الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحل الأنسب والمستحب حال كون هبة الأب لأولاده غير عادلة

السؤال

نحن شقيقان، وست شقيقات. وكان والدي -رحمه الله- في حياته قد بنى بيتا من عدة طوابق، كل طابق به ثلاث شقق سكنية، إحداهما مكونة من 4 غرف، والأخريتين كل منهما 3 غرف.
وكان والدي حين ينتهي من تشطيب إحدى الشقق، ويأتي زوج لإحدى أخواتي، يعطيها الشقة التي انتهى من تشطيبها، وهكذا حتى أصبح لكل منا ذكورا أو إناثا شقة في بيت الوالد، إضافة إلى شقة لوالدي ووالدتي رحمهما الله.
والصورة أصبحت كالتالي: اثنتان من شقيقاتي، ونحن الأخوان يسكن كل منا في شقة مكونة من أربع غرف، وأربع من شقيقاتي كل منهن تسكن في شقة مكونة من ثلاث غرف. وتم تأجير الشقتين الأخريتين لمستأجرين غريبين، وبقيت شقة والدي ووالدتي مغلقة.
بعد وفاة والدي- رحمه الله- طالبت شقيقاتي المقيمات في الشقة ذات الغرف الثلاث بأخذ إحدى الشقتين المستأجرتين، بدعوى أن تصبح لكل منهن أربع غرف مثل الأخريتين. بينما طلب شقيقيان أن يأخذ كل منهما شقة ليكون للذكر مثل حظ الأنثيين (البنت عندها شقة، فينبغي أن يكون للولد اثنتان) وطلبت أنا أن يظل كل وضع على حاله كما وزعه والدي، ويؤخذ إيجار الشقتين (وشقة والدي إن أرادوا تأجيرها) ليقسم العائد للذكر مثل حظ الأنثيين، خاصة أن والدي لم يقصد حين أسكن كلا منا في شقة، تفضيل أحد على أحد، وإنما حسب ما أراد الله، فأحدنا في الدور الأول، والآخر في الدور الأخير، والبعض شقته بحرية، والآخر قبلية وهكذا، وأحدنا سابق في السكن، والآخر متأخر فيه.
فما الحل الذي يرضي الله في هذا الموضوع، علما بأن أرض البيت كأمر طبيعي يكون للذكر فيها مثل حظ الأنثيين؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالراجح في هبة الأب لأبنائه أن تكون بالتساوي بين الذكور والإناث؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لبشير بن سعد ـ وهو والد النعمان بن بشير: سووا بين أولادكم في العطية، ولو كنت مؤثراً لأحد لآثرت النساء على الرجال. أخرجه البيهقي، وحكم الحافظ في الفتح بأن إسناده حسن.
وإذا كان هناك مسوغ شرعي لما قام به والدكم من توزيع الشقق على نحو ما ذكرت؛ كأن تكون الشقة ذات الغرف الثلاث، تساوي في القيمة تلك التي هي أربع غرف، بسبب إطلالتها على البحر، أو لكونها في الدور الأول مثلا، ونحو ذلك... ففي هذه الحال لا يقال إن الوالد جار في توزيعه الغرف بين الأولاد، وبالتالي تثبت الهبة، بشرط أن تكون في حال الصحة، وتكون الحيازة الشرعية قد تمت.
وإذا لم تكن الهبة عادلة، ومات الواهب قبل استرجاعها، ثبت للمعطَى، ما قبض، وخص به عند الجمهور، مع استحباب رد الأبناء لها.

قال ابن قدامة في الشرح الكبير: إذا فاضل بين ولده في العطايا، أو خص بعضهم بعطية ثم مات قبل أن يسترده، ثبت ذلك للموهوب له، ولزم، وليس لبقية الورثة الرجوع. هذا المنصوص عن أحمد في رواية محمد بن الحكم، والميموني، واختاره الخلال وصاحبه أبو بكر، وبه قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، وأكثر أهل العلم وهو الذي ذكره الخرقي؛ لأنها عطية لولده، فلزمت بالموت كما لو انفرد، ولأنه حق للأب يتعلق بمال الولد، فسقط بموته كالأخذ من ماله. انتهى منه باختصار.

وقال في المغني: ولا خلاف أنه يستحب لمن أعطي، أن يساوي أخاه في عطيته. انتهى.
وعلى ما سبق؛ فالحل الأنسب لكم والمستحب على قول الجمهور هو تسوية الهبة أولا، وتصححوها على أن يكون للذكر مثل ما للأنثى، ولكم أن تستعينوا بأهل الخبرة في ذلك، ثم بعد ذلك تقسمون ما بقي من التركة بحسب الأنصبة الشرعية للذكر مثل حظ الأنثيين، أو تصطلحون على أي حل تتراضون عليه.
ونذكركم بقول الله تعالى: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ {البقرة: 237}. وإذا لم تستطيعوا الاتفاق والمصالحة، فننصحكم بالرجوع إلى المحكمة الشرعية في بلدكم، فلا شك أن لديها من الوسائل ما تستطيع به الوقوف على جوانب المسألة، وبالتالي حلها حلا شرعيا عادلا.
وننبه السائل إلى أن أمر التركات أمر خطير جدا، وشائك للغاية، وبالتالي، فلا يمكن الاكتفاء فيه، ولا الاعتماد على مجرد فتوى أعدها صاحبها طبقا لسؤال ورد عليه، بل لا بد من أن ترفع للمحاكم الشرعية كي تنظر فيها وتحقق، فقد يكون هناك وارث لا يطلع عليه إلا بعد البحث، وقد تكون هناك وصايا أو ديون، أو حقوق أخرى لا علم للورثة بها، ومن المعروف أنها مقدمة على حق الورثة في المال، فلا ينبغي إذاً قسم التركة دون مراجعة للمحاكم الشرعية -إذا كانت موجودة-، تحقيقا لمصالح الأحياء والأموات.
وللفائدة يرجى مراجعة الفتويين: 27543، 33348.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني