الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

شخصيتي متقلبة بين الخير والشر.. لا أعلم أين الخلل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أعرض عليكم مشكلتي، وأنا في حالة تخبط لا أعلم من أين أبدأ.

أنا موظف في دائرة حساسة، وأحس أني منبوذ في العمل، وفي البيت، وكل مكان، وأحس أن الناس يتخذوني سخريا، وأتجنب الأماكن المكتظة، والتجمعات الشبابية، وأصبح زملائي بالعمل ينعتوني بالمغرور والمتكبر.

وأنا والله لست كذلك البتة، فأحس أني لا أعرف أن أتكلم، وإذا تكلمت أحس أن الناس يضحكون علي، وأنا شخصية حساسة جدا، وعصبية، حتى أنهم يطلقون علي عبارات المريض النفسي، والحقود.

نعم أعترف أني شخص أحمل في قلبي أحيانا، لا أعلم لماذا، هل هو وراثي أم ماذا؟

وأحيانا أجلس مع نفسي، وأقول من المتسبب في هذا كله، وأجلس أفكر تفكيرا عميقا يتعدى الذات الإلهية، والعياذ بالله.

وأحيانا أنكر الإلهة، ومن ثم أتراجع، وأصلي، وأحيانا أكرة أبي وأمي، وأقول هم الذين ورثوني هذه الصفات.

لا أعلم سبب كل هذا؟ مع أني شخص محافظ على الصلوات، وأحيانا مشكك أخاف من الذين عليهم دائرة السوء، ويظنون بالله الظنونا.

نعوذ بالله من الخذلان.
وأضرب مثلا: أحيانا أصلي، وأسلم على الذي بجانبي، وإذا صليت غدا لا أسلم عليه، ولا حتى ألتفت إليه؟

من المتسبب في هذا كله، أصبحت في وضع لا يطاق كرهت نفسي، وأتضجر يوميا مع أني أصلي الفجر، وأدعو الله ليلا ونهارا، ولا أحس بسعة وانشراح في صدري، قد يكون هناك خلل في العبادة لا أعلم ما هو؟

وإذا سمعت موسيقى أحس أن صدري منشرح، والعياذ بالله مع أني قليل سماع الأغاني.

أفكر بالانتحار أحيانا، وأحيانا أتراجع وأقول أنا لن أقوم بعمل جبان كهذا، وهذا قنوط من رحمة الله.

قد يكون التسخط والتضجر بسبب عقوقي للوالدين، أو بسبب ذنوب الخلوات؛ لأني أمارس العادة السرية بإفراط، وأشاهد الأفلام الإباحية، فهذا لا يتناسب مع الصلوات، والمحافظة عليها، فأطلق بصري للعنان، وأشاهد الأفلام الإباحية، ساعات طويلة، وانتهك الحرمة التي بيني وبين الله، وأصبحت في حالة عصبية انهزامية، وأرفع صوتي على أمي، ثم أتراجع، وأحب رأسها، وأعطيها مصروفا.

أصبحت شخصية متقلبة بين الخير والشر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أدعو لي فرب أشعث أغبر دعوته مستجابة، اسمي أحمد الفقير إلى الله.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فأتفق معك أنك تعاني حالة من التقلب في مزاجك، وقيمك وأفكارك ومواقفك، ويطغى عليك بوجه عام الفكر الاكتئابي، والفكر الاكتئابي قد يقود صاحبه إلى التردد والتخبط، وكثيرًا لا يشعر المكتئب بلذة العبادة.

والحالة الاكتئابية التي تعاني منها أيضًا فيها طابع وسواسي؛ لأنها من سمات بعض الوساوس التردد، وأعتقد أن كل هذا مرتبط بشخصيتك، الشخصية المتناقضة، الشخصية غير المستقرة، القلقة، التي تحمل بعض سمات ما نسميه بالشخصية الحدّية، تجدها أيضًا على هذا النطاق.

الإنسان يمكن أن يصلح نفسه ما دام مستبصرًا، وما دام مدركًا، ويفرق بين الخير والشر، والحق والباطل، وله البصيرة التي تؤهله على الحكم على الأمور بصورة صحيحة، هذا كله متوفر لديك، لكن أعتقد أن الإشكالية أنك قد تهاونت مع نفسك بعض الشيء، لذا أصبح الفكر السلبي والشرير يخترق كيانك بصورة أسهل مما يجب أن يكون عليه الحال.

بحثك عن الأسباب التي أوقعتك في كل هذا وتفسيرك بأن عقوق الوالدين، وممارسة العادة السرية، ومشاهدة الأفلام الإباحية قد تكون هي التي تسببت في كل هذا.

لا شك أن الموبقات، والمنكرات، والمهلكات تخل من استقرار النفس البشرية، ومهما ادعى المدعون بأنه لا علاقة للسلوك الإنساني بإسعاده أو شقائه هذا ليس صحيحًا، المسلم يقظ الضمير حين يقترف الذنوب لابد أن يؤنبه ضميره، ولابد أن ينعكس هذا سلبًا في حياته وفي تصرفاته، وكذلك في مزاجه.

إذن يجب أن تُصلح نفسك من خلال بر والديك.
أما العادة السرية، ومشاهدة الأفلام الإباحية هي ملذات وشهوات واهية منحرفة، فيها إسراف على النفس، الإنسان الذي يضعها في هذه الخانة والمكانة يطهر نفسه منها.

فيجب أن تضع حول نفسك كوابح تبعدك من الوقوع في مثل هذه الذنوب، ولابد أن تتخير صلات طيبة، ونماذج ممتازة من الناس، وتبني معهم علاقة أخوية.

السلوك الإنساني ينتقل من إنسان إلى آخر، والتأثير المباشر، وكذلك الإيحائي موجود، فكن حريصًا أن تكون علاقاتك مع الطيبين والأفاضل من الناس.

المهم من وجهة نظري أيضًا هو أن تذهب وتقابل طبيبا نفسيا، أنت محتاج لجلسات نفسية متصلة، محتاج لأدوية محسنة للمزاج، ومضادة للوساوس والقلق، أنت في حاجة حقيقة أن تعيد النظر في سلوكك هذا، وتعيد النظر بجدية وتمعن وتفكر وتدبر، ويجب أن تضع الأمور في نطاقها الصحيح، هذا كله تحت إراداتك وتحت تصرفك.

أنا أرى أن العلاج الدوائي سوف يمهد الطريق لتحسن مزاجك، ومن ثم تبدأ في إدراك الأمور بصورة أفضل، كما ذكرت لك الذهاب إلى الطبيب مهم، لكن إن لم تتمكن من ذلك، فيمكنك أن تتناول أحد الأدوية المضادة للوساوس والمحسنة للمزاج.

عقار بروزاك دواء جيد جدًّا ويسمى علميًا باسم (فلوكستين) الجرعة المطلوبة هي كبسولة واحدة في اليوم، يتم تناولها لمدة شهر، بعد ذلك ترفع إلى كبسولتين في اليوم لمدة أربعة أشهر، ثم تخفض إلى كبسولة واحدة في اليوم لمدة ستة أشهر.

هذا الدواء من الأدوية الجيدة والسليمة والفعالة جدًّا، وهو غير إدماني، ولكي تتحصل على أحسن النتائج من الواجب أن تلتزم بالجرعة، والمدة العلاجية، وحين يبدأ المزاج في الاستقرار، والتحسن هنا حاول أن تحرك كل طاقاتك تحركًا إيجابيًا إلى الأمام، وتُسقط السلبيات التي أضرتك كثيرًا من الناحية النفسية والوجدانية.

ختامًا: أسأل الله تعالى أن يصلح أمرك، وأمورنا جميعًا، وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً