الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

جزء صفحة
وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ ظُهُورِ الْإِيْمَانِ وَالدِّينِ ، وَبَيَانِ حَقِيقَةِ أَنْبَاءِ الْمُرْسَلِينَ ظُهُورُ الْمُعَارِضِينَ لَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِفْكِ الْمُبِينِ . كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . وَقَالَ تَعَالَى : وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا . وَذَلِكَ أَنَّ الْحَقَّ إِذَا جُحِدَ وَعُورِضَ بِالشُّبُهَاتِ أَقَامَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِمَّا يُحِقُّ بِهِ الْحَقَّ ، وَيُبْطِلُ بِهِ الْبَاطِلَ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ بِمَا يُظْهِرُهُ مِنْ أَدِلَّةِ الْحَقِّ وَبَرَاهِينِهِ الْوَاضِحَةِ ، وَفَسَادِ مَا عَارَضَهُ مِنَ الْحُجَجِ الدَّاحِضَةِ . فَالْقُرْآنُ لَمَّا كَذَّبَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ ، وَاجْتَهَدُوا عَلَى إِبْطَالِهِ بِكُلِّ طَرِيقٍ مَعَ أَنَّهُ تَحَدَّاهُمْ بِالْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ ، ثُمَّ بِالْإِتْيَانِ بِعَشْرِ سُوَرٍ ، ثُمَّ بِالْإِتْيَانِ بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ ، كَانَ ذَلِكَ مِمَّا دَلَّ ذَوِي الْأَلْبَابِ عَلَى عَجْزِهِمْ عَنِ الْمُعَارَضَةِ ، مَعَ شِدَّةِ الِاجْتِهَادِ ، وَقُوَّةِ الْأَسْبَابِ ، وَلَوِ اتَّبَعُوهُ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضَةٍ وَإِصْرَارٍ عَلَى التَّبْطِيلِ ، لَمْ يَظْهَرْ عَجْزُهُمْ عَنْ مُعَارَضَتِهِ الَّتِي بِهَا يَتِمُّ الدَّلِيلُ . وَكَذَلِكَ السَّحَرَةُ لَمَّا عَارَضُوا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَأَبْطَلَ اللَّهُ مَا جَاءُوا بِهِ ، كَانَ ذَلِكَ مِمَّا بَيَّنَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهِ صِدْقَ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَهَذَا مِنَ الْفُرُوقِ بَيْنَ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَبَرَاهِينِهِمُ الَّتِي تُسَمَّى بِالْمُعْجِزَاتِ ، وَبَيْنَ مَا قَدْ يُشْتَبَهُ بِهَا مِنْ خَوَارِقِ السَّحَرَةِ ، وَمَا لِلشَّيْطَانِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ ، فَإِنَّ بَيْنَ هَذَيْنِ فُرُوقًا مُتَعَدِّدَةً ، مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ . وَمِنْهَا مَا بَيَّنَهُ فِي آيَاتِ التَّحَدِّي ، مِنْ أَنَّ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُعَارَضَ بِالْمِثْلِ فَضْلًا عَنِ الْأَقْوَى ، وَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا إِبْطَالُهَا بِخِلَافِ خَوَارِقِ السَّحَرَةِ وَالشَّيَاطِينِ ; فَإِنَّهُ يُمْكِنُ مُعَارَضَتُهَا بِمِثْلِهَا وَأَقْوَى مِنْهَا وَيُمْكِنُ إِبْطَالُهَا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية