الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل هناك علاج آخر غير التجاهل لوسواس الطهارة والصلاة؟
رقم الإستشارة: 2149566

8550 0 619

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا أعاني من الوسواس الشديد في أداء الفروض أكثر شيء، وبشكل عام نسبيا، حيث أنني أشك في الطهارة دائماً، حيث أني أغسل يدي أكثر من مرة قبل الوضوء، لا لعدم شكي في نظافتهما، فأنا ليس عندي وسواس النظافة - والحمد لله -، ولكني أشك في الطهارة، وأقول: بأنه لا يجب أن يتم غسلهم، فلقد لمست مقبض الباب، ويجب غسلهم كي أتوضأ، وإذا توضأت وسرحت أو نسيت مثلا، يجب أن أعيد الوضوء أكثر من مرة، لأني أسأل نفسي هل نويت لهذه الصلاة أم لا؟ هل تمضمضت؟ هل استنشقت؟ هل مسحت وجهك؟ وهكذا أعيد الوضوء مرات عديدة.

كذلك في الصلاة، هل قلت التكبيرة الأولى أم لا؟ هل فعلت كل ركن؟ فإما أن أتذكر وإلا أعيد الصلاة، أو اسجد سجدتي السهو، وكثيرا ما أسجد سجدتي السهو، وعندما أقرأ القرآن، أقرأ الآية الواحدة عدة مرات، لأني أجيد القراءة بالتجويد بفضل الله، فأعيد الآية مرات عديدة، لأني أعتقد بأني قلتها خطأ، أو لم أركز فيها، فمن الجائز أني قلتها خطأ، أو أخطأت في الحركات، ولم أتمها، وهذا تقصير.

وكذلك في الصيام، فبعد الوضوء أتفل كثيرا، لأني لا أريد أن يصل الماء لجوفي، رغم أني لا أبالغ في الوضوء في الصيام أبدا، ورغم هذا أشعر وكأني أقول لنفسي: بأنك لم تفعلي الذي عليك، فقد يكون الماء قد دخل لجوفك، وأشعر وكأن مناديل العالم لا تكفي لأتأكد من أني لم أبتلع شيئا، وهكذا لأني أعتقد بأني لم أتذكر كل هذه الأشياء أني بهذا أفرط وأقصر، وأنه لو كان شيء لعملي أو شغلي لتأكدت من كل شيء، وإذا تجاهلت الوسواس، وأكملت وضوئي، وصلاتي، وصيامي، أشعر وكأنني أقصر في حق الله تعالي.

وهذا الوسواس أعزك الله، يفسد علي عباداتي كثيرا، وأشعر برغبة في البكاء من كثرة التركيز، لأني نسيت أن أقول: بأني كثيرة النسيان، لدرجة أني فكرت أن أجري فحصا للمخ، وصديقاتي كثيرا ما يقلن لي: أنتي تهولين المواضيع، وكلما قلت لنفسي - كما شاهدت عدة فتاوى واستشارات عندكم - بأن أتجاهل الوسواس، أحاول جاهدة بشتى الطرق ولكن دون فائدة في معظم الأحيان، وهذا ما يفقدني متعة القيام بالعبادة، فأنا - والحمد لله - أحب الصلاة، وأحب قراءة القرآن كثيرا، ولكن كلما أفعل هذه الأشياء يشق علي ما أفعله، ويجعلني لا أستمتع بما أحب فعله، وأشعر بأني أكاد أجن.

فهل هناك من نصيحة أو علاج غير تجاهل الوسواس، أو أن أزور طبيبا نفسيا؟ لأن هذا شاق علي في بلدي، ويعتبرون من يفعل ذلك كأنما قد جن فعلاً.

وجزاكم الله خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أمة الله حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك إسلام ويب، فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأل الله العلي الأعلى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يصرف عنك كل سوء، وأن يعافيك من كل بلاء، وأن يرد عنك كيد شياطين الإنس والجن، وأن يعافيك من هذا الوساوس القاتل، أن يجعلك من الصالحات القانتات، وأن يعوضك خيرًا على هذا المجهود العظيم الذي تبذلينه في العبادات سواء أكان ذلك في الطهارة أو الصلاة أو غير ذلك.

وبخصوص ما ورد برسالتك - أختي الكريمة الفاضلة – فالذي يبدو منها أنك تعانين من الوسواس القهري، وهذا الوسواس القهري - مع الأسف الشديد - لا يأتي إلا لذوي الأخلاق العالية، ولأصحاب النفوس الرقيقة، وأصحاب التميز، والحريصين على النظام والنظافة والاحترام، وأيضًا كذلك أصحاب العلاقات النقية مع الله سبحانه وتعالى، فإن الشيطان عندما يعجز عن صرف الناس عن الطاعة والعبادة، يعمد إلى الحرب القذرة، فيشن هجومه الشنيع والقاتل والمدمر على قلب العبد المؤمن، حتى يوقع فيه تلك الوساوس التي تجعله يشعر بالضيق والحرج من أداء العبادات، ويشعر بأنه مقصر في حق الله تبارك وتعالى، ويدخل مرحلة المعاناة التي دخلت فيها، وكل ذلك من عمل الشيطان لعنه الله.

وقد يكون هناك أسبابًا عضوية أيضًا ساهمت إلى حد ما في إثراء هذا الجانب وفي تقويته مع الأسف الشديد.

ولذلك أنصحك بضرورة عرض نفسك على أخصائي نفساني، و- إن شاء الله - ستُعرض هذه الاستشارة على أخٍ من إخواننا الأخصائيين النفسانيين، وسوف يصف لك دواء - بإذن الله تعالى – يكون فيه الشفاء، وأبشرك - أختي الكريمة الفاضلة أمة الله – أن هذا المرض له علاج الآن، وليس كسابق العهد، والأدوية الآن في مجال الطب النفسي أصبحت متقدمة جدًّا، وليست لها أعراض جانبية كما يتوقع الكثير من الناس، وتفيد فائدة عظيمة، وكل من استعملها شعر بنوع كبير من التحسن، وبعض الناس قد تم شفاؤهم تمامًا.

فالمطلوب منك - بإذن الله تعالى – أن تأخذي هذا الدواء، لأنه من الأخذ بالأسباب، ولقد جعل الله تبارك وتعالى التداوي من هدي نبيه - صلى الله عليه وسلم – ومن سنته، فلقد قال - صلوات ربي وسلامه عليه -: (تداووا عباد الله، فإن الله ما خلق داءً إلا خلق له دواء علمه من علمه وجهله من جهله).

فعليك بارك الله فيكِ بعرض نفسك على أخصائي نفساني، أو بالاستماع إلى نصيحة الأخ الاستشاري النفساني عندنا هنا بالموقع، الذي سوف يقدم لك علاجًا مناسبًا لظروفك - بإذن الله تعالى – ومن الممكن متابعتنا بانتظام في هذا الأمر، أو على الأقل سوف يُرشدك إلى ما ينبغي فعله في هذا الجانب.

وأحب أن أبشرك بشرى عظيمة: أن الأجر على قدر النصب والتعب والمشقة، وهذا ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم – لأمنا عائشة أما المؤمنين - رضي الله تعالى عنها – عندما قال لها: (أجرك على قدر نصبك) أي على قدر تعبك، فهذا الجهد الذي تبذلينه ثقي وتأكدي أنك مأجورة عليه، خاصة وأنك تحاولين التخلص منه، ولكنك لا تستطيعين، فأنت معذورة أولاً فيما تفعلين، ومأجورة أيضًا على ما تقومين به من هذه العبادات الرائعة، وعلى هذا الحرص الشديد، على أن تكون علاقتك مع الله تعالى على قدر كبير من التميز.

عليك بالدعاء لنفسك بالشفاء، واطلبي من إخوانك – أهل الخير – أيضًا أن يسألوا الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، وهذا مهم، كما أوصيك - أختي الكريمة الفاضلة أمة الله – بعمل رقية شرعية لاحتمال أن يكون هنالك شيء من عالم الشياطين قد ساهم أيضًا مساهمة أو بأخرى في إزكاء هذه الحالة وتقويتها ودعمها، والرقية الشرعية كما تعلمين هي إذا لم تنفع فيقينًا لن تضر، لأنها عبارة عن كلام الله تعالى وكلام نبيه محمد - عليه صلوات الله وسلامه - .

أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، وأن يصرف عنك، وأن يعافيك من كل بلاء، وأتمنى أن تهتمي بجانب العلاجي الذي سوف يُعرض لك، وبالبرامج السلوكية التي سوف يُقدمها لك الأخ الدكتور/ محمد عبد العليم استشاري الطب النفسي، لأن هذا أمر ضرورة لابد له من علاج حاسم، والحمد لله العلاج متوفر، حتى تستمتعي بالعبادة وتشعري بلذة الطاعة، ولا تتوقفي عن العبادة نتيجة هذه الضغوط، وكم أتمنى أن تجتهدي أيضًا في المقاومة ولو بصورة خفيفة، وأن تحاولي أن تُثبتي أن هذه الأفكار أفكار سخيفة، وأن تقنعي نفسك بذلك حتى تتخلصي من هذا الكيد الشيطاني اللعين.

أسأل الله العظيم أن يشفيك وأن يعافيك، وأن يجعلك من الصالحات القانتات.

__________________________________________
انتهت إجابة المستشار الشرعي الشيخ: موافي عزب.

وتليها إجابة المستشار النفسي الدكتور: محمد عبد العليم.
———————————————————————-

فأرجو أن تطلعي بدقة على الإجابة الكاملة والمتكاملة التي عرضها عليك الشيخ موافي عزب، ومن جانبي أقول لك أن بالفعل ما تعانين منه هو وسواس قهري، ووساوس الوضوء والصلاة غالبًا لا تكون خوفًا من الاتساخ والأوساخ، إنما تكون متعلقة بالطهارة، أو تكون فقط نوع من التردد الذي أصله الشك، فوساوس التردد، ووساوس الشكوك، والخوف من عدم الإتقان، كلها معروفة، وتحدث للناس كثيرًا في العبادات.

ومن أهم خطوات العلاج – وهذا علاج سلوكي – هو أن تتفهمي أن هذه وساوس قهرية، وأنها ليست أمرًا طبيعيًا، يعني أنها دخيلة عليك، وبناء على هذا سوف تتكون لديك صورة أن هذا الغريب الذي استحوذ على فكرك وأفعالك، ما دام هو حالة مرضية سلوكية يمكن التخلص منها، فلماذا لا أتخلص منه؟! هذا أولاً.

الأمر الآخر – وهم مهم جدًّا – إشباع الوساوس من خلال تطبيقها واتباعها، نعم قد يقلل قلق الإنسان، ولكن هذا يعني تمكينها، فمن الأفضل للإنسان المقاومة والتجاهل، حتى وإن أدت إلى نوع من القلق، والتجاهل الذي نتحدث عنه هو المقاومة، ومقاومة حقيقية، ونعرف أنها ليست سهلة، ولكن في نهاية الأمر سوف ينتصر الإنسان، وسوف يُشفى - بإذن الله تعالى -.

ويمكن لهذا التجاهل أن يكون من خلال من نسميه بالتحسين التدريجي، أي تجاهلي جزئية واحدة – وهذا الذي نقصده بالتحسين التدريجي – أي تجاهلي جزئية واحدة مثلاً في موضوع التردد والشكوك، واتركي بقية الجزئيات للمرة القادمة، وهكذا في كل مرة أسقطي جزئية وسواسية، وهنا تكوني قد عرضت نفسك للتجاهل تدريجيا، وهذا قد يخفف على كثير من الناس، ولكن بعض الأخوة والأخوات يفضلون التجاهل الكامل والقوي، وهذا يسمى بالإطماء أو الإغمار، يعني أن الإنسان قد غمر نفسه سلوكيًا في مواجهة مصدر وساوسه، وهذا علاج ناجع ولا شك في ذلك، وهذا ثانيًا.

ثالثًا - من العلاجات السلوكية المهمة أيضًا في موضوع الوضوء والطهارة والتردد، حسب ما تعانين منه: يجب أن تحددي كمية الماء، أي لا تتوضئي مطلقًا من ماء الصنبور - أو الحنفية – بل حددي كمية الماء، وضعيها في إناء، أو ضعيها في إبريق، وهنا تذكري أنك تريدين أن تعالجي وساوسك، وهذا هدف أول، والهدف الثاني: أن الإسراف مذموم، والهدف الثالث: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم – كان يتوضأ بكمية قليلة من الماء، كما ورد في سنته المطهرة.

وحين تبدئين في الوضوء، أكدي على نفسك أنني قد قمتُ الآن بغسل يديَّ، أو قمتُ الآن بالمضمضة، وهكذا، افعلي، وانطقي، وأكدي على ذاتك، وهذا نفس الشيء في الصلاة، كبّري دون أي تردد، ولا تعيدي، ولا تسجدي للسهو، وقد أفاد العلماء الأفاضل بذلك.

النقطة الرابعة هي: الاسترشاد بما يسمى بالمعالج المساعد، وهذا يمكن أن تقوم به والدتك، أو أختك في البيت، أو قريبة لك، تسترشدي بها، تكون معاونة علاجية لك، وذلك من خلال أن تطبقوا الأفعال مع بعضكما البعض، أيًّا كانت هذه الأفعال، ( في الوضوء، أو الصلاة)، والبعض نطالبهم حتى في عملية الاستحمام والغسل، فهذه يجب أن يكون فيها نوع من المؤازرة.

الشخص الغير مريض يقوم بالاستحمام أولاً، ويُحدد المدة، ويكون الشخص الآخر جالس أمام باب الحمام في انتظاره، ويطبق نفس أُسسه، ويقضي نفس الزمن الذي قضاه داخل الحمام، وهكذا.

خامسًا: - هو تطبيق تمارين الاسترخاء، فهي ذات فائدة كبيرة جدًّا.

سادسًا: صرف الانتباه بصورة كاملة، وذلك من خلال أن يملأ الإنسان فراغه، وأن يصر على نفسه إصرارًا قاطعًا بتحقير هذه الوساوس، وألا يناقشها أبدًا، لأن تحليلها وتفصيلها وتشريحها أيضًا ذي ضرر كبير.

وهذه - أيتها الفاضلة الكريمة - كلها علاجات سلوكية.

سابعًا: العلاج الدوائي مهم جدًّا، والعلاج الدوائي يساعد ويسهل، بل يلطف حقيقة العلاج السلوكي، والأدوية الآن سليمة فاعلة، ومن أفضلها العقار الذي يعرف تجاريًا باسم: (بروزاك)، ويسمى في مصر: (فلوزاك)، واسمه العلمي: (فلوكستين)، جرعته هي: كبسولة واحدة في اليوم لمدة عشرة أيام، وبعد ذلك ترفع الجرعة إلى كبسولتين في اليوم - يمكن تناولها كجرعة واحدة -، ثم بعد شهر ترفع الجرعة إلى ثلاث كبسولات في اليوم، ويتم تناول كبسولة في الصباح، وكبسولتين في المساء، وتستمر على هذه الجرعة لمدة أربعة أشهر، ثم تخفض الجرعة إلى كبسولتين في اليوم لمدة ستة أشهر، ثم كبسولة في اليوم لمدة ستة أشهر أخرى، ثم يتم التوقف عن تناول الدواء.

إذا استطعت أن تقابلي طبيبا نفسيا فيا حبذا، وهذا الأفضل، ومصر - الحمد لله تعالى - مليئة بالأطباء المتميزين، كالأخ العزيز الأستاذ الدكتور/ وائل أبو هندي، بجامعة الزقازيق، كلية الطب، وهو أكثر من بحث في أمر الوساوس القهرية، فإذا تمكنت من مقابلته، فهذا سوف يكون أمرًا جيدًا.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، ونسأل الله لك الشفاء والعافية والتوفيق والسداد.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

لا يوجد استشارات مرتبطة
لا يوجد صوتيات مرتبطة

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: