الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل أستطيع أن أبدأ من جديد وأعوض ما ضاع من عمري؟
رقم الإستشارة: 2233298

10892 0 574

السؤال

السلام عليكم

لساني يعجز عن شكركم لجهودكم في سبيل نصح الشباب, وتوجيههم, لكم مني فائق التقدير، وأسأل الله أن يجعل لكم بكل حرف ما لا يحصى من الحسنات.

أنا شاب مغربي, عمري 29 سنة، انضممت إلى صفوف الجيش إكراها من والدتي, وبسبب الفقر, رغم ميولي إلى متابعة الدراسة, وهو شيء غير مسموح به في الجيش.

أمضيت 7 سنين كضابط صف, وكانت أسوأ سنين حياتي، أصبحت كئيبا متشائما, وكارها لكل شيء, تركت الصلاة, وفقدت الإحساس بالحياة؛ لما عانيته من حرمان من الحرية, ورفض لمتابعة الدراسة.

قرأت لماركس, ولبعض المتشائمين, حتى أصبحت أشك في كل شيء، المهم أنه قد مرت السنين، وأصبحت أقتنع شيئا فشيئا بوجود الله, فاستجمعت قواي, وقدمت استقالتي بعدما توفرت بعض الظروف لذلك، ثم سجلت في الجامعة, في شعبة الاقتصاد, وأصبحت أتقرب من الله أكثر, وأحافظ على صلاتي, وأبحث في أمور الدين.

مشاكلي هي:

1) تحسرا على ما ضاع من عمري من سنين هباء؛ أصبحت مهووسا بأن أدرس أكبر قدر ممكن, لعلي أستدرك بعضا مما فاتني, فبالإضافة إلى الجامعة أدرس ليلا في مدرسة خصوصية, وأقرأ الكتب, ووقتي أصبح لا يكفيني, لدرجة أني فكرت في تقليص وقت نومي.

2) أكتئب حينما أتذكر أني جدا متأخر بالنسبة لعمري.

3) أنا أسكن مع أمي وإخواني, وأحس أني عالة عليهم.

4) لدي مشاكل في التواصل مع الناس, واكتساب أصدقاء، فكل وقتي أقضيه منعزلا.

5) والدتي مسنة، عمرها 65 عاما, تعاني من الأرق منذ مدة طويلة, اقترحت عليها أخذ مهدئات, أو منومات؛ فرفضت خشية من أن يطول بها النوم, وتفوتها صلاة الفجر, فبماذا تنصحونها؟

ما رأيكم إخواني؟ فسأكون شاكرا لنصحكم, والمستشار مؤتمن، واعذروني على الإطالة, ولكم فائق الاحترام.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ ياسين حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك إسلام ويب، فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع.

وبخصوص ما ورد برسالتك -أخي الكريم الفاضل- فإني أرحب بك باسمي وباسم إخواني، فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك في أي وقت وفي أي موضوع.

رسالتك مما لا شك فيه تحمل معانٍ عظيمة، وأمور كبيرة، ولكن دعني أُجيب على ما ورد فيها.

تقول بأنك تتحسر على ما فات من عمرك، ولذلك تحاول أن تُضاعف الجهد الذي تبذله حتى تتمكن من إدراك ما فات؛ أقول: أنا معك في ذلك، وأتمنى أن تضع جدولاً دقيقًا لوقتك، تنظم فيه وقتك بدقة، حتى تستطيع أن تحقق أكبر قدر ممكن من الإنجاز في أقل قدر ممكن من الزمن، وينبغي عليك أن تعلم أن الزمن لا يُحسب بالأيام, وإنما يُحسب بالإنجاز، فلعلك تعرف أن إمامًا كبيرًا كالإمام الشافعي –رحمه الله تعالى– مات على رأس الرابعة والخمسين من عمره، وقد ترك مذهبًا عظيمًا من أقوى المذاهب الفقهية في العالم الإسلامي.

كذلك إمام آخر كالإمام النووي، مات في الخامسة والأربعين من عمره، وقد ترك أيضًا كمًّا هائلاً من الإنجازات العظيمة الرائعة، في حين أنه طلب العلم متأخرًا.

إذًا أقول: العبرة بالإنجازات، ولا تنظر إلى الزمن، لأن الزمن قد مضى وانتهى, ولا يمكن أن تعود عقارب الساعة إلى الوراء، وإنما احرص على استغلال الفرص المتاحة, وسترى خيرًا كثيرًا.

تقول: تجتهد عندما تجد أن نفسك متأخرة بالنسبة لعمرك، أقول: أنت لا زلت في عمر مناسب، وما زالت لديك فرصة رائعة، فكم من الناس وصلوا إلى هذه السن, ولم يحققوا أي إنجاز، وأنت لم تكن لاعبًا لاهيًا أو عابثًا أو ضائعًا، وإنما كنت تؤدي رسالة حتى وإن كنت غير مقتنع بها، إلا أنك لم تكن من الذين ضيعوا أو فرطوا.

تقول: تسكن مع أمك وأخواتك وتشعر بأنك عالة عليهم؟ .. أعتقد أن الأمر ليس كذلك، وإنما الشيطان يُضخم لديك هذا الموضوع حتى يجعلك تتوقف عن الإنجازات التي تحققها إلى الآن، لأن الشيطان يغيظه أن تكون متميزًا حتى في الدنيا، فإن الشيطان لا يريد للمسلم أن يكون متميزًا لا في دين ولا في دنيا، يريد أن يجعلنا عالة على العالم حتى نكون تحت أعدائنا فلا نملك من قرارنا شيئًا.

فعليك -بارك الله فيك- ألا تفكر في ذلك، وإنما فكر في استغلال الفرص المتاحة, واجتهد في ذلك ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، واترك هذا الأمر جانبًا، لأنك لو تصورت أنك لم تكن قد عملت أصلاً, أو أنك تحمل أكبر المؤهلات, ولم تجد فرصة عمل؛ فماذا كنت تفعل؟ فهوِّن على نفسك من هذه الناحية حتى تمر.

تقول لديك مشاكل في التواصل مع الناس واكتساب الأصدقاء؟ .. ما دمت رجلاً من أهل المسجد, وتصلي الصلوات الخمس في جماعة؛ فلا أعتقد أنك منعزل، لأن الذي يُصلي مع المسلمين في جماعة خمس مرات, أو أقل قليلاً, كأن يضيع بعض الفروض مثلاً, هو ليس منعزلاً, وليس منطويًا، وإنما هو رجل منفتح بمعنى الكلمة، ولكن حاول أن تُقيم علاقات مع أهل المسجد على قدر استطاعتك.

بالنسبة لوالدتك: دعها وشأنها، فإن هذا الأمر قد يكون أحب إليها مما تعرضه عليها أنت، فاترك الأمر لله تبارك وتعالى، ثم اترك أمرها تدبره بنفسها، ولكن عليك بالاجتهاد في مساعدتها إن استطعت إلى ذلك سبيلاً، على اعتبار أنك موجود في البيت بصفة شبه منتظمة، فحاول أن تخفف عنها بعض الأعباء الأسرية، وهذا ليس عيبًا، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان في مهنة أهله –كما تعلم– وهذه أمك, وليست زوجتك، وأمك –كما تعلم– حقها عليك عظيم, وفضلها عليك كبير.

أرى أنك -بإذن الله تعالى- إن أحسنت استغلال الوقت, وتوجهت إلى الله تبارك وتعالى بصدق وإخلاص؛ سيبارك الله تبارك وتعالى لك في وقتك الذي بين يديك الآن، وأنصحك بصلة الرحم، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من سرَّه أن يُنسأ له في أجله، ويُبارك له في رزقه، فليصل رحمه) فعليك قدر الاستطاعة بصلة رحمك, ولو في بعض الأوقات المتاحة، لأن صلة الرحم من أهم عوامل زيادة العمر وبركة الرزق.

أسأل الله أن يبارك لك، وأن يوفقك لكل خير، ولا تشغل بالك بالماضي، وانظر إلى المستقبل، واعلم أن أمامك فرصة سانحة فلا تضيعها، ولا تجعلها تتسرب بين يديك في البكاء على أطلال الماضي، فإن هذا لن يعيد ذلك مرة أخرى، فإلى الأمام.

أسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقك لكل خير، إنه جواد كريم.
__________________________________________
انتهت إجابة الشيخ موافي عزب مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.

وتليها إجابة الدكتور محمد عبد العليم استشاري أول الطب النفسي وطب الإدمان.
__________________________________________

من الجميل أن تكون طموحًا وأن تكون باحثًا نحو تطوير ذاتك، هذا لا يُرفض أبدًا أيها الأخ الكريم، والوسائل والحمد لله كثيرة ومتاحة، التعليم النظامي أو التعليم الغير نظامي.

أخِي الكريم: الآن وزيرة تطوير المرأة البشرية في الحكومة الهندية الجديدة لا تحمل شهادة جامعية، وقد أثار هذا الكلام الكثير من اللغط في الأوساط السياسية والثقافية في الهند، وكان ردَّها وردِّ رئيس الوزراء (لا تحكموا عليها بشهادتها، إنما بأدائها) واتضح أنها في خلال ثلاثة أشهر ماضية كانت تحسن الوزارة أداء.

أخِي: نحن لا نقلل أبدًا من قيمة المؤهلات العلمية، لكن الإنسان يمكن أن يكتسب مقدراتٍ ومهارات كثيرة جدًّا إذا كان لديه الرغبة في ذلك، وتطوير الذات –أخِي الكريم– ليس مرتبطًا أبدًا بالتعليم الأكاديمي.

فيا أخِي: لا تأسَ، ليس هنالك ما فاتك أبدًا، الخبرات التي اكتسبتها في عملك في الجيش حتى وإن كانت سلبية من وجهة نظرك، لكني أراها –أخِي الكريم– مهارة، مهارة قد اكتسبتها، ولا بد أن يكون هناك عائد إيجابي منها عليك.

أخي الكريم: الآن نظِّم حياتك، وأعتقد أنه من المفترض أن تقدم على الزواج، أن تتحمل مسؤوليات حيال نفسك، وأن تكون إيجابيًا في تفكيرك، وأن تُحدد أسبقياتك في الحياة، والاطلاع والعلم من الواضح أنه يأخذ أسبقية كبيرة لديك، لكن هذا يجب ألا يكون على حساب المتطلبات الحياتية الأخرى.

أخِي الكريم: النظرة الإيجابية نحو الذات دون تضخيمها هذا أيضًا أمر مطلوب، وعليك بالرفقة الطيبة، وأنت ذكرت أنك تحس أنك عالة على أمك وإخوانك، وفي ذات الوقت تحس أنك تفتقد للمهارات الاجتماعية والكفاءة النفسية، هذا ليس صحيحًا (أخِي) لكن حتى تُعزز السلوك الإيجابي المعاكس لما تشعر به عليك بالرفقة الطيبة، عليك بمجالسة الجيدين، المثقفين، المتدينين من الناس، هذا يعطيك دفعًا نفسيًا إيجابيًا جدًّا.

ربما يكون أيضًا لديك بعض الجوانب الوسواسية البسيطة، وفي هذا السياق إذا تناولت أحد الأدوية المضادة للوساوس مثل عقار فافرين ويسمى علميًا (فلوفكسمين) لو تناولته بجرعة بسيطة؛ أعتقد أنه سوف يهدأ من روعك، ويعطيك ثقة أكبر في نفسك.

جرعة الفافرين هي خمسون مليجرامًا، يتم تناولها لمدة ثلاثة أشهر، جرعة بسيطة من دواء رائع وغير إدماني.

بالنسبة لوالدتك –حفظها الله– الأرق في مثل عمرها حقيقة متعب ومُجهد للإنسان، وهنالك الآن أدوية ممتازة تساعد في النوم, وليست من المهدئات، وليست من الأدوية التعودية, وكثير من مضادات الاكتئاب حتى وإن لم يكن الإنسان مكتئبًا اكتئابًا ظاهرًا تُعطى الآن لعلاج الأرق، منها عقار (ميرتازبين) مثلاً، والذي يعرف تجاريًا باسم (ريمارون)، تناوله بجرعة خمسة عشر مليجرامًا أيضًا –أي حبة– ليلاً, سيساعدها كثيرًا.

تناول عقار (سوركويل) أيضًا بجرعة خمسة وعشرين مليجرامًا أيضًا, كبديل للميرتازبين, وسيكون علاجًا ممتازًا، ويمكن أن تتناوله مبكرًا نسبيًا، حتى لا تفوتها صلاة الفجر, جزاها الله خيرًا على هذا التفكير.

وأيضًا –أخِي الكريم– انصحها بأن تتجنب النوم النهاري، ألا تتناول الشاي والقهوة بعد الساعة السادسة مساءً، هذا كله يساعدها، وأن تحرص على أذكار النوم.

باركَ الله فيك، وجزاك الله خيرًا.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك
  • أمريكا Najwa adawi

    أشد على يدك اخي وادعوك الى الاستمرار الى الامام

  • المغرب حمزة

    يا أخي لا تيأس فالكثير ممن اعرفهم عانوا من نفس مشكلتك والان اصبحوا بخير ولله الحمد تذكر دائما قنبلة هيروشيما النووية التي دمرت اليابن ولكنها اعطت لهل نهضة بعد ذلك فلم يتحسر اليابانيون على الماضي بل عملوا على الحاضر وتطلعوا لى المستقبل بكل ايجابية واليابان الان ثاني اكبر اقتصاد في العالم وفق الله لما فيه خير وان شاء الله ستصبح افضل

  • المغرب islaml4ever

    مشكورين استفدت كثيرا من هذه الإستشارة بارك الله لكم في مجهوداتكم وجعلها الله في ميزان حسناتك يوم القيامة .

  • مصر ****

    إلي السائل حفظه الله
    ... لا يسعني ما أقول لك
    وكيف أقول ذلك .." أنت رائع"
    أمثالك عرفوا التوكل علي الله ليرجعوا إلي الطريق المستقيم... والله أخجل من نفسي أن أري أمثالك يشتكون ... فأنا مازلت في ال 17 من عمري و لم أحقق أي إنجاز
    أسأل الله أن يتم خياتك علي خير و يكفيك به

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً