السؤال
أول سنة من دخولي للكلية تسببت لي مشكلة بإحساسي بالظلم من أحد إخواني، وبوساوس قهرية شديدة بأنني اخترت الطريق الخطأ، منذ ذلك الوقت ولسبع سنين كنت عاقا لوالدي وكانت تحصل نقاشات حادة، وكنت أسبه في بعض الأحيان. وكل مشكلتي أنني كنت مكتئبا وتصيبني نوبات فزع، وأحس بالقهر من أخي ولا أجد له تجاوبا لحل مشكلتي طوال تلك الفترة، أنا اكتشفت أنني مخطئ ولم أكن أصلي ولم أكن أرضى بالقدر.والآن بعد أن ذهب من العمر سبع سنين من مقاطعتي لوالدي أريد أن أرجع ولكنني أعتقد أن الوقت قد فات وذهب، وأخشى أن يموت والدي، ثم إنني أفكر بالانتحار أو قتل نفسي لأني لا أرى لحياتي طعما، اكتشفت متأخرا جدا أنهما أمران فقط في هذه الحياه ينبغي اتباعهما عبادة الله، وبر الوالدين. وليس هناك واجب أعظم ليس هناك متعة في الحياه تستحق أن يخل الانسان بأحد هذه الأمرين (عبادة الله وبر الوالدين) وهو الأمر الذي قضاه الله على الناس وربط بر الوالدين به بجلاله وعظمته وقدرته لأن كون النفس البشريه على هذين الامرين. ماذا أفعل ومن أين أبدأ؟ أتمنى أن أرى أبي سنينا كثيرة، وأتمنى أن يكون في أحسن خاتمة وهو ساجد لله، وأتمنى أن يرضى عني تمام الرضا من قلبه، وأخشى على نفسي من التفكير في الانتحار إذا ماحصل له أي طارئ أو مضاعفات لمرض القلب، حيث إنني بعد اكتئاب ثمانية أعوام لم أعد أرى للحياة طعما، وهي متع ُ حقيرة لا تتجاوز أكل اللحم وركوب لحم على لحم، وإنجاب لحم. حقيرة فعلا لا تستحق أن يتجاوز الانسان فيها حدودا الله أو أن يعصي والديه. أتمنى أن أجد جوابكم عاجلا غير آجل.
الإجابــة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فالواجب عليك أيها السائل أن تبادر بالتوبة إلى الله جل وعلا، وتقبل على أداء الصلوات وبر الوالدين وغير ذلك مما أوجبه الله سبحانه وأمر به. فإذا صدقت في التوبة والإقلاع عن الذنوب فإنا نبشرك بعفو الله عنك فإنه سبحانه غفور رحيم, وقد وعد سبحانه بقبول التوبة فقال: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ. {الشورى/25}. وقال سبحانه: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ*وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ. {الزمر:54،53}.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله يغفر الذنوب جميعا لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر. اهـ.
واعلم أن اليأس من الحياة ومن قبول التوبة باب عظيم من أبواب المعاصي وهو من كيد الشيطان بالإنسان كي يصده عن التوبة والرجوع إلى الله جل وعلا ويغريه بالاستزادة من الذنوب والمعاصي.
ذكر ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله سبحانه: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ.{البقرة : 195}.
نقلا عن جمع من السلف: إنها في الرجل يذنب الذنب فيعتقد أنه لا يغفر له، فيلقي بيده إلى التهلكة، أي: يستكثر من الذنوب فيهلك. انتهى.
وأما الانتحار فهو من عظائم الذنوب وكبائرها وقد بينا ذلك في الفتوى رقم: 10397.
وكثيرا ما يوسوس الشيطان للإنسان أنه هو الحل لما يعانيه من مشكلات وهذا وهم كبير، فإنه وإن كان صاحبه سيهرب به من شقاء الدنيا، فإنه سينتقل إلى الشقاء الأعظم في نار الجحيم والعياذ بالله.
وراجع الكلام عن التوبة من عقوق الوالدين في الفتوى رقم:107035.
الله أعلم.