الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

نصيحة لفتاة تشعر بالندم بعد خلافها مع أمها وغضبها عليها
رقم الإستشارة: 288862

1875 0 405

السؤال

أنا دائماً أختلف مع والدتي وأثور عليها، وكل مرة أشعر بندم شديد بعد ذلك ولا أعود قادرة على القيام بأي عمل، وأحزن كثيراً، وأعاهد نفسي ألا أعود لمثل هذا ولكني أعود فأختلف معها ثانية وثالثة، ولست أدري إلى متى؟

فكلما أساء إليّ أحد ما أضع اللوم على والدتي وأرد الإساءة عليها لعجزي عن ردها على من أساء إلي.

أرجوكم أن تساعدوني، ولربما يبدو كلامي غير جدير بالرد، ولكني أثق بأنكم لن تتخلوا عني.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ دانة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،،،

فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك (إسلام ويب)، فأهلاً وسهلاً ومرحباً بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأل الله - تبارك وتعالى - أن يغفر ذنبك وأن يستر عيبك، وأن يُحسن خلقك، وأن يعينك على بر أمك وإكرامها والإحسان إليها وعدم رفع الصوت عليها، وأن يمنَّ عليك بذرية طيبة مباركة تشعرين من خلالها بمقام الأم ومنزلتها.

وبخصوص ما ورد برسالتك من أنك دائمة تختلفين مع الوالدة – حفظها الله – وتثورين عليها، ثم بعد ذلك تشعرين بنوع من الندم الشديد، إلا أنك لا تلبثين أن تعودي مرة أخرى إلى الاختلاف ومن ثم الإساءة إليها وأيضاً إسماعها ما تكره والضغط عليها إلى غير ذلك.

أقول لك أختي الكريمة الفاضلة: هذه بلا شك تصرفات غير مقبولة، خاصة الأخت فاضلة ومعلمة الأصل فيها أنها تتمتع بحلم وصبر وصدر واسع كبير؛ لأنها تتعامل قطعاً مع أناس أصغر منها في السن وتصبر عليهم وتتحمل منهم الكثير والكثير، فلا يُعقل أن نتحمل تصرفات الأطفال والطلبة ولا نتحمل من الأم، خاصة وأنها صاحبة الفضل الأكبر والأول بعد الله تبارك وتعالى جل جلاله، ولذلك قدم الشرع الأم على الأب في الوصية وأوصى بها بصفة خاصة، فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما سُئل: (من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال أبوك)، فإذن: أعطى الشرع للأم ثلاثة أرباع البر وأعطى للأب الربع الأخير؛ لأن الأم صاحبة الفضل الكبير، وأنا أعتقد أنه لا يخفى عليك ذلك.

ثانياً بارك الله فيك: لقد أمرنا الله تبارك وتعالى في التعامل معهم بضرورة مراعاة الضوابط الشرعية، حيث قال: (( فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ))[الإسراء:23]، فهذا الذي تفعلينه يتعارض تماماً مع هذا الأمر.

وصدقيني لن يستطيع أحد أن يغير هذا الأمر إلا ذاته شخصياً، يعني: إذا لم تضعي لنفسك حداً وتوقفي هذه التصرفات فلن تتوقفي؛ لأن الله قال: (( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ))[الرعد:11]، فالمفروض فيك عندما تختلفين معها وتشعرين أنك سوف تتجاوزين أن تنسحبي فوراً ولا تختلفي معها، عندما تشعرين بأنا وصلنا إلى نقطة الخلاف ومن الممكن أن نخطئ ككل مرة انسحبي فوراً من المكان الذي هي فيه، واذهبي إلى مكان بعيد، وإذا شعرت بنوع من الضغط النفسي فمن الممكن أن تخرجي ورقة وقلماً وتكتبين فيها أي كلام حتى تستنفذي الشحنة الشيطانية التي يضعها الشيطان على لسانك لتسيئي إلى أمك وتُشعريها بنوع من الإهانة أو تعنفيها أو تسمعيها ما تكره.

فإذن: أقول الحل الأمثل أول شيء كلما بدأت أعراض هذا الغضب وأنك ستشعرين ببداية الثورة اتركي المكان الذي فيه الوالدة فوراً واذهبي إلى مكان آخر، إذا كنت شاعرة بأن الثورة شديدة وأن الشيطان قد تملكك؛ لأن الغضب من الشيطان وهذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، فالشيطان عادة عندما تأتي لحظات الغضب للإنسان يتحكم الشيطان في كلامه ويتحكم في نظراته، وهو الذي يتحكم في أعضائه، ولذلك الواحد منا قد يضرب ضرباً شديداً في حالة الغضب، ولعلك أنت أيضاً تشعرين بهذا الكلام غير الطبيعي، أنت لا تقولينه وأنت طبيعية، وإنما هذه الثورة تحدث في حالة الغضب فقط، فالشيطان هو الذي يقذف بالعبارات اللاذعة الشديدة أو القاسية في لحظات الغضب حتى يُفسد ما بينك وبين أمك؛ لأن أمك قد تتحملك مرة بعد مرة بعد مرة، ولكن قد يأتي يوم لا تتحمل، فلعلها تدعو عليك دعوة تصيبك بالخسارة في الدنيا والآخرة.

الأم طبعاً أول الناس تحملاً وأعظم الناس تحملاً، ولكن كما تعلمين كل شيء له حد وكل شيء له طاقة، وكأس الماء يظل فارغاً ما دام ليس فيه شيء، ولكن كلما تضعين فيه قدراً من السوائل يوماً بعد يوم سيمتلئ، وبعد أن يمتلئ يفيض، فالأم قد تتحمل شهراً أو شهرين أو سنة أو سنتين، ولكن قد يصل بها الحال أن تدعو -رغماً عنها - عليك فتصابين بخسارتك في الدنيا والآخرة، ولذلك أقول بارك الله فيك:

أنت من الممكن أن تتكلمي معها، فإذا شعرت بأنك ستبدئين تدخلين في مرحلة الثورة فانسحبي فوراً بهدوء، إذا كانت الثورة ما زالت تعتمل عندك فقومي بأخذ ورقة وقلم وابدئي في كتابة أي شيء أو رسم أي شيء، واكتبي أي كلام حتى تخرجي هذه الشحنة على الورق، ثم ترمين الورق بعد ذلك في سلة المهملات وتنتهي المسألة.

هذه المهارة لن تستمر معك طويلاً، لأنك لو فعلتها مرة بعد مرة بعد مرة سيشعر الشيطان أنه فقد السلاح الذي كان يستعمله، وبذلك سيستعمل معك سلاحاً آخر، ولكن على الأقل تكونين قد سلمت من هذه الآفة، وقد تكونين عوفيت منها وأصبحت لا تغضبين مع أمك، وبهذه الطريقة - بإذن الله تعالى – ستتخلصين من هذا الأمر.

أيضاً هناك سلاح آخر وهو سلاح الدعاء، أن تكثري من الدعاء أن الله عز وجل يعافيك من هذه الحدة ويُذهب عنك هذه الثورة وتلك الشدة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أنزل الله عليه قوله: (( أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ))[البقرة:186]، والله - سبحانه وتعالى – أمرنا بالدعاء ووعدنا بالإجابة، وكان عمر - رضي الله تعالى عنه وأرضاه – يقول: (إني لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل هم الدعاء)، المهم أنني أدعو، فأنا لو دعوت دعاءً مستوفياً لشروط الإجابة فإن الله تبارك وتعالى وعدني أنه لن يخزيني ولن يخذلني وأنه سيستجيب لدعائي، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن ربكم حييٌ كريمٌ يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً خائبتين)، والله - أختي دانه – ما إن ترفعي يديك إلى الله وتقولي: (يا رب! عافني من هذا البلاء، وعافني من هذه الثورة، وارزقني حسن الخلق مع أمي، وأذهب عني هذه الحدة) وتكررين ذلك إلا ويعطيك الله تبارك وتعالى إجابة قد تكون إجابة كاملة وقد تكون إجابة ناقصة، ولكن مع تكرار الدعاء سوف تأتي الإجابة كاملة بإذن الله تعالى.

فأتمنى أول ما تحدث عملية الثورة انصرفي فوراً من المكان ولا تبدئي الكلام مع أمك، وادخلي في غرفتك الخاصة وأغلقي عليك الباب، أو اخرجي إلى الصالة، اخرجي إلى شرفة المنزل أو البلكونة أو اصعدي إلى سطح البيت، المهم لا تقفي أمام أمك حتى لا تتمادي في عملية الخطأ مرة بعد مرة سوف تزول؛ لأن هذه مسألة في الأول، ولكن مع الأيام سوف تزول بإذن الله تعالى.

والنبي أوصانا عليه الصلاة والسلام أن الإنسان منا إذا كان غاضباً فعليه أن يستعيذ بالله عز وجل، وإذا كان قائماً فليجلس، وإذا كان جالساً فليضطجع، يعني: ممكن أن ينام، ومن الممكن أن تتوضعي، ولكن الأمر الآن ما دام في حضور الوالدة أهم شيء فيه هو أن تنصرفي من المكان وتذهبي بعيداً عنها حتى تذهب عنك هذه الحدة، ثم ترجعي إليها لتقبلي رأسها وتقبلي يدها وتقبلي قدمها وتقولي سامحيني يا أمي، ومع الأيام - بإذن الله تعالى – أنا واثق بأنك سوف تعافين نهائياً من هذه الآفة، وسوف تكونين ابنة رائعة لأم رائعة صابرة محتسبة.

أسأل الله تعالى أن يبارك فيك، وأن يعافيك من هذا البلاء، وأن يصرف عنك هذه الحدة وأن يصرف عنك كيد شياطين الإنس والجن، وأن يحقق لك كل ما تتمنين من خير الدنيا والآخرة، إنه جواد كريم.

هذا وبالله التوفيق.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأعلى تقيماً