الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                  معلومات الكتاب

                  منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية

                  ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

                  صفحة جزء
                  [ ص: 122 ] الوجه الثالث عشر [1] : أن يقال : هذا الشعر الذي استشهد به [ واستحسنه ] [2] هو قول جاهل ، فإن أهل السنة متفقون على قبول ما روى جدهم عن جبريل عن الباري ، بل هم يقبلون مجرد قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويؤمنون به ، ولا يسألونه من أين علمت هذا ، لعلمهم بأنه معصوم لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، وإنما سموا أهل السنة لاتباعهم لسنته [3] - صلى الله عليه وسلم - . لكن الشأن في [ معرفة ] [4] ما رواه جدهم ، فهم يطلبون علم ذلك من الثقات الأثبات ، فإن كان عند أحد من [5] العلويين علم شيء من ذلك استفادوه منه [6] ، وإن كان عند غيرهم علم شيء من ذلك استفادوه منه ] [7] .

                  وأما مجرد كون جدهم روى عن جبريل عن الباري إذا لم يكونوا عالمين به فما يصنع لهم [8] ؟ والناس لم يأخذوا قول مالك والشافعي وأحمد وغيرهم إلا لكونهم يسندون أقوالهم إلى ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن هؤلاء من أعلم الناس بما جاء به ، وأتبعهم لذلك ، وأشدهم اجتهادا [9] في معرفة [ ذلك ] واتباعه [10] ، وإلا فأي غرض للناس في تعظيم مثل [11] هؤلاء ؟ .

                  [ ص: 123 ] وعامة الأحاديث التي يرويها هؤلاء يرويها أمثالهم ، وكذلك عامة ما يجيبون به في المسائل يقوله [12] أمثالهم ، ولا يجعل أهل السنة قول واحد من هؤلاء وحده [13] معصوما يجب اتباعه ، بل إذا تنازعوا في شيء ردوه إلى الله والرسول .

                  واعتبر ذلك بما تشاهده في زمانك من علم [14] أهل العلم بالقرآن والحديث والفقه فيهما [15] ، وأنت [16] تجد كثيرا من بني هاشم لا يحفظ القرآن ، ولا يعرف من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا ما شاء الله ولا يفقه معاني [17] ذلك .

                  فإذا قال هذا : روى جدنا عن جبريل عن الباري . قيل : نعم . وهؤلاء أعلم منكم بما روى جدكم عن جبريل ، وأنتم ترجعون في ذلك إليهم . وإذا كان كل من الأولين والآخرين من بني هاشم قد تعلم [18] بعض ما جاء به الرسول - [ صلى الله عليه وسلم ] - [19] من غيره ، بل من غير بني [ ص: 124 ] هاشم ، كان هذا من أمارة أنه لا علم عندهم بذلك إلا كعلم أمثالهم . فبمن [20] يأتم الناس ، وعمن يأخذون ؟ عمن يعرف [21] ما جاء به جدهم أو عمن لا يعرف ذلك ؟ والعلماء هم ورثة الأنبياء ، فإن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا ، وإنما ورثوا العلم ، فمن أخذه فقد [22] أخذ بحظ وافر .

                  وإن قال : مرادي بهؤلاء الأئمة الاثنا عشر . قيل له : ما رواه علي بن الحسين وأبو جعفر وأمثالهما من حديث جدهم ، فمقبول منهم كما يرويه أمثالهم . ولولا أن الناس وجدوا عند مالك ، والشافعي ، وأحمد أكثر مما وجدوه عند موسى بن جعفر ، وعلي بن موسى ، ومحمد بن علي ، لما عدلوا عن هؤلاء إلى هؤلاء . وإلا فأي غرض لأهل العلم والدين أن يعدلوا عن موسى بن جعفر إلى مالك بن أنس ، وكلاهما من بلد واحد ، في عصر واحد ؟ لو وجدوا عند موسى [ بن جعفر ] [23] من علم الرسول ما وجدوه عند مالك - مع كمال رغبة المسلمين في معرفة علم الرسول ، ونفس بني هاشم كانوا يستفيدون علم الرسول من مالك بن أنس أكثر مما يستفيدونه من ابن عمهم موسى بن جعفر ، ثم الشافعي جاء بعد مالك وقد خالفه في أشياء وردها عليه حتى وقع بينه وبين أصحاب مالك ما وقع ، وهو أقرب نسبا [ ص: 125 ] ببني هاشم ( * من مالك [24] ، ومن أحرص الناس على ما يستفيده من علم الرسول من بني عمه وغير [ بني عمه ] [25] - فلو وجد [26] عند أحد من بني هاشم * ) [27] أعظم من العلم الذي وجده عند مالك ، لكان أشد الناس مسارعة إلى ذلك ، فلما كان يعترف بأنه لم يأخذ [ العلم ] [28] عن أحد أعلم من مالك ، وسفيان بن عيينة ، وكانت كتبه مشحونة بالأخذ عن هذين [ الاثنين ] [29] وعن غيرهما [30] ، وليس فيها شيء عن موسى بن جعفر وأمثاله من بني هاشم ، علم أن مطلوبه من علم الرسول - [ صلى الله عليه وسلم ] - [31] كان عند مالك أكثر مما هو عند هؤلاء .

                  وكذلك أحمد بن حنبل قد علم كمال محبته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولحديثه ، ومعرفته بأقواله وأفعاله ، وموالاته لمن يوافقه ، ومعاداته لمن يخالفه ، ومحبته لبني هاشم ، وتصنيفه في فضائلهم ، حتى صنف " فضائل [32] علي ، والحسن ، والحسين " كما صنف " فضائل الصحابة [33] " ، ومع [ ص: 126 ] هذا فكتبه مملوءة بعلم [34] مثل مالك ، والثوري ، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، ووكيع بن الجراح ، ويحيى بن سعيد القطان ، وهشيم بن بشير ، وعبد الرحمن بن مهدي وأمثالهم ، دون موسى بن جعفر ، وعلي بن موسى ، ومحمد بن علي وأمثالهم . فلو وجد مطلوبه عن مثل هؤلاء لكان أشد الناس رغبة في ذلك .

                  فإن زعم زاعم أنه كان عندهم من العلم المخزون ما ليس عند أولئك لكن كانوا يكتمونه ، فأي فائدة للناس في علم يكتمونه ؟ [35] فعلم لا يقال به ككنز لا ينفق منه ، وكيف [36] يأتم الناس بمن لا يبين لهم العلم المكتوم ، كالإمام المعدوم ، وكلاهما لا ينتفع به ، ولا يحصل به لطف ولا مصلحة .

                  وإن قالوا : بل كانوا يبينون [37] ذلك لخواصهم دون هؤلاء الأئمة . قيل : أولا : هذا كذب عليهم ، فإن جعفر بن محمد لم يجئ بعده مثله . وقد أخذ العلم عنه [38] هؤلاء الأئمة ، كمالك ، وابن عيينة ، وشعبة ، والثوري ، وابن جريج ، ويحيى بن سعيد ، وأمثالهم من العلماء المشاهير [39] الأعيان .

                  [ ص: 127 ] ثم من ظن بهؤلاء السادة أنهم يكتمون علمهم [40] عن مثل هؤلاء ، ويخصون به قوما مجهولين ليس لهم في الأمة لسان صدق ، فقد أساء الظن بهم ، فإن في هؤلاء من المحبة لله ولرسوله ، والطاعة له والرغبة في حفظ دينه وتبليغه وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه وصيانته عن الزيادة والنقصان ما لا يوجد قريب منه لأحد من شيوخ الشيعة .

                  وهذا أمر معلوم بالضرورة لمن عرف هؤلاء وهؤلاء . واعتبر هذا مما تجده في كل زمان من شيوخ السنة وشيوخ الرافضة ، كمصنف هذا الكتاب ، فإنه عند الإمامية أفضلهم في زمانه ، بل يقول بعض الناس : ليس في بلاد المشرق أفضل منه في جنس العلوم مطلقا . ومع هذا فكلامه يدل على أنه من أجهل خلق الله بحال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأقواله وأعماله ، فيروي الكذب[41] الذي يظهر أنه كذب من وجوه كثيرة ، فإن كان عالما بأنه كذب فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من حدث عني بحديث وهو [42] يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين [43] " وإن كان جاهلا بذلك دل على أنه من أجهل الناس بأحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قيل : [ ص: 128 ]

                  فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم



                  ( * وأما الأبيات التي أنشدها فقد قيل في معارضتها :

                  إذا شئت أن ترضى لنفسك مذهبا     تنال به الزلفى وتنجو من النار
                  فدن بكتاب الله والسنة [44] التي     أتت عن رسول الله من نقل أخيار
                  [45] ودع عنك دين الرفض [46] والبدع التي يقودك داعيها إلى النار والعار     وسر خلف أصحاب الرسول فإنهم
                  نجوم هدى في ضوئها يهتدي الساري     وعج عن طريق الرفض فهو مؤسس
                  على الكفر تأسيسا على جرف هار     هما خطتا [47] : إما هدى وسعادة
                  وإما شقاء مع ضلالة كفار     فأي فريقينا [48] أحق بأمنه
                  وأهدى سبيلا عند ما يحكم الباري     أمن سب أصحاب الرسول وخالف الـ
                  كتاب ولم يعبا بثابت أخبار

                  [49] أم المقتدي بالوحي يسلك منهج الـ صحابة مع حب القرابة الاطهار [50] * ) [51]

                  التالي السابق


                  الخدمات العلمية