الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما هو علاج الوسواس القهري لدى مرضى ثنائي القطب؟
رقم الإستشارة: 2285181

10956 0 358

السؤال

الدكتور محمد عبد العليم.. حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله

أجدد شكري وامتناني لتوجيهاتكم، والتي وبعد رحلة 13 عاماً مع المرض لا أثق إلا بها، جزاكم الله كل خير.

أنا مريض بثنائي القطب، وتحسنت أموري بخلطة (ويلبوترين 300 ملغم ولاميكتال 100 ملغم)، وكنت في حالة معقولة نسبياً لأكثر من عام ونصف، واستيقظت لأجد نفسي في حالة اكتئاب حادة استمرت ثلاثة شهور، وظهر بعدها الوسواس القهري منذ شهرين، والذي لم يظهر منذ أعوام طويلة.

بالنسبة لي فإن الاكتئاب والقلق ومشتقاتها أرحم من الوسواس القهري بمراحل، فالوسواس يتدخل في وظائف العقل، وليس المشاعر والاحساس فقط، أصابني وسواس يتعلق بالدخل وما يجب ادخاره، وكيفية تأمين المال كل شهر، يقاطعني كل لحظة في عملي بسؤال ماذا لو، تعبت من الوسواس وقمت بتناول سبراليكس لمدة شهر بدلاً من الويلبوترين، أتحسن بشكل لا يذكر وأعرف مخاطر مضادات الاكتئاب على ثنائي القطب، لذا أوقفته وبدأت المواظبة على الخلطة المعهودة (ويلبوترين – لاميكتال) من جديد.

الآن أنا لست بحال جيدة على الإطلاق، وحقيقة لا أفكر بجدية بالانتحار إلا في حالة الوسواس مع الاكتئاب، لذا لدي بعض الأسئلة:

1- بداية ما هو تصنيف المرض لدي؟ فمرة أجده التصنيف الثاني (كوني أعاني من نوبات الاكتئاب أكثر بكثير من الهوس وتكون حادة)، ومرة أراه تصنيفاً آخر، ولم أر أحدًا غيري من المرضى تستمر نوباته لثلاث سنوات أو أكثر، اقترحت عليّ طبيبة مصرية أن أتناول مضادات الاكتئاب بلا خوف من حدوث الباب الدوار في حال كان تصنيفي من الدرجة الثانية، وبررت ذلك بأنني لن أصل لأكثر من النوبة الانشراحية بالمضادات.

2- ما هو علاج الوسواس القهري لدى مرضى ثنائي القطب؟ فالطب يمنع مضادات الاكتئاب، ومثبتات المزاج ومضادات الذهان لا تعالج الوساوس، بل تخفف من الاكتئاب والقلق فقط حسبما قرأت من مصادر أمريكية.

3- أرى حضرتكم تمتدحون مضادات الذهان في علاجها لنوبة الاكتئاب في ثنائي القطب، ويبدو أنها بالفعل فعالة في هذا المجال، ولكنني لا أستطيع تناولها؛ لأن جرعات بسيطة للغاية منها (سيروكويل مثلا) تسبب لي نعاساً وكسلا لا معقولا، حتى أنني نمت وأنا أقف على قدمي ذات يوم لأنني تناولت 100 ملغم سيروكويل!

4- هل يمكن الاعتماد على لاميكتال أثناء نوبة الهوس في حال حدوثها؟ حيث إني أعلم أنه متخصص لنوبات الاكتئاب ومنعها، ولا أعلم إن كان مناسباً لنوبة الهوس.

5- لأكون صادقاً معكم، فالانتحار كان تلويحاً لكسب التعاطف ولرمي الاثقال عن كاهلي والتنصل من الإحساس بالمسؤولية والذنب التي يسببها الاكتئاب، لكنه أصبح قناعة راسخة لدي؛ خصوصًا بعدما ضعف إيماني للغاية، وأصبحت لا أخشى ما بعد الموت، أنا أشعر بالشفقة على نفسي، عمري 25 عامًا قضيت منها 13 عاماً في الاكتئاب والهلع والوساوس والقلق ولم أنم منذ أعوام كما ينام البشر، بل أستيقظ كل ربع ساعة بغض النظر عن نوعية العلاج الذي أتناوله، أنا لا أريد التعاطف هنا، بل تحليلكم لهذه الحالة، أنا حتى عندما أتحسن أخطط للموت بشكل لا يفضح عائلتي فقط ليس إلا، أصبحت أتمناه؛ لأني أعلم أن كل لحظة تحسن ستتبعها أيام الجحيم.

6- هل هناك أمل؟ أقرأ مواضيع عن أبحاث لأدوية ستكون أكثر فعالية، أنا لا يهمني علاج الهوس فسحقاً للمجتمع إن كنت سأختار بين الهوس والاكتئاب فسأختار الهوس بلا تردد رغم معرفتي بالإحراج والسعادة الوهمية، ولكنه جنة مقارنة بجحيم الاكتئاب، فهل نصبر؟ هل يأتي يوم يعالج فيه الاكتئاب بسهولة مهما كان مقاوماً؟

7- أشعر منذ أيام بدوخة غريبة في الرأس تستمر لثانية كلما حركت عيناي، فهل لإيقاف سبراليكس أو المرض نفسه علاقة بذلك؟

8- قررت وبشكل عقلاني بعيداً عن ما أشعره من اكتئاب ووسواس يأكلني لحظة بلحظة، قررت ألا أرتبط وألا أنشئ عائلة للأبد، وأستطيع معرفة إن كان القرار اعتباطيًا عاطفيًا أم عقلانيًا بأنني في أفضل أحوالي لا أغير الفكرة؛ لأنني لا أنوي إنجاب اطفال يعانون مثلما عانيت وأعاني، ولا أريد أن تتزايد الضغوط عليّ والمسؤوليات الاقتصادية والاجتماعية، والتي ستزيد انتكاساتي، كما لا أريد أن أقدم على الانتحار يوماً وأترك خلفي عائلة تعاني، هل تخالفونني الرأي؟

أعتذر عن الإطالة، وأجدد شكري الجزيل.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ سالم حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أشكر لك أخي الكريم تواصلك مع إسلام ويب، وأنا سعيد جدًّا أن أتلقى رسالتك هذه، وأسأل الله لك العافية والتوفيق والسداد.

أخي: بالنسبة لسؤالك الأول حول توصيف المرض لديك: قطعًا أنا لستُ في موقف أفضل من الطبيب الذي قام بفحصك، وقد ذكرتُ لك ذلك سابقًا، لكن من ملاحظاتي أستطيع أن أقول أنه نوع من الاجتهاد أسأل الله أن نكون قد أصبنا فيه، هو أن المرض قد يأخذ أيٍّ من المناحي الثلاثة المعروفة: أن يكون مختلطًا - أي نوبة هوسٍ مع نوبة اكتئاب، وهذا يحدث لبعض الناس، أو تكون نوبة الهوس مسيطرة، أو نوبة الاكتئاب هي المسيطرة، هذه هي الثلاثة محاور التي يتنقل بينها المرض، وهذه المحاور قد تكون متصلة، وقد تكون منفصلة، في بعض الناس تجد محورًا أشد ممَّا يمكن، وأعتقد أنك في بعض الأحيان ربما تكون عُرضة للقطب الثالث وهو القطب المختلط، وهذا ليس مستبعدًا أبدًا.

أخي الكريم: بالنسبة لمضادات الاكتئاب واستعمالها في الاضطراب الوجداني ثنائي القطبية، هذا قطعًا موضوع شائك ومُعقد، لكن بالنسبة للذين لديهم وسواس قهري مع الاضطراب الوجداني ثنائي القطبية وجد أن عقار (زيروكسات) هو الأفضل، وهو الأسلم، وهو الأحسن؛ لأنه يعالج الوساوس، وفي ذات الوقت القطب الاكتئابي، ولا يدفع الإنسان كثيرًا نحو القطب الهوسي.

والزيروكسات يُفضل أن يُدعم بواحد مليجرام من الـ (رزبريادن)؛ لأن الرزبريادون هو العلاج الأمثل في مثل هذه الحالات، حيث إنه مضاد جيد للوسواس القهري المرتبط بثنائي القطبية، فيا أخي الكريم: لا تتناول الـ (سوركويل) أبدًا؛ لأن السوركويل والـ (أولانزبين) كلاهما قد يزيد من الوساوس، هذا أمر قد أثبتته الأبحاث الحديثة، فيا أخي الكريم: ليس هنالك ما يمنع أن تتناول الزيروكسات بجرعة عشرة إلى عشرين مليجرام يوميًا، أراه فعّالاً، أراه ممتازًا، وأراه سليمًا، ويجب أن تُدعمه بواحد مليجرام من الرزبريادون ليلاً لمدة ثلاثة أشهر على الأقل.

أعتقد أن في ذلك إجابة كافية لسؤالك الثاني والثالث.

بالنسبة لسؤالك الرابع: هل يمكن الاعتماد على الـ (لامكتال) أثناء نوبة الهوس؟
لا، لا أعتقد ذلك، اللامكتال لن يتحكَّم تحكُّمًا كاملاً في نوبة الهوس، وإن كانت هناك دراسات تقول أنه بجرعة أربعمائة مليجرام في اليوم ربما يفيد في بعض الحالات الهوسية المطلقة، لكن قطعًا ليس هو دواء الخط الأول أو الخط الثاني لعلاج النوبات الهوسية.

أخي الكريم: أراك قد تعرضت لموضوع الانتحار هنا وهناك في استشارتك، قطعًا هو أمر مؤسف جدًّا أن يفكِّر الإنسان في الانتحار، والانتحار يمثِّل خسارة فادحة للشخص ولمن يعيشون من بعده حقيقة، ومآل المنتحر لا شك أنه مآل مظلم جدًّا، فأنا أدعوك - أخي الكريم - أن تترك هذه الأفكار، أن تُحقِّر هذه الأفكار، أن تكون أكثر استبصارًا، والحياة - يا أخي الكريم - فيها أشياء طيبة جدًّا، وفيها الكثير من الصالحين الذين يمكن أن يستعين بهم الإنسان بعد الله تعالى، فعبِّر عن مشاعرك لمن تُحب، وأنا أرجوك ألا تنتحر، هذا هو الذي أستطيع أن أقوله لك، وإن كنت على قناعة تامة من تجربتي خلال أربعين عامًا مع الطب النفسي: من يريد أن يقتل نفسه سوف يقتلها، وهذا قطعًا لا أريده أبدًا أن يحدث لمسلمٍ يؤمن بالله واليوم الآخر.

أنا أرى أن حالتك يمكن أن تُعالج، أرى أن الطب الآن يُقدِّم الكثير والكثير، ومواصلتك ومتابعتك لأحد الأطباء قطعًا سيكون أمرًا مهمًّا ومساعدًا جدًّا بالنسبة لك.

أخي الكريم: الإجابة على سؤالك السادس: قطعًا الأمل عظيم والأمل موجود، والمتابعة وتناول الدواء، ولاعتماد أيضًا على الآليات العلاجية الأخرى غير الدوائية والتي تتمثل في: تغيير الفكر إلى فكر إيجابي، التطور الاجتماعي، وأن يسعى الإنسان أن يكون مفيدًا لنفسه ولغيره.

موضوع الزواج - أخي الكريم - أفاد بعض الذين يعانون من الاضطراب الوجداني ثنائي القطبية، لكن الطرف الآخر يجب أن يعرف أن شريكه يعاني من هذه العلة، القرار قرار شخصي.

وبارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأعلى تقيماً