الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بسبب النهي عن الغيبة وقعت في العقوق وقطع الرحم.. فما الحل؟
رقم الإستشارة: 2293004

2006 0 317

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أتمنى أن تقرؤوا رسالتي وتردوا على سؤالي.
كنت لا أعرف شيئاً عن الإسلام، والحمد لله بمحض المنة منه هداني الله، أنا وعائلتي نصوم ونصلي، لكن لسنا ملتزمين كما يحب الله، لا أحتمل ما أرى وما أسمع، فأصبحت حزينة كئيبة لا أبتسم في وجه أحد ولا في وجه الوالدين حتى وقعت في العقوق، ولا أدري ما هو الصواب؟

الغيبة حدث ولا حرج، أسمع الغيبة كل اليوم تقريباً في كل وقت، يدخل أبي ويجلس إلى مائدة طعام: " هل رأيت ماذا فعل أخوك؟ ويشتمه، أو يقول: أمك فعلت تلك الحاجة ولم تعملها جيدا، أو أنها تبذر، ويشتم هذا وذاك، أو يحكي أخبار الناس من الأقارب أو غيرهم في غيبتهم وينتقدهم، أهلي يغتابون القريب والبعيد، الصغير والكبير، الأخ يغتاب أخاه أو صاحبه، الأب يغتاب ابنه (والعكس)، ويغتاب زوجته (أمي) وأخاه وأخته، وصاحبه، الجار يغتابونه ويضحكون عليه.

اثنتان من عماتي وأعمامي يعيشون معنا مع والدتهم (جدتي) في الطابق السفلي، وفي صغري تربيت عندهم، نسمع كلامهم: الغيبة والاستهزاء، أمهم عجوز خرفة، بناتها يصرخن فيها لأنها أصبحت تتصرف بطريقة أخرى (فهي في حكم المريض)، يساعدونها في نفس الوقت ولكن يصرخن فيها فهي لا تسمع جيدا، لا أحتمل وضعها، ويغتابونها فيما بينهم، فعلت كذا، وقالت كذا، ويضحكون عليها.

الكل لا يصلون، إذا صعدوا عندنا لحاجة ما ولو لبعض دقائق يغتابون ولو مزاحا، نصحتهن ولكن لا فائدة، يجيبن بأن نيتهن صافية وأنهن يمزحن ولا يقصدن الغيبة، ولا أدري ماذا أفعل معهم؟

ستنصحونني بالإنكار عليهم بتلطف، إن قلت لكم أنني حاولت مع أبي فغضب، وقال لي: سأتكلم، وإن لم يعجبك الحديث فسدي أذنيك فهو لا يعترف بالغيبة، وقالت له أمي هذا لمصلحتك نحن ننصحك، قال لها: لا تنصحوني لا أحب النصح (بغضب)، وذهب إلى غرفته غاضبا، وأشعل سيجارة وهو غاضب يحدث نفسه: لا تتكلموا، ولا تفعلوا، وخالاتي وعماتي نصحتهن، فأصبحت أحس بالجفاء منهن.

عائلتي يذهبون إلى حفلات الأعراس وفيها الغناء، ويعلمون بأنه حرام، وزوجة أخي تطلب مني العناية بابن أخي لأنه مولود صغير كي تذهب إلى الحفلة، والأخرى تطلب مني إعارتها مجفف الشعر ومساعدتها، وهذا من المشاركة في الإثم والعدوان.

أحس بالذنب في كل ما يفعلونه وما يقولونه لأني مشتركة معهم، ولا أحد ينهى الآخر عن المنكر، كل شيء عادي.

نسخت أشياء عن الغيبة وأعطيت كل واحدة من عماتي خالاتي وأمي، وكذلك أبي وإخوتي، فعندما أسمع الغيبة، أحس بأني مشتركة في الإثم لأني سمعتها، وقد قلت لهم لا يجوز فذلك كبيرة من الكبائر، وأن غيبة الأبناء أو الإخوة (والعائلة بصفة عامة) تعد من الغيبة أيضا، ولكن لا جدوى، والآن كلما أسمع الغيبة أصاب بحزن عميق؛ لأني مشتركة في الإثم.

والدي أراد ضربي، وصرخ في وجهي صراخا ربما سمعه الجيران، وجعل يسب ويقول كلمات كفر، ومنعني من الذهاب إلى المسجد، ويقول: " أصبحت تفتين، وكل شيء أصبح حراما!

يظن أن هناك أشخاصا في المسجد عملوا لي غسيل مخ، وأني سأصاب بالجنون، وقال إن الكل يتحدث عني ويتساءل ما بي؟ وما الذي يجري لي بسبب تصرفاتي؟

أصبحت لا أطاق في المنزل، حتى خالاتي وعماتي أصبحت لا أجلس معهن، يا سبحان الله مجالسنا كلها غيبة، تسألها كيف حالكم؟ تجيب بغيبة في ابنها أو زوجها أو جارتها، فأصبحت لا أشارك في الاجتماعات العائلية النسوية، كلها لغو وغيبة ومزاح وضحك، وكنت في الماضي مثلهم، ولكن منذ أن عرفني الله بخطر الغيبة، وأن المستمع شريك في الإثم، فأعلم بأنه يكفيني غيبة، وربما قذفت في الماضي بسبب جهلي.

لقد قطعت رحمي، وأصبحت لا أخالط عائلتي، ولا أجلس مع والدي وإخوتي على مائدة الطعام، ولكن بسبب الغيبة وقعت في العقوق، وبدلا من أن أبر والدي وعماتي وأصل رحمي كما أمر الله، فأنا هكذا أهجرهم، لأنني عندما يأتي أبي أو خالتي أو قريباتي أسلم عليهم وأذهب إلى غرفتي لتجنب سماعهم، وبسبب العقوق أصبحت لا أتلذذ بالطاعة، مشتتة وغير مطمئنة، أحس بأن الله غاضب علي، وعندما أتجنب معصية أقع في معصية أكبر منها بل من أكبر الكبائر، ووالدي دائم الغضب علي، لأنني لا أوافق ما يقولون ويفعلون.

فكيف أوفق بين البر وصلة الرحم؟ فليس الحل في أن آمرهم بالمعروف؛ لأنه ليس حلا، ولن يؤثر فيهم شيئا، كما أن ترك الأمر بالمعروف إثم وذنب.

أرجوكم أريد حلا عمليا، فقد أصبحت قاطعة لرحمي، ماذا أفعل؟ وما الذي يجب علي عدم فعله؟ فأنا أريد أن أبر والدي بما يرضي الله.

وجزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ آمال حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك إسلام ويب، فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأل الله جل جلاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يُبارك فيك، وأن يُكثر من أمثالك، وأن يثبتك على الحق، وأن يجعلك من الصالحات القانتات، وأن يُعينك على إعانة أهلك على طاعته ورضاه، وأن يرزقك الحِلم وسعة الصدر والصبر والأناة حتى تُبلغيهم الحق الذي ينبغي أن يكونوا عليه، وأن يُصلح ما بينك وبينهم، وأن يجعل كلامك عليهم بردًا وسلامًا، وأن يجعلكم جميعًا من سعداء الدنيا والآخرة، إنه جواد كريم.

وبخصوص ما ورد برسالتك -أختي الكريمة الفاضلة-:
فممَّا لا شك فيه أن هذه الأشياء التي وردتْ برسالتك من التجاوزات الاجتماعية المؤلمة، فهي أخطاء اجتماعية تربوية، عاشها الناس فترة من الزمن حتى ألِفوها، ونسوا أو تناسوا العقوبة المترتِّبة عليها في الدنيا والآخرة، وذلك لضعف الدين والإيمان وقلة العلم الشرعي، وقد يكون الإنسان فعلاً محافظًا على الصلوات في أوقاتها، وقد يكون من أهل القيام والصيام، إلَّا أنه قليل العلم، فيقع في مثل هذه الكبائر التي وردت في رسالتك.

ولذلك فبالنسبة لك -حتى لا تقعي في العقوق الذي تحاولين الفرار منه، لأنه لا يقِلُّ شأنًا عن كبيرة الغيبة أقول لك:
اجتهدي بأن تتواجدي معهم، ولكن بصورة أكبر حتى لا يتهمك أحد بأنك قاطعة لرحمك، ولكن لا تجلسي الوقت كله، وإنما حاولي -بارك الله فيك- أن تجلسي وقتًا من الوقت، فإذا ما وقعوا في هذه الكبائر فعليك أن تقولي: (اللهم إن هذا منكرٌ لا يُرضيك ولا يُرضيني فاغفرْ لي عجزي وتقصيري)، فعليك أن تقولي هذا الكلام، لأنه أحيانًا يكون الإنسان في وضعٍ لا يسمح بتغيير الموقع، وما دام هو يرى أنه منكر ولا يُقرِّه فهو ممَّا لا شك فيه معفوٌ عنه، لأن الله تبارك وتعالى أخبرنا بقوله: {ربنا ولا تحمِّلنا ما لا طاقة لنا به}، ولكن بشرط إنْ وجد فرصة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيجب عليه أن يستغلها، وأن يكون كارهًا للمعصية عندما يستمع إليها، لأن بُعدك عنهم يؤدِّي إلى عدم قبولهم منك أي نصيحة، ولكن قُربك منهم ومعهم من الممكن أن يغيِّر شيئًا من سلوكهم ولو على المدى البعيد.

اعلمي أن الله لا يكلف الإنسان فوق طاقته، وأن قضية تغيير هذا المنكر بهذا الحجم الكبير قد تكون صعبة بالنسبة لك، لأنك أولاً فتاة، تعيشين في أسرة مع والديك، ومن الصعب عليك أن تواجهي هؤلاء مواجهة عنيفة، أو تُنكري عليهم هذا الإنكار الشديد كل يوم، خاصة وأنهم بدؤوا يشعرون تجاهك بنوعٍ من عدم الراحة والملل، وهذا سيؤدي إلى سوء العلاقة بينكم إلى درجة لا تُحتمل ولا تُطاق، ونحن لا نريد ذلك، وأنت إلى الآن غير متزوجة، وفي حاجة إلى هذا المحضن، وفي حاجة إلى بيتك ووالديك، فمن الصعب فعلاً أن تواجهي هؤلاء مواجهة شديدة يترتَّب عليها إخراجك من البيت.

ولذا أقول: عليك -بارك الله فيك- بالتوسُّط في الأمر، بمعنى أنك لا تمكثي معهم مُكثًا طويلاً، ولا تقاطعينهم كُلِّيةً، وإنما اجلسي معهم جلوسًا خفيفًا، ثم بعد ذلك انسحبي بهدوء وأنت لا يبدو عليك أي من علامات الغضب، كأنك تنسحبين لقضاء حاجةٍ، ثم تغيبين عنهم.

وكما ذكرتُ لك أهم شيء أنك تُنكرين المنكر، وترين أنه منكر، والأمر الثاني: أنك تسألين الله أن يغفر لك، والأمر الثالث: إن وجدت فرصة للتغيير لا تُضيعينها، وعليك بالدعاء لهم والإلحاح على الله تعالى أن يعافيهم الله من ذلك، ولعلَّ الله أن يستجيب لدعوةٍ من دعواتك، فيُصلحهم كما أصلحك، ويغفر لهم ويتوب عليهم.

أحسني الظنَّ بالله تعالى، ولا تيأسي من روح الله، ولا تقنطي من هذا الوضع المؤلم، لأن هذا الأمر بسيط جدًّا بالمقارنة بالكبائر التي يقع فيها الناس يوميًا متعدِّدة ومتنوعة في أماكن أخرى، ممَّا لا شك فيه أنه معصية وأنه من الكبائر حقًّا، ولكن نحن مطالبون -باعتبار أنك فتاة وليس لك من الأمر شيء- أن ترفقي بهم، وأن تستغلي الفرصة المتاحة -كما ذكرتُ لك- وأن تُكثري من الدعاء لهم، وأبشري بفرجٍ من الله قريب.

هذا وبالله التوفيق.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأعلى تقيماً