًا، وقطعًا زوجي قد لا تكون هذه المسائل متوفرة لديه، مما يجعل التفاهم بينه في كل أمر فيه قدر كبير من الصعوبة).

لعل قرار الانفصال الآن هو الأوفق، ولكن بما أنه لا يمكن أن تأخذي أنت قرارًا بهذا الحجم وحدك لقلة خبرتك أرى أن تعرضي الأمر على الأسرة، وأن تحاول الأسرة بدورها أيضًا أن تدخل لإيجاد حل، فمن الممكن أن يحدث هناك لقاء ما بينك وبين زوجك، أو ما بين أهلك وبينه، وتُدرس هذه النقاط التي هي سبب الإزعاج، تدرس بدقة وأمانة، هل من الممكن أن نوجد حلاً لهذه الخلافات حتى نقضي عليها؟ هل من الممكن أن تتقلص هذه المشاكل إلى أبعد حد، حتى من الممكن أن نسيطر عليها وأن نعيش معًا؟ لأن هناك خلافات ليست قاسية أو عنيفة يعيش معها الإنسان ويتأقلم معها ويتعود عليها كما يتعود على بعض الأمراض المستديمة مثلاً، فهناك خلافات مزعجة للغاية يتعذر على أي إنسان أن يعيش معها أو في داخلها.

كم أتمنى أن تعرضي الأمر على أسرتك، وأن تشرحي لهم الأمر بكل وضوح حتى يكونوا معك في اتخاذ القرار المناسب، ثم بعد ذلك من الممكن إذا رأت الأسرة أن يتم لقاء مع الزوج ومناقشة الأمر معه بوضوح، لأنني لا أرى حقيقة وسيلة أفضل لحل المشكلات من النقاش المباشر والحوار الهادئ، فإن معظم الأمور تحل بإذن الله تعالى بأبسط صور الحل، وتكاد المشاكل أن تنتهي تمامًا مع وجود مبدأ الشورى والحوار والنقاش المباشر والمواجهة المؤدبة التي تراعي مشاعر كل طرف.

فأرى بارك الله فيك -كما ذكرت- أن تعرضي الأمر على أسرتك، وأن تستعيني بهم بعد الله تعالى في اتخاذ القرار الموفق، وأسأل الله تبارك وتعالى أن يشرح صدرك وصدر أسرتك لاتخاذ القرار الصائب والمناسب، إنه جواد كريم.

هذا وبالله التوفيق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً