الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

والدتي تشك بأن والدي سيتزوج عليها، فكيف نتصرف حيال ذلك؟

السؤال

السلام عليكم.

والدتي عمرها في الستينات، تعيش مع والدي فقط، وجميعنا متزوجون، قبل بضع سنوات أصبحت تأتيها حالة كل أربعة أشهر تقريبًا، وتستمر لمدة ثلاثة أسابيع أو أربعة، ثم تعود لحالتها الطبيعية.

الحالة تتمثل في: أفكار تسيطر عليها بأن هناك من أقاربها من يتآمر عليها، ويريد لها الشر، وأنهم يريدون تزويج والدي بأخرى، وتبدأ تشتكي للوالد، وتحذره من أنهم سيجبرونه بالزواج من فلانة التي تصغره بأربعين سنةً، وتفسر كل حركة يقوم بها هؤلاء الأقارب، بأنها مقصودة لإذلالها وإهانتها، والوالد هو من يخبرني بشكوكها، وأنها تشك حتى بأقرب الأقربين لها، وقد حاول والدي تهدئتها، والتحدث معها بلطف، وطمأنتها تارةً، وأحيانًا بالشدة والغضب تارةً أخرى، ولكن بلا جدوى؛ فهي متأكدة من شكوكها، وتغضب إذا قال لها: إنها وساوس من الشيطان، وللأسف تقول: إنها ترى بالمنام أحلامًا تؤكد لها صحة هذه الظنون، وأن ما تتحدث به هو الحقيقة، ولا يحق لك تكذيبي.

أما نحن فلا تتحدث إلينا أثناء هذه الحالة، وإذا كلمناها عبر الهاتف ترد باختصار، وتنهي المكالمة سريعًا، ويظهر عليها التعب، والإجهاد، وكثرة التفكير، وأصبحت أخشى من التحدث معها كثيرًا أثناء حالتها؛ حتى لا تفسر كلامي تفسيرًا خاطئًا.

في البداية كنت أظن أن ما تقوله حقيقي، وأن هؤلاء فعلاً يريدون تزويج والدي بالإكراه، لكن عندما بدأت تتكلم بأحداث وقصص أخرى، أنا أعلم يقينًا أنها لم ولن تحدث، أصبحت متأكدةً بأن ما تقوله مجرد أوهام، أو وسوسة سيطرت عليها، وأكدت لها ذلك أحلامها التي تراها بالمنام.

هذه الأيام بدأت تخبرني شخصيًا ببعض ما تفكر فيه؛ بغرض مساعدتها في إقناع والدي بالعدول عن فكرة الزواج من أخرى، وتتصل علي بأوقاتٍ مختلفة، فهي لا تكف عن التفكير بهذا الموضوع ليلاً ولا نهارًا، وأحاول مجاراتها، وتصديقها، وأدعوها للدعاء إن كانت حقًا مظلومة، وأن تلتجئ إلى الله؛ فهو خير معين، وطمأنتها أن الوالد غير راغب بالزواج، وأنه متضايق جدًا من هذا الموضوع، ولكنها تلتزم الصمت، وكأن كلامي لا يعجبها، فما هذه الحالة التي تعاني منها؟ وهل ستعود لحياتها الطبيعية؟ وهل نجاري شكوكها حتى لا تغضب، أم نقول لها بأن ما تفكر به مجرد أوهام؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ منيرة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، ونشكرك كثيرًا على تواصلك مع إسلام ويب، ونشكرك على الاهتمام بأمر والديك، ونسأل الله تعالى الشفاء والعافية لوالدتك.

أيتها الفاضلة الكريمة: شرحك لحالة والدتك واضح جدًا، وهي تعاني من الظنان الاضطهادي؛ وهو نوع من سوء التأويل والفكر التوهمي، الذي يسطر على البعض في مثل هذه الأعمار، وهذه حالة طبية معروفة، ويعرف عنها أنها تزداد وتشتد من وقت لآخر، وحقيقةً مثل هذه الأمراض لو أنها تأتي لأحد في سن صغيرة، فإن المرض يكون أكثر وضوحًا، وأكثر تشعبًا؛ لأن والدتك اكتسبت فيها الكثير من الخبرات والمهارات في الحياة، فهي تحاول جل جهدها أن تغطي على المرض، وخاصةً حين يتم مناقشتها، وهذا نسميه بازدواجية التوجه؛ يعني أن لديها القدرة بأن تخفي مرضها، ولكن أحيانًا أخرى يتغلب عليها المرض ويظهر.

أيتها الفاضلة الكريمة: هذه الحالة تعالج طبيًا ونفسياً، وصاحبها لا يعتبر نفسه مريضًا، وهذا من أحد الأسس التشخيصية: النكران، ورفض فكرة العلاج، وأن المريض لا يعاني من أي شيء، وهذا نفسه معيار تشخيصي مهم جدًا وضروري، والممارسة الجادة حول هذه الأفكار، وإقناع هؤلاء المرضى بأنهم واهمون أو متوهمون، وربما يتطور الظنان ويتشعب؛ لذا ننصح الناس دائمًا بأن يغيروا الموضوع، حين يكون هنالك استرسال من ناحية المريض حول أفكاره.

وبالنسبة لوالدك الكريم: أعتقد أنه يعاملها بالتي هي أحسن، ويقول لها هذه الأفكار غير صحيحة، ويجب أن لا تزعجي نفسك، ولا يزيد على هذا بمحاولة إقناعها، وأخذ الأمور بالمنطق؛ لأن الفكر الظناني، والاضطهادي، والوسواسي الباروني، لا يقوم أصلاً على منطق.

والدتك -إن شاء الله تعالى- ستستجيب للعلاج الدوائي، وهنالك أدوية متميزة لعلاج هذه الأفكار، منها: عقار يعرف باسم رزبريدال Risporidal، والاسم العلمي هو رزبريادون Risperidone، وعقار آخر يعرف باسم سليان، وعقار ثالث يعرف زبراكساZyprexa، والاسم العلمي هو اولانزبين Olanzapine، وعقار رابع يعرف باسم كواتيبين Quetiapine، وآخر يسمى ابلفايAbilify، الاسم العلمي هو ارييزازول Airpiprazole، وهنالك عدة أدوية تعالج مثل هذه الحالات، والتعامل معها يكون من خلال ما ذكرنا، وهو عدم مناقشتها في أفكارها هذه.

ثانيًا: يمكن أن يقال لها: نلاحظ عليك بعض الإجهاد، فلماذا لا تذهبين إلى الطبيب؟ ويكون هنالك اتفاق مع الطبيب مسبقًا حول ما تعاني منه، والطبيب بكل حرفية واقتدار وكياسة، يستطيع أن يبني معها علاقةً علاجيةً، ومن ثم يصرف لها الدواء، أؤكد لك أن الحالة الظنانية البارونية علاجها علاج دوائي، وهو متوفر جدًا.

نسأل الله تعالى لوالدتك الشفاء والعافية، ونشكرك على اهتمامك بأمرها.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً