الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مشاكل الخلقة وتأثيراتها السلبية على الشخص وكيفية التغلب عليها
رقم الإستشارة: 286255

5592 1 624

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لا أعلم كيف أصف لك حالتي، فهي ليست آنية بل نتيجة لمراحل من العمر، سأبدأ من المرحلة الإعدادية، حيث كانت في رأي الجميع مرحلة رائعة، أما أنا فأقول إنها كانت جحيماً وخوفاً دائماً، والسبب هو أنني كنت أدرس في قسم مع زملاء لم تكن علاقاتي معهم جيدة؛ لذلك كنا كثيراً ما نتعارك ونشتم بعضنا البعض بأسماء غير لائقة، ما أريد أن أقوله لم يكن العراك ما يضرني بل تلك الكلمات الجارحة التي لا أزال أتألم حين أتذكرها، ولد عندي شعوراً بكره شديد للمدرسة ورغم ذلك أنهيت هذه المرحلة ثم انتقلت إلى المرحلة الأساسية التي لم تكن أقل من سابقتها حيث وجدت نفسي أمام مشكلة أخرى زادت من كرهي للحياة نفسها ألا وهي قصر قامتي، كانت قامتي في تلك المرحلة أقل بكثير من زملائي، وكانوا لا يترددون في السخرية مني كلما أتيحت لهم الفرصة وكانت سخريتهم تؤلم بطريقة لا يمكن وصفها..كان شعورا رهيباً!

في هذه المرحلة لم يكن همي الدراسة بل كنت أمارس الرياضة للتعويض عن قصر قامتي، وطبعاً تمكنت من بلوغ مرادي ولكن كان الفشل في الدراسة مصيري.

أما الآن فأبلغ من العمر 21 عاماً بمستوى ثانوية عامة، أعمل الآن في محل ولكن لست سعيداً بهذا، لأني كنت دائماً أطمح أن أنجح في دراستي وأسلك نفس الطريق الذي سلكه إخوتي ولكن للأسف أنا اليوم مجرد إنسان تائه ليس له أي أمل في الحياة بعدما فشلت في البكالوريا للمرة الثانية على التوالي إضافة إلى سنوات أخرى ضائعة.

كثيرا ما كنت أعاتب من طرف عائلتي وأمي خاصة ـ لماذا لست مثل إخوتي؟ ولماذا أنا فاشل؟ فلا أملك لهم الجواب إلا الهروب إلى مكان آخر والانزواء بعيداً عن كلامهم.

أريد أن أعلم هل يمكن التخلص من هذه المشاعر التي تراكمت في عقلي الباطن؟ وهل هي السبب في فشلي المتكرر؟ وإن كانت هي السبب أريد أن أعلم الطريقة للتخلص منها لأني لا أريد أن يمضي عمري وأنا أسير الفشل والعقد النفسية.

وأعتذر عن الإطالة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ إسماعيل حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك الشبكة الإسلامية، فأهلاً وسهلاً ومرحباً بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأل الله - تبارك وتعالى - أن يشرح صدرك للذي هو خير، وأن يعينك على التغلب على تلك العقبات التي اعترضت طريقك، وأن يأخذ بناصيتك إلى الحق، وأن يجعلك من عباده الفائزين المتميزين الموفقين.

وبخصوص ما ورد برسالتك – ابني الكريم الفاضل – فإن الله - تبارك وتعالى جل في علاه – قسَّم الأرزاق بين عباده قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وهذا ما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (إن الله قدر المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة)، وهذه المقادير تشمل كل شيء، فهي تشمل الأرزاق المالية وتشمل الصحة البدنية وتشمل الحياة الزوجية وتشمل الأولاد والذرية، وتشمل الجمال والقصر والطول، وتشمل الغنى والفقر والصحة والمرض – إلى غير ذلك – فكل ذلك بقدر الله - تبارك وتعالى -.

لماذا هذا الاختلاف بين الناس؟ ((لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا))[الزخرف:32] أي لكي يستعمل بعضكم بعضاً في عمارة هذه الحياة التي نحيا فيها، و(لما خلق الله آدم – عليه السلام – مسح على صُلبه فأخرج من صلبه ذريته إلى يوم القيامة، فنظر آدم – عليه السلام – في هذه الذرية فوجد فيها الطويل والقصير، ووجد فيها الكبير والصغير، ووجد فيها الغني والفقير، ووجد فيها المريض والصحيح، فقال: يا رب لم لم تخلق هؤلاء كأولئك أي لم لم تجعلهم جميعاً سواء؟ فقال: ليعتبر أصحاب الصحة والعافية من أبنائك يا آدم بأصحاب البلاء)، أو كما قال.

إذن الشاهد هنا - بارك الله فيك – أن الله - تبارك وتعالى - جعلنا جميعاً في مرحلة ابتلاء وامتحان واختبار في هذه الحياة، إلا أن الواحد منا أحياناً قد يُبتلى مثلاً في صحته، ولا يعلم الناس أنه مريض، وقد يُبتلى في عقله وقد يُبتلى في بدنه، وأنت شاء الله - تبارك وتعالى - أن يجعل ابتلاءك بقصر القامة وإن كان هذا ليس عيباً حقيقة؛ لأن قصر القامة ليس عيباً باعتبار أنه لا يعطل مسيرتك في الحياة.. نعم هو قد يؤدي إلى بعض المضايقات – كما حدث - ولكنَّ العقلاء - أخي الكريم وابني الفاضل المبارك – يحوِّلون هذه الإعاقات إلى عوامل إنجاز وتقدم وتفوق، فكم من أصحاب العاهات من أصبح متميزاً ومتفوقاً على كثير من الأصحاء؛ لأنه لم يستسلم لظروفه التي وُجد بها، وهذا الذي كنتُ أتمناه من حضرتك؛ لأنه يبدو أنك استسلمت لهذه الظروف، فأنت في المرحلة الأولى عانيت ما عانيت من الألفاظ الغير لائقة، ثم انتقلت إلى المرحلة الأساسية فزاد الطين بلة أنك شعرت بأنك أقصر من غيرك قامة، وأنك قد تتعرض لبعض السخرية من بعض زملائك كلما أُتيحت الفرصة لهم لينالوا منك، ثم بعد ذلك لجأت إلى أمر آخر لتعوض هذا القصور وهو ممارسة الرياضة، ولكنك جعلت ذلك على حساب أمر آخر وهو الدراسة والتعليم.

فأنت - بارك الله فيك - لم توفق في إدارة الأمر أو استغلاله بطريقة صحيحة، وإنما عالجت الخطأ بخطأ.. نعم إن الرياضة ليست بخطأ في حد ذاته، ولكنها عندما شغلتك عن مصيرك المحتوم وعن مستقبلك الضروري أصبحت خطئاً، ولذلك أقول - بارك الله فيك -:

اعلم أنك لست الوحيد القصير في العالم، واعلم أنك لو نظرت إلى غيرك لوجدت أن هناك من هم أصحاب بلاء أعظم منك عشرات المرات – ولدي إسماعيل – فهل أنت أحسن حالاً أم الأعمى الذي لا يبصر؟! هل أنت أحسن حالاً أم الأصم الذي لا يسمع؟! هل أنت أحسن حالاً أم الأبكم الذي لا يتكلم ولا يسمع؟! هل أنت أحسن حالاً أم الأبرص الذي يتأفف منه الناس؟! قطعاً ستجد نفسك أحسن من هؤلاء جميعاً، ورغم ذلك هؤلاء يعيشون حياتهم بطريقة طبيعية ولم يقفوا أمام هذه الإعاقات طويلاً، بل حولوها إلى مصدر تحدٍ فأصبحوا من المتميزين، وإني لأعلم رجلاً قُطعت قدمه في حادث من الحوادث ورغم ذلك صمم على أن يتميز على غيره فبدأ يتعلم السباحة وبدأ يركز على قدمه السليمة وعلى يديه وظل يتدرب حتى عندما حان وقت المسابقات أصر على أن يشترك ورغم ذلك رفضت الفرق التي يلعب بينها أن يشترك بحجة أنه لا يستطيع، وفعلاً في المرة الأولى أصيب بالفشل إلا أنه عاد وواصل التدريب بعزم وقوة وصلابة وإرادة لا تعرف الوهن ولا اليأس، فكان في العام التالي أنه استطاع أن يعبر المانش – كما تعلم – في أوروبا وأن يخرج الأول على مستوى العالم حتى على الأصحاء؛ لأنه لم يستسلم - بارك الله فيك – لإعاقته، ولذلك أقول لك:

رجاء ألا تجعل هذه الحالة التي أنت بها عائقاً أمام تفوقك، فإذا كنت قد فشلت مرة ومرة في الثانوية العامة فهذه ليست نهاية الدنيا، فبمقدورك أن تبدأ الآن من جديد مرة أخرى، وحاول أن تنظر في الأسباب التي أدت إلى عدم النجاح في المرات السابقة وفي الوقت ما يجعلك تتميز وما يجعلك تذاكر دروسك أولاً بأول، وإذا كنت لا تستطيع الدراسة النظامية لأنك الآن تعمل في محل وتقتات منه فبمقدورك أن تدرس مساءً أو أن تدرس بنظام المنازل، ولا تستسلم – يا ولدي – فإني أعلم – والله – كثيراً من الناس بدأوا حياتهم من الصفر متأخرين وأصبحوا الآن أساتذة في الجامعات، فأعرف رجلابدأ الدراسة على رأس العشرين من عمره، ولم يكن قد تلقى أي قدر من التعليم، كان يعمل فلاَّحاً يرعى مواشي ويزرع الأرض، ولكنه عندما أخذته الغيرة عندما عاتبه بعض المثقفين من أنه جاهل وأنه كالحيوان استطاع في فترة وجيزة أن يكسر كل الحواجز، بل إنه كان يدرس سنتين في سنة واحدة، ولما وصل إلى الأربعين إذ به يكون أستإذن في الجامعة في عشرين عاماً غيَّر حياته تماماً، ولازال الآن على رأس جامعة من أعرق جامعات العالم العربي، وقد بدأ متأخراً.

فأقول لك - بارك الله فيك – لا تستسلم، وإنما حاول أن تنظر في العوامل التي أدت إلى فشلك، وتدرسها بتأني ثم تحاول التخلص منها، واضغط وقتك - بارك الله فيك – وحاول أن تأخذ بأسباب الجد والاجتهاد ولا تضيع فرصة.

قسِّم وقتك بإتقان ودقة ما بين عملك وما بين دراستك، وأنا واثق أنك هذه المرة إن عقدت العزم على أن تنجح فستنجح - بإذن الله تعالى -.

هنالك بعض الكتيبات - بارك الله فيك – تستطيع أن تساعدك، وهي (كيف تكسب ثقتك في نفسك، وكيف تكسب ثقة الآخرين من حولك)، هذه كتب كثيرة موجودة لديكم في الجزائر وغيرها، لمؤلفين عرب ولمؤلفين غير مسلمين ولكنها تتكلم عن إعادة الثقة في النفس وعن إعادة القوة وعن استغلال الطاقات والمهارات المكنونة لدى الإنسان، وأقول لك إذا نظرت إلى غيرك لوجدت أنك أفضل من كثير ممن ذكرتهم لك، ما عليك إلا أن تنظم وقتك بدقة وإتقان، وأن تتوجه إلى الله بالدعاء أن يفتح عليك وأن تأخذ بالأسباب، وأن تسأل أمك أن تدعو لك وأن تجد وتجتهد وأن تعقد العزم بقوة على ألا تستسلم، ولكن تقول هذه المرة (سأنجح - بإذن الله تعالى - ) ووفر الوقت المناسب للمذاكرة، ونظم وقتك بإتقان ودقة، وحاول أن تستغل الفراغات التي عندك استغلالا جيداً، وأنا واثق - إن شاء الله تعالى – أنك ستنجح ما دمت قد استعنت بالله وصممت على أن تتميز، فستكون متميزاً، وستنجح هذه المرة - بإذن الله تعالى – بل وستحصل على مجموع كبير، واعلم أن الله قال: ((إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ))[الرعد:11]، فإذا تركت عنك الاستسلام لهذه الحالة التي أنت فيها، وحاولت أن تقاوم هذه الفكرة التي سيطرت عليك من أنك لن تنجح فإنك ستنجح - بإذن الله تعالى – وستكون متميزاً ومتفوقاً وعمَّا قريب سنراك شخصية لامعة في سماء الجزائر - بإذن الله تعالى -.
هذا وبالله التوفيق.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً