وأما مجرد كون جدهم روى عن جبريل عن الباري إذا لم يكونوا عالمين به فما يصنع لهم [8] ؟ والناس لم يأخذوا قول مالك والشافعي وغيرهم إلا لكونهم يسندون أقوالهم إلى ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن هؤلاء من أعلم الناس بما جاء به ، وأتبعهم لذلك ، وأشدهم اجتهادا وأحمد [9] في معرفة [ ذلك ] واتباعه [10] ، وإلا فأي غرض للناس في تعظيم مثل [11] هؤلاء ؟ .
[ ص: 123 ] وعامة الأحاديث التي يرويها هؤلاء يرويها أمثالهم ، وكذلك عامة ما يجيبون به في المسائل يقوله [12] أمثالهم ، [13] معصوما يجب اتباعه ، بل إذا تنازعوا في شيء ردوه إلى الله والرسول . ولا يجعل أهل السنة قول واحد من هؤلاء وحده
واعتبر ذلك بما تشاهده في زمانك من علم [14] أهل العلم بالقرآن والحديث والفقه فيهما [15] ، وأنت [16] تجد كثيرا من بني هاشم لا يحفظ القرآن ، ولا يعرف من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا ما شاء الله ولا يفقه معاني [17] ذلك .
فإذا قال هذا : روى جدنا عن جبريل عن الباري . قيل : نعم . وهؤلاء أعلم منكم بما روى جدكم عن جبريل ، وأنتم ترجعون في ذلك إليهم . وإذا كان كل من الأولين والآخرين من بني هاشم قد تعلم [18] بعض ما جاء به الرسول - [ صلى الله عليه وسلم ] - [19] من غيره ، بل من غير بني [ ص: 124 ] هاشم ، كان هذا من أمارة أنه لا علم عندهم بذلك إلا كعلم أمثالهم . فبمن [20] يأتم الناس ، وعمن يأخذون ؟ عمن يعرف [21] ما جاء به جدهم أو عمن لا يعرف ذلك ؟ والعلماء هم ورثة الأنبياء ، فإن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا ، وإنما ورثوا العلم ، فمن أخذه فقد [22] أخذ بحظ وافر .
وإن قال : مرادي بهؤلاء الأئمة الاثنا عشر . قيل له : ما رواه علي بن الحسين وأبو جعفر وأمثالهما من حديث جدهم ، فمقبول منهم كما يرويه أمثالهم . ولولا أن الناس وجدوا عند ، مالك ، والشافعي أكثر مما وجدوه عند وأحمد موسى بن جعفر ، وعلي بن موسى ، ومحمد بن علي ، لما عدلوا عن هؤلاء إلى هؤلاء . وإلا فأي غرض لأهل العلم والدين أن يعدلوا عن موسى بن جعفر إلى ، وكلاهما من بلد واحد ، في عصر واحد ؟ لو وجدوا عند مالك بن أنس موسى [ بن جعفر ] [23] من علم الرسول ما وجدوه عند - مع كمال رغبة المسلمين في معرفة علم الرسول ، ونفس مالك بني هاشم كانوا يستفيدون علم الرسول من أكثر مما يستفيدونه من ابن عمهم مالك بن أنس موسى بن جعفر ، ثم جاء بعد الشافعي وقد خالفه في أشياء وردها عليه حتى وقع بينه وبين أصحاب مالك ما وقع ، وهو أقرب نسبا [ ص: 125 ] مالك ببني هاشم ( * من مالك [24] ، ومن أحرص الناس على ما يستفيده من علم الرسول من بني عمه وغير [ بني عمه ] [25] - فلو وجد [26] عند أحد من بني هاشم * ) [27] أعظم من العلم الذي وجده عند ، لكان أشد الناس مسارعة إلى ذلك ، فلما كان يعترف بأنه لم يأخذ [ العلم ] مالك [28] عن أحد أعلم من ، مالك ، وكانت كتبه مشحونة بالأخذ عن هذين [ الاثنين ] وسفيان بن عيينة [29] وعن غيرهما [30] ، وليس فيها شيء عن موسى بن جعفر وأمثاله من بني هاشم ، علم أن مطلوبه من علم الرسول - [ صلى الله عليه وسلم ] - [31] كان عند أكثر مما هو عند هؤلاء . مالك
وكذلك قد علم كمال محبته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولحديثه ، ومعرفته بأقواله وأفعاله ، وموالاته لمن يوافقه ، ومعاداته لمن يخالفه ، ومحبته أحمد بن حنبل لبني هاشم ، وتصنيفه في فضائلهم ، حتى صنف " فضائل [32] ، علي ، والحسن " كما صنف " فضائل الصحابة والحسين [33] " ، ومع [ ص: 126 ] هذا فكتبه مملوءة بعلم [34] مثل ، مالك ، والثوري ، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، ووكيع بن الجراح ، ويحيى بن سعيد القطان ، وهشيم بن بشير وأمثالهم ، دون وعبد الرحمن بن مهدي موسى بن جعفر ، وعلي بن موسى ، ومحمد بن علي وأمثالهم . فلو وجد مطلوبه عن مثل هؤلاء لكان أشد الناس رغبة في ذلك .
؟ فإن زعم زاعم أنه كان عندهم من العلم المخزون ما ليس عند أولئك لكن كانوا يكتمونه ، فأي فائدة للناس في علم يكتمونه [35] فعلم لا يقال به ككنز لا ينفق منه ، وكيف [36] يأتم الناس بمن لا يبين لهم العلم المكتوم ، كالإمام المعدوم ، وكلاهما لا ينتفع به ، ولا يحصل به لطف ولا مصلحة .
وإن قالوا : بل كانوا يبينون [37] ذلك لخواصهم دون هؤلاء الأئمة . قيل : أولا : هذا كذب عليهم ، فإن لم يجئ بعده مثله . وقد أخذ العلم عنه جعفر بن محمد [38] هؤلاء الأئمة ، ، كمالك ، وابن عيينة ، وشعبة ، والثوري ، وابن جريج ويحيى بن سعيد ، وأمثالهم من العلماء المشاهير [39] الأعيان .
[ ص: 127 ] ثم من ظن بهؤلاء السادة أنهم يكتمون علمهم [40] عن مثل هؤلاء ، ويخصون به قوما مجهولين ليس لهم في الأمة لسان صدق ، فقد أساء الظن بهم ، فإن في هؤلاء من المحبة لله ولرسوله ، والطاعة له والرغبة في حفظ دينه وتبليغه وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه وصيانته عن الزيادة والنقصان ما لا يوجد قريب منه لأحد من شيوخ الشيعة .
وهذا أمر معلوم بالضرورة لمن عرف هؤلاء وهؤلاء . واعتبر هذا مما تجده في كل زمان من شيوخ السنة وشيوخ الرافضة ، كمصنف هذا الكتاب ، فإنه عند الإمامية أفضلهم في زمانه ، بل يقول بعض الناس : ليس في بلاد المشرق أفضل منه في جنس العلوم مطلقا . ومع هذا فكلامه يدل على أنه من أجهل خلق الله بحال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأقواله وأعماله ، فيروي الكذب[41] الذي يظهر أنه كذب من وجوه كثيرة ، فإن كان عالما بأنه كذب فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " [42] يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين من حدث عني بحديث وهو [43] " وإن كان جاهلا بذلك دل على أنه من أجهل الناس بأحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قيل : [ ص: 128 ]
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
( * وأما الأبيات التي أنشدها فقد قيل في معارضتها :
إذا شئت أن ترضى لنفسك مذهبا تنال به الزلفى وتنجو من النار
فدن بكتاب الله والسنة [44] التي أتت عن رسول الله من نقل أخيار
[45] ودع عنك دين الرفض [46] والبدع التي يقودك داعيها إلى النار والعار وسر خلف أصحاب الرسول فإنهم
نجوم هدى في ضوئها يهتدي الساري وعج عن طريق الرفض فهو مؤسس
على الكفر تأسيسا على جرف هار هما خطتا [47] : إما هدى وسعادة
وإما شقاء مع ضلالة كفار فأي فريقينا [48] أحق بأمنه
وأهدى سبيلا عند ما يحكم الباري أمن سب أصحاب الرسول وخالف الـ
كتاب ولم يعبا بثابت أخبار