الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

صلى بهم الخطيب الاستسقاء قبل الجمعة فاختلفوا

السؤال

خطيب جمعة بعد خطبته نزل عن المنبر وأقيمت الصلاة، وقال للناس إنه سيصلي بهم أولا صلاة الاستسقاء وفعل، ثم صلى الجمعة بدون إقامة، مما أحدث ضجة في المسجد، بعض الناس صلى معه الاستسقاء والجمعة وهم الأكثر، وبعضهم صلى الاستسقاء بنية الجمعة وخرج، والبعض صلى الاستسقاء دون نية الجمعة وخرج، ماذا يلزم هؤلاء؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فقد ارتكبَ هذا الخطيبُ جملةً من المخالفات:

الأولى: إحداثه صلاةً بين خطبة الجمعة والصلاة، وهذا أمرٌ محدث لم يُنقل فعله عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحدٍ من أصحابه، وقد ثبت في الصحيحين: من أحدثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد.

الثانية: تركه الموالاة بين الخطبة والصلاة والذي هو شرطٌ في صحة الجمعة عند كثيرٍ من أهل العلم، قال ابن قدامة في المغني: والموالاة شرط في صحة الخطبة، فإن فصل بعضها من بعض، بكلام طويل، أو سكوت طويل، أو شيء غير ذلك يقطع الموالاة، استأنفها. والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة. وكذلك يشترط الموالاة بين الخطبة والصلاة. وإن احتاج إلى الطهارة تطهر، وبنى على خطبته، ما لم يطل الفصل.انتهى.

الثالثة: تسببه في إحداث الفوضى بين الناس والتشويش عليهم ونشوب الخلاف بينهم، ومثل هذا لو كان ينشأ عن أمرٍ يسوغ فعله لكان تركه أولى، إذ الخلاف شرٌ كما قال ابن مسعود رضي الله عنهما، فكيف إذا كان بهذا الأمر المحدث المبتدع.

وأما عن حكم المسألة، فصلاةُ الإمام وصلاة من صلوا معه الجمعة، سواءٌ صلوا معه قبلها أم لم يصلوا صحيحةٌ على القول بعدم وجوب الموالاة بين الخطبة والصلاة، وأما على قول الجمهور الذين يرون وجوب الموالاة بين الخطبة والصلاة فيجب عليهم أن يعيدوا الصلاة ظهرا، لأن ذمتهم لم تبرأ منها، والأخذ بهذا القول أولى لموافقتها للسنة، فأما من صلى بنية الاستسقاء فلا شك في وجوب الظهر عليه، فإن كانوا صلوها في هذا اليوم فبها، وإلا فالواجبُ عليهم قضاؤها.

وأما من صلى معه الاستسقاء بنية الجمعة، فهذا ينبني على صحة صلاة المفترض خلف المتنفل، فالجمهورُ لا يرون صحتها، ويرى الشافعية صحتها. وهو الراجح، وانظر الفتوى رقم: 49290.

ثم إن الشافعيةَ مختلفون في صحة صلاة الجمعة خلف المتنفل، وقد صحح النووي الصحة، وقد نقل الشيرازي وجه الجواز والمنع فقال في المهذب: ولا يجوز أن يصلي الجمعة خلف من يصلي الظهر؛ لأن الإمام شرط في الجمعة، والإمام ليس معهم في الجمعة فتصير كالجمعة بغير إمام. ومن أصحابنا من قال: تجوز كما يجوز أن يصلي الظهر خلف من يصلي العصر، وفي فعلها خلف المتنفل قولان أحدهما: يجوز؛ لأنهما متفقتان في الأفعال الظاهرة والثاني: لا يجوز؛ لأن من شرط الجمعة الإمام، والإمام ليس معهم في الجمعة.

وقال النووي في المجموع: والصحيح صحة الجمعة خلف الظهر، وخلف المتنفل والصبي والعبد والمسافر. انتهى.

والأحوط على كل حال أن يعيدوها ظهرا خروجاً من الخلاف.

والذي ننصح به هذا الإمام وغيره ألا يأتوا شيئاً إلا على بصيرةٍ وتثبتٍ من كونه من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، نسأل الله أن يرزقنا الفقه في الدين.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني