الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                  معلومات الكتاب

                  منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية

                  ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

                  صفحة جزء
                  وإلا فالقول بأن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة قول لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين ، لا من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ، ولا من بعدهم من الأئمة المعروفين ، بل القائلون بذلك يقولون : إن الله تعالى لم يخلق منذ خلق الجواهر المنفردة شيئا قائما بنفسه ، لا سماء ولا أرضا ، ولا حيوانا ولا نباتا ، ولا معادن ، ولا إنسانا ولا غير إنسان ، بل إنما يحدث تركيب تلك الجواهر القديمة فيجمعها ويفرقها ، فإنما يحدث أعراضا قائمة بتلك الجواهر ، لا أعيانا قائمة بأنفسها . فيقولون : إنه إذا خلق السحاب والمطر والإنسان ، وغيره من الحيوان والأشجار والنبات والثمار ، لم يخلق عينا قائمة بنفسها ، وإنما خلق أعراضا قائمة بغيرها . وهذا خلاف ما دل عليه السمع والعقل والعيان ، ووجود جواهر لا تقبل القسمة منفردة عن الأجسام مما يعلم بطلانه بالعقل والحس ، فضلا عن أن يكون الله تعالى لم يخلق عينا قائمة بنفسها إلا ذلك ، وهؤلاء [ ص: 140 ] يقولون : إن الأجسام لا يستحيل بعضها إلى بعض ، بل الجواهر التي كانت مثلا في الأول هي بعينها باقية في الثاني ، وإنما تغيرت أعراضها .

                  وهذا خلاف ما أجمع عليه العلماء - أئمة الدين وغيرهم من العقلاء - من استحالة بعض الأجسام إلى بعض ، كاستحالة الإنسان وغيره من الحيوان بالموت ترابا ، واستحالة الدم والميتة والخنزير وغيرها من الأجسام النجسة ملحا أو رمادا ، واستحالة العذرات ترابا ، واستحالة العصير خمرا ، ثم استحالة الخمر خلا ، واستحالة ما يأكله الإنسان ويشربه بولا ودما وغائطا ونحو ذلك ، وقد تكلم علماء المسلمين في النجاسة : هل تطهر بالاستحالة أم لا ؟ ولم ينكر أحد منهم الاستحالة .

                  ومثبتة الجوهر الفرد قد فرعوا عليه من المقالات التي يعلم العقلاء فسادها ببديهة العقل ما ليس هذا موضع بسطه ، مثل تفليك الرحى والدولاب والفلك وسائر الأجسام المستديرة المتحركة [1] ، وقول من قال منهم : إن الفاعل المختار يفعل كلما تحركت ، ومثل قول كثير منهم : [ ص: 141 ] إن الإنسان إذا مات فجميع جواهره باقية قد تفرقت ، ثم عند الإعادة يجمعها الله تعالى .

                  ولهذا صار كثير من حذاقهم إلى التوقف في آخر أمرهم ، كأبي الحسين البصري [2] وأبي المعالي الجويني وأبي عبد الله الرازي ، وكذلك ابن عقيل والغزالي وأمثالهما من النظار الذين تبين لهم فساد أقوال هؤلاء ، يذمون أقوال هؤلاء يقولون : إن أحسن أمرهم الشك ، وإن كانوا قد وافقوهم في كثير من مصنفاتهم على كثير مما قالوه من الباطل ، وبسط الكلام على فساد قول القائلين بتركيب الجواهر الفردة [3] المحسوسة أو الجواهر المعقولة له موضع آخر .

                  التالي السابق


                  الخدمات العلمية