الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أشباح الماضي ومعاصيه تطاردني لتقتل فرحتي، فكيف أتخلص منها؟
رقم الإستشارة: 2282238

1867 0 182

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة عمري 15 سنة، أنا جيدة في أخلاقي -والحمد لله-، لكنني لا أجد من يفهمني رغم أنني أفهم كل من يحتاجني، وأساعده دائما، همومي كثيرة، وأشعر أنني لا أنتمي إلى هذا العالم، ولا أنتمي إلى البشر، فقد خلقني الله بإعاقة في عيني، ولكن -الحمد لله- شفيت منها، وبقيت بعض من معالمها البسيطة، غير الواضحة.

أشعر عندما أكون مع الناس بأنني لست منهم، مع أنني محبوبة بين الناس وأصدقائي، لكن ببساطة أنا وحيدة، أجد الوحدة في قلبي، أشعر بأنني ملامة على ما يحصل لي، فهناك شيء كنت أفعله في الماضي، وأعلم أنه قبيح ومخجل، لكن ما زال ضميري يؤنبني.

عندما تكون الفرحة تغمرني أتذكر ذلك الشيء، فأصبح حزينة، ماذا أفعل؟ ساعدوني، كيف أنسى الماضي؟

كيف أنسى همومي، وأيضا هناك شيء أعاني منه، وهو أنني أشك كثيرا بأفعالي في الماضي، فمثلا أقول بأنني فعلت كذا وكذا، وقد أذيت نفسي، وأبقى قلقة طوال اليوم، مع أنني لا أكون متأكدة مما فعلته، ساعدوني، وشكرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أسماء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

شكرا لك على التواصل معنا والكتابة إلينا، وأكاد أشعر بأنك نبع معطاء، وأنك قادرة على فهم الآخرين وتلبية حاجاتهم، أو ترميم جراحهم، أعانك الله وخفف عنك، يقول لنا الحبيب المصطفى بما معناه "إن لنفسك عليك حقّ" أي أنه بالإضافة لمساعدة الآخرين وترميم جراحهم علينا أن لا ننسى أنفسنا وسط هذا الازدحام.

وليس بالمستغرب أن يجد الإنسان نفسه محبوبا ومُحاطا بالآخرين، إلا أنه وفي نفس الوقت يشعر بالعزلة والوحدة، وربما هذا من خصائص هذا العصر بالذات، بالرغم من كثرة انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وربما السبب الأكبر في هذا الشعور من العزلة عدم تطابق اهتماماتك مع اهتمامات الآخرين من حولك.

ويفيد أن نذكر أن هذه العزلة ليست كلها سلبية، فمن خلال هذه العزلة يتعرف الإنسان على نفسه حقيقة، وخاصة التعرف على نقاط القوة عنده ونقاط الضعف، وكلنا يحتاج بين الحين والآخر أن تكون له أوقات يختلي فيها بنفسه ليراجع أموره ويفكر في حياته ومستقبله.

فإذا السؤال ليس لماذا عندي هذا الشعور بالعزلة والوحدة، وإنما أن يكون كيف أستفيد من هذه العزلة والوحدة، وبحيث أسخرّها لمصلحتي.

ويفيد كثيرا أن تقيمي بعض الوزن لرأي الآخرين فيك، فالذي عرفته منك أن الناس من حولك من الأصدقاء وغيرهم، يرون بأنك فتاة محبوبة، أقول أنه يفيد أن تستفيدي من رأي الناس هذا، فأنا لا أعتقد أنهم كلهم قد تآمروا عليك ليقولوا هذا مجاملة، فلا بد أن كلامهم هذا يقارب الواقع كثيرا، فأرجو أن تستفيدي من كلامهم وآرائهم فيك.

ربما يفيدك جدا التركيز على رفع ثقتك في نفسك، فربما ما يجمع كل هذه الجوانب التي وردت في سؤالك هو موضوع الثقة بالنفس وتقدير الذات، وما يسمى "slefsteem" حيث من علامات نجاح الإنسان سواء في حياته الخاصة أو في علاقاته مع الناس، وفي علاقته بنفسه، أن لديه قدرا جيدا لتقدير ذاته واحترامه لها.

ويصاب تقدير الذات أحيانا بما يضعفه وينقصه عندما يمرّ الإنسان بتجارب سلبية أو غير سعيدة النهاية، ولكن يُقال أن العيب ليس في أن يقع الإنسان، وإنما في أن لا يستطيع النهوض من كبوته هذه.

ومن الملاحظ من خلال سؤالك أنك في حالة نفسية لا تتذكرين معها أو ترين إلا الأمور السلبية، وهذا ربما أيضا بسبب ضعف الثقة بالنفس، وأريد منك وخلال الأسابيع القادمة أن تقصدي تذكر الإيجابيات في حياتك، ولا بد أن منها الكثير، بالرغم من احتمال عدم تصديقك الآن لهذا بسبب الحالة النفسية التي أنت فيها.

إننا كثيرا ما نسجن أنفسنا في أفكار ومعتقدات عن أنفسنا بأننا مثلا نتحلى بصفات معينة، أو أننا كسالى أو أننا غير موفقين أو بلا إرادة، أو أننا ضعاف الثقة في أنفسنا ولا نتقن عملا ما، وتأتي عادة هذه الأفكار من مواقف الناس منا، ومن كلامهم عنا، وخاصة في طفولتنا، فقد يقولون عنا مثلا أن عندنا خجل أو تردد أو ضعف أو ضعف الثقة في أنفسنا، فإذا بنا نكبر ونحمل هذه الأفكار والمعتقدات على أنها مسلمات غير قابلة للتغيير أو التعديل، وقد تمر سنوات وسنوات قبل أن نكتشف بأننا ظلمنا أنفسنا بتقبل وحمل هذه الأفكار كل هذه السنين، والمؤسف أن الإنسان قد يعيش كل حياته، ولا يحرر نفسه من هذه الأفكار!

لا بد لك، وقبل أي شيء آخر أن تبدئي بحب هذه النفس التي بين جنبيك، وأن تتقبليها كما هي، فإذا لم تتقبليها أنت فكيف للآخرين أن يتقبلوها؟!

مارسي عملك بهمة ونشاط، وارعي نفسك بكل جوانبها وخاصة نمط الحياة، من صلاة وعلاقة مع الله ومن التغذية والنوم والأنشطة الرياضية، وغيرها مما له علاقة بأنماط الحياة، وأعطي نفسك بعض الوقت لتبدئي بتقدير نفسك وشخصيتك، وبذلك ستشعرين بأنك أصبحت أكثر إيجابية مع نفسك وشخصيتك وحياتك.

يقول لنا الله تعالى "ولقد كرمنا بني آدم" فنحن مكرّمون عنده تعالى، وقد قال الله تعالى لنا هذا ليشعرنا بقيمتنا الذاتية، والتي هي رأس مال أي إنسان للتعامل الإيجابي مع هذه الحياة بكل ما فيها من تحديات ومواقف، فكيف أطالب الآخرين بضرورة احترام نفسي وتقديرها إذا كنت أنا لا أقدرها حق قدرها.

من المحتمل أن تخف عندك مثل هذه الأفكار من تلقاء نفسها، وخاصة من خلال اقتحام المواقف التي ترتبكين فيها أو تشعرين معها بضعف الثقة في النفس، كما في نطاق الحديث مع الناس، وإذا طال الحال أو اشتدت هذه الأعراض فقد يفيد مراجعة طبيب أو أخصائي نفسي، ممن يمكن أن يقدم لك العلاج النفسي، أو حتى الدوائي لما تعانينه، وإن كنت أعتقد بأنك ستتمكنين من تدارك الأمر من نفسك.

أريدك أن تستيقظي غدا، مع يوم جديد، وليكن صباح الغد هو صباح ولادتك من جديد متذكرة تلك الفتاة الذي كنت في الماضي، فأنت أدرى الناس بها، ابدئي يومك بالصلاة، ومن ثم التواصل مع أسرتك، ومن بعدها الخروج من البيت في فعل عمل كنت تفكرين بالقيام به منذ مدة، مهما كان هذا العمل كبيرا أو صغيرا، وهكذا نبني ثقتنا بأنفسنا من خلال العمل والإنجاز، والنجاح ولو الصغير، يؤدي إلى نجاح أكبر منه.

وفقك الله ويسر لك.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأعلى تقيماً