الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيع حق التعلي في منظار الشرع

السؤال

فضيلة الشيخ الكريم حياكم الله وبارك فيكم ونفعنا بعلومكم، لدي سؤال أفتونا فيه مأجورين، وجزاكم الله خيراً، هل يجوز بيع سطح المنزل لرجل ليقوم هو بالبناء عليه ثلاثة أو أربعة أدوار لصالحه ويستغلهم أو يبيعهم، وهل يجوز لهذا الرجل أن يدخل في شركة مع رجل آخر بحيث يقوم الرجل الآخر بالبناء والتشطيب لكل الأدوار من ماله الخاص ثم يقتسمان الأدوار بالنصف مقابل تحمل هذا الشريك نفقات البناء ويتعهد هذا الشريك -الشريك الباني للأدوار- أيضاً ببيع الشقق التي لصاحب السطح إن رغب صاحب السطح في ذلك، وفي أي وقت من عملية البناء يجوز بيع الشقق هل يجوز أخذ مبلغ من المال كمقدمة (عربون) من المشتري قبل إتمام عملية البناء، وليكن بعد رفع العمدان مثلا أم يجوز قبل ذلك أو بعد ذلك؟ وجزاكم الله خيراً.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فقد اشتمل سؤالك على عدة أمور:

الأمر الأول: حكم بيع السطح: وهو ما يسمى عند بعض الفقهاء بحق التعلي، وقد اختلف أهل العلم في حكم بيعه: فقد ذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى جوازه على تفاصيل لهم في ذلك، ويشترط في ذلك التنصيص على ما يرفع الجهالة من ذكر عدد الأدوار وسمك البناء وقوة القواعد ونحو ذلك، وذلك لأن الأعلى يرغب في قوة الأسفل، والأسفل يرغب في خفة الأعلى.

قال الإمام الشافعي في الأم: ولو اشترى علو بيت على أن يبني على جدرانه، ويسكن على سطحه أجزت ذلك إذا سميا منتهى البنيان، لأنه ليس كالأرض في احتمال ما يبنى عليها.

وقال زكريا الأنصاري في أسنى المطالب 2/255: (وهو) أي العقد المذكور (متردد بين البيع) لكونه مؤبداً (والإجارة) لوروده على المنفعة، فلا تملك به عين؛ وإن أوهم خلافه تعبير الشافعي وكثير من أصحابه ببيع السقف للبناء عليه (فلو عقد) على ذلك (بلفظ الإجارة صح وتأبد) الحق (إن لم يؤقت) بوقت، وإلا فلا يتأبد ويتعين لفظ الإجارة، وجاز تأبيد هذه الحقوق للحاجة إليها على التأبيد كالنكاح والعقد في صورة الإجارة التي لا تأقيت فيها عقدُ إجارة اغتفر فيه التأبيد لما ذكر. وراجع لمذهب المالكية شرح الدردير بحاشية الدسوقي 3/14، وراجع لمذهب الحنابلة مطالب أولي النهي 3/350.

وأما الحنفية: فقد ذهبوا إلى أن بيع حق التعلي غير جائز، لأنه ليس بمال، ولا هو حق متعلق بالمال، بل حق متعلق بالهواء (أي الفراغ) وليس الهواء مالاً يباع، إذ المال ما يمكن قبضه وإحرازه، وراجع حاشية ابن عابدين 4/101، والذي نراه راجحاً هو القول الأول وهو مذهب الجمهور كما تقدم.

والأمر الثاني: حكم اتفاق صاحب السطح مع رجل على أن يبني الرجل طابقين -مثلاً- على أن لصاحب السطح طابقاً وللرجل طابقاً: وهذا يعني أنه سيبيع السطح بشيء في الذمة وهو أحد الطابقين، ولا حرج في ذلك بناء على مذهب الجمهور بشرط أن يوصف الطابق الذي هو الثمن بما يرفع عنه الجهالة والغرر.

والأمر الثالث: حكم تعهد الرجل الذي سيبني الطوابق ببيعها: ولا حرج في ذلك، ولكن لا يكون هذا من شروط العقد للنهي عن بيع وشرط، ويكون حينئذ وعداً وعهداً منفصلاً لا علاقة له بالعقد، ولمعرفة حكم الوفاء بالوعد والعهد راجع الفتوى رقم: 51099، والفتوى رقم: 29746.

والأمر الرابع: مسألة بيع الشقق متى يجوز أن يقع؟ والجواب أنه يجوز في ذلك أن يبيع قبل البناء، ويكون العقد حينئذ عقد استصناع، والجمهور على أنه يشترط فيه شروط السلم، ومن ذلك تسليم كل الثمن في مجلس العقد، ووصف المبيع بما يرفع الجهالة، وراجع الفتوى رقم: 37651.

ويجوز أن يبيع أثناء البناء، ويكون العقد حينئذ بيعاً لما تم بناؤه، وسَلَماً لما لم يتم بعد من البناء، فيشترط تسليم الثمن في مجلس العقد لما بقي ولا يشترط لما قد تم بناؤه، ويجوز أن يبيع بعد تمام البناء، ويكون العقد حينئذ بيعاً محضاً، فلا يشترط تسليم الثمن في مجلس العقد.

أما عن العربون، ففي المسألة خلاف بين الفقهاء، فالجمهور على المنع، والحنابلة على الجواز، وراجع الفتوى رقم: 5387.

وعلى القول بالجواز، فلا حرج فيه في حالة تمام البناء أو تمام بعضه، أما قبل البناء فلا بد من دفع الثمن كاملاً، لا العربون فقط.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني