الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بين الوسواس القهري والاضطراب العقلي .. معاناة شاب
رقم الإستشارة: 2108756

12228 0 523

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

منذ 11 يوماً تأتيني أفكار تزداد في شدتها كل يوم، وكأن شخصاً يقول لي: أنت فعلت كذا وكذا، وهي أفعال تتعلق بالجنس والاغتصاب ( أنت اغتصبت فلانة في ذلك اليوم )، وأنا متأكّد أنني لم أفعل، بل تطور الموضوع إلى أي فتاة أمر بجانبها وأراها تأتيني الفكرة بعدها - لقد نظرت إليها وفعلت لها - ثم يبدأ الخوف من العواقب الوخيمة، وتزداد شدة في وقت النوم!

المشكلة أنني في قرارة نفسي أدري أن هذا وهم، ولكن الوهم أصبح له لسان يخبرني أنني أتهرب من الحقيقة، رغم أن كل هذه الأفعال التي تدور في رأسي على أساس أنني فعلتها، حدوثها مناف للمنطق وللظروف، ولم يحدث ما يدل على ذلك، فما تفسير ذلك؟!

بارك الله فيكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فإن كنت تسمع صوتاً واضحاً يقول لك إنك فعلت كذا وكذا، فهذا يشير إلى تشخيص حالة نعتبرها من الحالات الذهانية، وهو نوع من الاضطراب العقلي البسيط، وأرجو أن لا تنزعج لما ذكرته لك؛ لأن حقيقة هذا الاحتمال الذي ذكرته لك هو الاحتمال الأقل.
أما الاحتمال الأكبر فهو أنك تمر بنوبة من الوسواس القهري الشديد، وأنت ذكرت كلمة (كأن شخصاً) و(كأن) هنا دليل قاطع على أنك لا تسمع صوتاً مميزاً، لكن ربما يكون هذا شيئاً من حديث النفس، والوساوس دائماً تأتي في شكل حديث نفس، ويكون محتواها في كثير من الأحيان هو نفس المحتوى الذي ذكرته.

أنا سوف أعالج حالتك كحالة وسواسية قهرية حادة، والاحتمال الأول الذي ذكرته لك لن نعطيه اعتباراً كبيراً في هذه المرحلة، ولكن من خلال التواصل معك - إن شاء الله تعالى - نستطيع أن نكون أكثر استبصاراً وعمقاً للحالة.

بالطبع إذا استطعت أن تقابل طبيباً نفسياً فهذا قد يكون أمراً جيداً، ويمكن أن تذكر له الاحتمالات التشخيصية التي ذكرتها لك، أما إذا كان الذهاب للطبيب النفسي ليس بالأمر المتيسر فأقول لك: حاول أن تتحصل على دواء، هذا الدواء يعرف تجارياً باسم (بروزاك Prozac)، ويسمى علمياً باسم (فلوكستين Fluoxetine)، وهو من الأدوية الممتازة جدّاً لعلاج الوساوس القهرية، ابدأ بجرعة كبسولة واحدة في اليوم (20 مليجرام) واستمر عليها لمدة أسبوع، بعد ذلك ارفع الجرعة إلى كبسولتين في اليوم، يمكنك أن تتناولها كجرعة واحدة في الصباح بعد الفطور أو بعد الغداء إذا شئت أن تتناولها أثناء النهار، واستمر على هذه الجرعة لمدة شهر، ثم بعد ذلك ارفعها إلى ثلاث كبسولات في اليوم، تناول كبسولة في الصباح وكبسولتين ليلاً، واستمر على هذه الجرعة لمدة شهرين، ثم خفض الجرعة مرة أخرى إلى كبسولتين في اليوم لمدة ثلاثة أشهر، ثم خفضها إلى كبسولة واحدة في اليوم لمدة ستة أشهر.

التحسن في حالات الوساوس القهرية لن يبدأ قبل ثلاثة أسابيع من بداية العلاج، ويصل قمته بعد ثمانية أسابيع من بداية العلاج، هذه الحقيقة مهمة جدّاً؛ لأنها تجعلك تصبر على الدواء؛ لأن هذه الأدوية تعمل من خلال البناء الكيميائي، وهذا لابد أن يتم حتى تتحصل على الفعالية اللازمة.

هنالك دواء آخر أريدك أن تستعمله كدواء مساند، هذا الدواء يعرف تجارياً باسم (رزبريدال Risporidal) أو ما يسمى علمياً باسم (رزبريادون Risperidone)، وجرعته هي واحد مليجرام ليلاً لمدة أسبوعين، بعد ذلك ارفع الجرعة إلى اثنين مليجرام ليلاً لمدة شهرين، ثم خفضها إلى واحد مليجرام ليلاً لمدة ثلاثة أشهر، ثم توقف عن تناول الرزبريادال.

إذن: البروزاك هو الدواء الرئيسي، والرزبريدال هو الدواء المساند والمساعد، بالطبع من المنطق أن تسأل لماذا أعطيناك جرعا لمدة طويلة نسبياً فيما يخص عقار بروزاك؟ هذا مهم جدّاً؛ لأن الوساوس القهرية من طبيعتها كثيراً ما تختفي، ولكن تحدث انتكاسات متسارعة إذا لم يتناول الإنسان الدواء للمدة المطلوبة.

أنا أريدك أن تتبع هذه التوجيهات، وأسأل الله تعالى أن ينفعك بها، وإذا استمرت معك الأعراض بنفس الحدة والشدة بعد شهرين من بداية الدواء فأرجو أن تتواصل معنا، أما إذا استطعت أن تقابل طبيباً فهذا كما ذكرت لك أمر جيد، أما إذا شعرت بتحسن بعد شهرين حتى وإن لم يكن تحسناً مائة بالمائة فهذه بادرة جيدة، ودليل قاطع على أن الوساوس هي التشخيص الصحيح، وأنها بدأت في الاضمحلال حتى تنتهي تماماً.

من الضروري جدّاً أيضاً أن تحاول أن تسترخي نفسياً؛ لأن الوساوس كثيراً ما تكون مرتبطة بالتوترات النفسية، وحاول أن تمارس الرياضة، وأن تكون إيجابياً في تفكيرك، وأن تحاول أن تتجاهل هذه الأفكار وتصدها، بل تدخل أفكاراً مضادة لها، وتحاول أن تعزز الفكرة المضادة للفكرة الوسواسية، وذلك بتكرارها، بالتمعن فيها، ومحاولة قبولها، هذا أيضاً علاج مهم للوساوس القهرية.

هنالك علاج سلوكي آخر: وهو ما يسمى بإيقاف الفكرة، وفي هذا التمرين تتأمل في الفكرة الوسواسية بعمق وتركيز، وفجأة تقول لنفسك: (قف، قف، قف) كأنك تخاطب الفكرة الوسواسية.

تمرين سلوكي ثالث نحرص عليه: وهو ما يسمى بالتعرض مع منع الاستجابة، أو أن تربط الفكرة الوسواسية بفكرة منفرة لها أو فعل مقزز أو مؤلم، ومن التمارين البسيطة جدّاً أن تربط الفكرة الوسواسية بحدث غير سعيد حدث لك في الحياة، فكر في الفكرتين مع بعضهما البعض، وجد علماء السلوك أن الفكرة المنفرة سوف تُضعف الفكرة الوسواسية، وهذا التمرين أيضاً يمكن أن يأخذ صورة بأن تفكر الفكرة الوسواسية، وفي نفس الوقت تقوم بالضرب على يدك بقوة وشدة، والهدف هنا أن تزاوج أو تربط بين الألم الجسدي والفكرة الوسواسية، بتكرير هذا التمرين عشر مرات متتالية بمعدل مرة صباحاً ومساءً لمدة عشرة أيام إلى أسبوعين، وجد كثير من علماء السلوك أن الوساوس القهرية سوف تبدأ في الزوال إن شاء الله تعالى.

إذن: هنالك سبل وطرق علاجية كثيرة متوفرة، فأرجو أن تتبع هذا التوجيه الذي ذكرناه لك، وأنا على ثقة كاملة أنها سوف تزول، ودائماً يجب أن نكون في جانب اليقظة ونستعيذ بالله تعالى من الشيطان مراراً وتكراراً فيما يخص الوساوس القهرية.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيراً، ونشكر لك التواصل مع إسلام ويب.


مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً