الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سوء تفاهم مع أبنة أخت زوجي... فكيف أتصرف معها؟
رقم الإستشارة: 2152508

2345 0 476

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنا فتاة متزوجة، أبلغ من العمر 27سنة، مشكلتي صريحة وحساسة جدأً.
حدث لي سوء تفاهم مع ابنة أخت زوجي، وهي في مقتبل عمرها، لكن تفهم وتدرك ما تفعله، كانت علاقتنا حميمة مع هذه البنت، وعلاقتي بها أكثر من علاقتي مع أمها وأخواتها، لكن حصل بعد فتره أنها غلطت علي في أمر أزعجني، وسألتها من تقصدين فلم تتجاوب معي، بعد فترة أحسست أن الأم والبنت تغيروا فجأة علي برغم أنني أكثر من يتحدث لهم، ومن هذا الموقف كرهت أن أذهب إلى الأماكن التي يتوجدون فيها، بعد إصرار ومحاولات كثيرة من أخواني وأمي أصبحت أضغط على نفسي، وفكرت أني يجب أن آخذها وأصارحها بصدق، لماذا أصبحت هكذا معي، وسألتها لماذا تعاملينني انت وابنتك بهذه الطريقة، وبعدها ارتحت جداً من حديث معها.

وتغيرت أنا وقلت في نفسي لعلي أنا التي أخطأت، وأصبحتُ أتكلم مع بناتها، وأوهم نفسي بأني سأنسى وأفتح صفحة جديدة، والله يعلم لأن الإنسان لا يدرك متى سيموت وترفع أعماله وتكون كلها خيرا.

ما حدث أصبح عكس ما فعلت، أصبحت البنت لا تسلم ولا تتحدث معي ولا تهنئني بالأماكن التي نتقابل فيها، وتشغل نفسها بأي شيء لكي لا تصافحني، ورجعت مثل قبل وأكثر برغم أني لا أريد مصافحتها لكن قلبي لا يستطيع، وربي الكريم لأن طيبتي تخذلني.

وأسأل نفسي إلى متى سأبقى طيبه هكذا؟ كيف أتصرف معهم وهم خذلوني وأهانوني، فماذا أفعل؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد.

فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك إسلام ويب، فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأل الله العلي الأعلى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يبارك فيك، وأن يثبتك على الحق، وأن يهديك صراطه المستقيم، وأن يشرح صدرك للذي هو خير، وأن يرزقك الحلم والأناة والصبر وسعة الصدر، وأن يرزقك العفو عمّن أساء إليك، إنه جواد كريم.

وبخصوص ما ورد برسالتك - أختي الكريمة الفاضلة - فإنه كما لا يخفى عليك أن حبيبك - عليه الصلاة والسلام - قال: (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء) ومعنى ذلك أنه قد تكون هناك علاقات متميزة جدًّا بين بعض الأفراد ويشاء الله تبارك وتعالى في علمه سبحانه وتعالى أن يحدث هناك أمر يُغير هذه العلاقة، بل وقد تنعكس صورتها تمامًا، فبدلاً من أن تكون علاقة محبة وودٍّ وصفاء، تصبح علاقة نفور وكره وبغض وتباعد، والعكس كذلك، لأن القلوب كما تعلمين لا يملكها إلا علام الغيوب جل جلاله سبحانه، ولذلك العلماء يبينون ويذكرون أن أعمال القلب لا يطلع عليها إلا الرب جل جلاله وتقدست أسماؤه، أما أعمال الجوارح فهذه التي تُقيدها الملائكة الكرام الكاتبين.

ولذلك أقول: الله تبارك وتعالى جل جلاله شاء أن يحدث هذا التنافر لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى جل جلاله، ونحن نعلم أن الله لا يقدر إلا الخير، ولذلك لعل الذي حدث هذا فيه خير، فيه اختبار لنوعية العلاقة بينكما، فلعلك كنت تظنين أنه لا يوجد أحد على وجه الأرض يُحبك كهؤلاء، ولكن قدر الله تعالى أن يحدث هذا الخلاف حتى تتوجهي بقلبك إلى الله تبارك وتعالى وحده، وتُحسنين الثقة به جل جلاله، وتعلمين أن أي حب سوى حب الله تبارك وتعالى عُرضة للزوال، مهما كان الحبيب أو المحبوب، فقد يكون زوجًا وقد يكون ولدًا وقد يكون أبًا أو أُمًّا، يحدث هذا التغير، حتى إن الإنسان ليعجب من هذا التغير العجيب الغريب.

ولكننا أُمرنا في جميع الأحوال، كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن أعفُوَ عن من ظلمني، وأن أعطي من حرمني، وأن أُحسن إلى من أساء إليَّ، هذه أخلاق النبي الكريم - عليه الصلاة والسلام – وهذه الطيبة التي عندك من فضل الله تعالى هي نعمة من الله جل جلاله، لأن سلامة الصدر وطيبة القلب من أهم الأعمال التي تؤدي إلى الجنة، ولعلك قرأتِ قصة عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما -عندما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن رجلاً سيدخل عليهم من هذا الباب - أي باب المسجد - من أهل الجنة، فدخل رجل بسيط غير معروف بين الصحابة -غير مشهور – وقال هذا الكلام في الليلة الأولى والليلة الثانية وفي الثالثة، حتى إن عبد الله بن عمرو تعجب، وقال: (لابد أن أتبع هذا الرجل لأعرف ما هو عمله حتى أفعل كفعله وأعمل كعمله) ومكث عنده ضيفًا لمدة ثلاثة ليالٍ، وفي نهاية الأمر قال: (يا عم، أنا ما جئتك لخلاف بيني وبين أبي، وإنما قال فيك النبي - صلى الله عليه وسلم – بأنك من أهل الجنة، فأحببتُ أن أعرف لماذا؟) فقال له: (يا ولدي: ما ترى، صلاتي وأعمالي أنت رأيتها بنفسك) فقال: هذه أعمال بسيطة، فهم أن ينصرف، فناده الرجل وقال: (غير أني لا أحمل في نفسي حقدًا ولا حسدًا ولا غلاً على أحد من المسلمين) قال: هذه هي التي لا نستطيعها.

فإذن بارك الله فيك اعتبري أن سلامة الصدر والطيبة نعمة من الله ليست نقمة، ولذلك لا أتمنى أن تحزني على ما فات، ولا أن تشعري فعلاً بأنك قد أضعت عمرك، أو أنك وضعت الثقة في غير محلها، هذا قدر الله تبارك وتعالى، ولذلك عليك أن تظلي باستمرار في حالة استعداد لقبول اعتذار من يعتذر، حتى وإن أساءت هذه البنت أو غيرها، لا تشغلي بالك بها، ولا تفكري فيها، إن جاءتك نادمة متأسفة معتذرة فاقبلي عذرها في أي وقت كان وعفا الله عما سلف، إذا كانت هي تريد أن تظل على هذا الوضع فأنت حاولي أن تغلبيها بحسن خلقك، بمعنى أنك كلما مررت بها تلقين السلام عليها، ولا يلزم أن تكون العلاقة قوية كما كانت من قبل، وإنما عليك بارك الله فيك أن تجعليها في أقل حدود العلاقة التي تجمع المسلم بأخيه المسلم، لأن المسلم على المسلم حقوق، فاجعلي هذه الحقوق هي الأصل الآن، ولا تتوسعي في العلاقة ما دام هؤلاء أصبحوا يعاملونك هذه المعاملة، فأعطيهم حق المسلم العادي، ولكن لا تحملي في نفسك عليهم شيئا، وكوني على استعداد أنهم إن اعتذروا لك أن تقبلي اعتذارهم في أي وقت كان، كما قال الله تبارك وتعالى: {فليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم}.

فعليك بارك الله فيكِ - كما ذكرت - بأن تقولي: (اللهم إنك تعلم أني لا أكرههم، وحتى إن أساءوا إليَّ فإني قد عفوتُ عنهم من أجلك، وصفحتُ عنهم رجاء أن تغفر لي وأن تعفوَ عني) وفقط، وهذا يكفيك جدًّا، ثم بعد ذلك كما ذكرتُ إذا مررت بأحد منهم ألقيت عليه السلام في أي مناسبة في أي مكان، ولا تتعمدي العبوس في وجوههم، ولا تتعمدي ترك المكان لأنهم موجودون به، واجعلي الأمور عادية كأنهم أشخاص عاديون لا تعرفينهم، إن أتيحت الفرصة للسلام عليهم سلمتِ عليهم، ولكن لا داعي للتوسع في الكلام، ولا داعي للتوسع في العلاقات ما دامت هناك في النفوس أشياء، إذا - قدر الله تعالى- وحدث هناك عتاب وتمت تصفية الأجواء فهذا شيء رائع وحسن، وإذا ظل الأمر على ما هو عليه فأنت لم تخسري شيئًا لأنك الحمد لله تعاملينهم بالحسنى وتعاملينهم بالمعروف، ولأنك لست كارهة لهم، وإنما أنت مُحبة للخير، وعلى الاستعداد أن تسامحيهم في أي لحظة من اللحظات، ولا تحملي في نفسك عليهم شيئا، وإذا أتيحت فرصة أن تسألي الله أن يغفر لك ولهم وأن يتوب عليك وعليهم، أرى أن ذلك حسن، كما فعل النبي - عليه الصلاة والسلام - عندما آذاه أهل الطائف - كما تعلمين - وحتى أهل مكة آذوه، قال: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).

فعليك بالدعاء لهم أن يصلح الله أحوالهم وييسر أمورهم، وأن تقولي بدعاء القرآن: {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} وأن يوفقك وإياهم إلى كل خير، لأنك بذلك ستكسبين مكاسب هائلة وعظيمة ورائعة، يكفيك أن الله تبارك وتعالى قد وكَّل ملَكًا يرد عليك هذا الدعاء، فإن دعوتِ لهم بخير أمَّن الملَكُ على دعائك وقال: (آمين، ولك بمثل).

فعليك بالحلم والأناة وسعة الصدر، وأن تكوني على استعداد للعفو عنهم في أي لحظة، ولا تحملي في نفسك عليهم شيئا.

نسأل الله أن يقدر لك الخير حيث كان، وأن يؤلف على الخير قلوبكم وأن يصلح ذات بينكم.

وبالله التوفيق.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً