الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

موقف الولد من تخيير أبيه له بين تطليق زوجه وطلاق أمه
رقم الإستشارة: 285356

3611 0 457

السؤال

أحببت فتاة منذ الطفولة ولم أعبر عن مشاعري لها أبداً، وفضلت أن يكون حبي لها عفيفاً، وقررت خطبتها، ولكن تكاليف الزواج عندنا باهظة جداً، واحتجت إلى سنوات وأنا أجمع مبلغاً حتى أخطبها، تفاجأت بعد فترة بأنها عقدت قرانها على شاب آخر! وكدت أجن ولكن لم يكن بيدي شيء؛ لأن من خطبها يكون ابن عمي وهي ابنة خالي، فاضطررت إلى السكوت.

تزوجها ولكن كان بينهم مشاكل كثيرة، وهو يضربها، ودائماً يضعها عند أهلها ويسافر للخارج.

ظلت معه 8 سنوات وأنجبت له 4 أبناء، وأنا لم أتزوج، ثم طلقها، وأخبرت والدي برغبتي بخطبتها فرفض لأنها مطلقة ولديها أبناء وأنا لم يسبق لي الزواج.

استشرت شيخاً وسألته إن كان زواجي بمن أحب يعتبر من العقوق فأخبرني أنه لا عقوق في ذلك، فخطبتها وتزوجتها بمسانده من والدتي.

أحب زوجتي جداً ورزقت منها بابنة جميلة، وأريد أن أكمل حياتي معها ولكن والدي قلب حياتي جحيماً، يسبني ويلعنني وألتزم السكوت، ويدعو عليّ دائماً، والآن بدأ يهدد بأن يطلق والدتي إن لم أطلق زوجتي.

والدتي الآن بمنزلي لأنه طلقها طلقة واحدة، أحب والدتي جداً وأشعر أني ظلمتها رغم أنها تساندني وتقول لي: دعك مع زوجتك.. أنت لم تخطئ بحبك لها.

والدتي إنسانة طيبة وتحبني وتحب زوجتي وابنتي، لا أريد أن أدمر حياتها فقط لأبني حياتي، إخوتي صغار وبحاجتها ولكن والدي يخيرني وكأنه يخيرني أي عين يقتلعها من رأسي!

أنا في حيرة وهم ولا أعرف ماذا أفعل، وكيف أرضي والدي بدون أي خسارة لأي من الأطراف؟

فماذا أفعل؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد _ حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،،،

فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك (الشبكة الإسلامية)، فأهلاً وسهلاً ومرحباً، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأله تبارك وتعالى أن يفرج كربتك وأن يقضي حاجتك، وأن يصلح ما بينك وبين والدك، وأن يصلح ما بين والدك ووالدتك، وأن يُذهب عنكم كيد شياطين الإنس والجن، وأن يعافيكم من هذا التعنت وهذا الكبر وهذا التحدي الذي لا يأتي بخير.

وبخصوص ما ورد برسالتك أخي الكريم الفاضل فإنك – واسمح لي أن أقول لك – قد تسرعت في زواجك من ابنة خالك، خاصة أن الأمر قد عرضته على والدك قبل أن تدخل بها، فإذا كنت قد علمت بأن والدك لا يرغب في أن تتزوج منها فكان الأولى بك - بارك الله فيك – ألا تُقدم على هذه الخطوة حتى وإن كنت تُحبها استجابةً لرغبة والدك.

ولا نريد الكلام كثيراً على هذا الموضوع، وعدم زواجك فترة زواجها وانتظارك لها، فالأمر حدث، والحرج وقع مع الوالد، والفرصة التي كانت من الممكن أن يتم فيها الحوار قد ذهبت وولت إلى غير رجعة، ولذلك فالموقف حقيقة صعب، وليس هناك من سبيل الآن إلا إقناع الوالد بالعدول عن رأيه، لأنك الآن لا أقول لك: طلق امرأتك ولك منها طفلة، وأضف إلى همها هماً آخر: أربعة من رجل سابق وهو ابن عمك، ثم أيضاً ابنتك، فأصبحت امرأة لخمسة أطفال.

هذا أمر حقيقة في غاية الصعوبة وفي غاية المشقة، ويخلو من أي رحمة أو من أي شفقة، امرأة الآن تترك في قارعة الطريق لمجرد هوىً في نفس أبيك؟! هذا أمر غير صحيح وليس من العدل ولا من الإنصاف، ولذلك أقول لك:

اجتهد - بارك الله فيك – مع والدك، اجتهد بكل ما أوتيت من قوة، ادفع إليه من الصالحين من عباد الله، واستعن ببعض أعيان ووجهاء بلدكم، وحاول على قدر ما تستطيع أن يعدل أبيك عن طلاق أمك؛ لأن أمك أيضاً ليس لها من ذنب ولا جريرة، وكما ذكرت أنت الآن كأنه يطلب منك أن تقلع إحدى عينيك من وجهك، فهذا الأمر فيه صعوبة ومشقة.

فأقول: أنا لا أطلب منك أن تعدل عن زواجك لأنك الآن أبٌ ولك طفلة، ولكن أقول:

لنجتهد الآن جميعاً على إقناع والدك بعدم تطليق أمك انتقاماً منك؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: (( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ))[الإسراء:15]، نعم أمك هي التي شجعتك وهي التي ساعدتك على زواجك بابنة أخيها، وهذا هو مأخذ والدك عليها، كأنها التي جرأتك على عصيانه ومخالفة أمره، ولذلك هو يريد أن يعاقبها من خلالك، لماذا؟ لأنها هي التي تعاطفت معك.

أقول بارك الله فيك: ليس لك من حل الآن إلا أن تجتهد في إقناعه بالعدول عن طلاق أمك.

أنت شخصياً غير مقبول قطعاً لأنك المتهم، ولكن أقول: كم أتمنى أن تأخذ بعض الوجهاء وبعض الأعيان وبعض المشايخ وبعض العلماء وأن تذهب إلى أبيك وأن تجتهد في إقناعه أن يعدل عن هذا الأمر، أو حتى على الأقل تظل أمك عندك فترة من الزمن حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، ولكن لا تطلق امرأتك الآن خاصة بعد هذا؛ لأن هذا هو هوىً متبع، فلو أن هذه المرأة سيئة السمعة ولو أنها امرأة ليست في مستواكم لقلت لك: إنك أخطأت أخطاء مضاعفة وإن والدك من حقه ذلك، ولكن الآن وقد تزوجت وصار لك ولد وهي امرأة فاضلة؛ فإنه لا يستطيع أحد من العلماء أن يفتيك بأن تطلق امرأتك لهوىً في نفس أبيك، ولكن أقول:

اجتهد بارك الله فيك، أولاً: عليك بالصبر الجميل، ثانياً: عليك بالدعاء والإلحاح على الله تبارك وتعالى أن يغير الله قلب والدك؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا بأن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء.

ثالثاً: بارك الله فيك: اجتهد في حسن المعاشرة والمعاملة وعليك بالهدية والهداية والدعوة.

رابعاً: استعن - بارك الله فيك – بالصالحين الأخيار من أهل منطقتكم من أقاربكم ليقنعوا والدك بالعدول عن هذا؛ لأن هذا من الظلم، والله تعالى لا يحب الظالمين ولا يهدي الظالمين ولا يوفق الظالمين، بل إنه لعن الظالمين، وليقل هؤلاء لوالدك بأن هذا ظلم بيِّن، وأنت رجل مسلم، فأنت رجل من أهل الإسلام وأهل الإيمان ولا يعقل أن تفعل هذا الكلام لأن زوجتك لم تفعل شيئاً، فكونها وقفت مع ابنها لأنها تعلم رغبته في الزواج من ابنة خاله وتعلقه بها، وهي الآن أصبحت مطلقة وخالية فأراد أن يتزوج بها، فهذا أمر من حقه هو ورغبته هو، فأنت من حقك أن تنصح ولدك ولكن ليس من حقك أن تجبره على شيء كأن يتزوج مطلقة أو يتزوج ثيباً أو يتزوج بكراً، فهذا أمر يرجع إليه، خاصة وأنها منكم وإليكم وليست بغريبة عنكم.

اجتهد - بارك الله فيك – وابحث عن واسطة بينك وبين والدك، وكرر هذا الكلام وادفع له بعشرات الناس لعله أن يرجع عن قراره وأن يرجع إلى رشده وأن تعود المياه إلى مجاريها وأن يصلح الله ما بينكم، واعلم أن الله على كل شيء قدير، واعلم أنه لا يرد القضاء إلا الدعاء فاجتهد فيه.

أسأل الله لك التوفيق والسداد والهداية والرشاد، وأن يصلح ذات بينكم وأن يؤلف على الخير قلوبكم، وأن يرد والدك إلى الحق ردّاً جميلاً، وأن يريه الحق حقاً ويرزقه اتباعه والباطل باطلاً ويرزقه اجتنابه.

والله ولي التوفيق.

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: