الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                معلومات الكتاب

                                                                                                                                بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

                                                                                                                                الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

                                                                                                                                جزء صفحة
                                                                                                                                وَلَوْ طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَلَهَا لَبَنٌ مِنْ وَلَدٍ كَانَتْ وَلَدَتْهُ مِنْهُ فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَتَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ وَهِيَ كَذَلِكَ فَأَرْضَعَتْ صَبِيًّا عِنْدَ الثَّانِي يُنْظَرُ إنْ أَرْضَعَتْ قَبْلَ أَنْ تَحْمِلَ مِنْ الثَّانِي فَالرَّضَاعُ مِنْ الْأَوَّلِ بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ اللَّبَنَ نَزَلَ مِنْ الْأَوَّلِ فَلَا يَرْتَفِعُ حُكْمُهُ بِارْتِفَاعِ النِّكَاحِ كَمَا لَا يَرْتَفِعُ بِالْمَوْتِ وَكَمَا لَوْ حَلَبَ مِنْهَا اللَّبَنَ ثُمَّ مَاتَتْ لَا يَبْطُلُ حُكْمُ الرَّضَاعِ مِنْ لَبَنِهَا كَذَا هَذَا ، وَإِنْ أَرْضَعَتْ بَعْدَمَا وَضَعَتْ مِنْ الثَّانِي فَالرَّضَاعُ مِنْ الثَّانِي بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ اللَّبَنَ مِنْهُ ظَاهِرًا ، وَإِنْ أَرْضَعَتْ بَعْدَمَا حَمَلَتْ مِنْ الثَّانِي قَبْلَ أَنْ تَضَعَ ; فَالرَّضَاعُ مِنْ الْأَوَّلِ إلَى أَنْ تَضَعَ ، فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ عُلِمَ أَنَّ هَذَا اللَّبَنَ مِنْ الثَّانِي بِأَنْ ازْدَادَ لَبَنُهَا فَالرَّضَاعُ مِنْ الثَّانِي وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ فَالرَّضَاعُ مِنْ الْأَوَّلِ ، وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْهُ أَنَّهَا إذَا حَبِلَتْ فَاللَّبَنُ لِلثَّانِي ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ : الرَّضَاعُ مِنْهُمَا جَمِيعًا إلَى أَنْ تَلِدَ فَإِذَا وَلَدَتْ فَهُوَ مِنْ الثَّانِي ، وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ اللَّبَنَ الْأَوَّلَ بَاقٍ وَالْحَمْلَ سَبَبٌ لِحُدُوثِ زِيَادَةِ لَبَنٍ فَيَجْتَمِعُ لَبَنَانِ فِي ثَدْيٍ وَاحِدٍ فَتَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِهِمَا كَمَا قَالَ فِي اخْتِلَاطِ أَحَدِ اللَّبَنَيْنِ بِالْآخَرِ بِخِلَافِ مَا إذَا وَضَعَتْ ; لِأَنَّ اللَّبَنَ الْأَوَّلَ يَنْقَطِعُ بِالْوَضْعِ ظَاهِرًا وَغَالِبًا فَكَانَ اللَّبَنُ مِنْ الثَّانِي ; فَكَانَ الرَّضَاعُ مِنْهُ ، وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْحَامِلَ قَدْ يَنْزِلُ لَهَا لَبَنٌ فَلَمَّا ازْدَادَ لَبَنُهَا عِنْدَ الْحَمْلِ مِنْ الثَّانِي دَلَّ أَنَّ الزِّيَادَةَ مِنْ الْحَمْلِ الثَّانِي ; إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ ; لَكَانَ لَا يَزْدَادُ بَلْ يَنْقُصُ ; إذْ الْعَادَةُ أَنَّ اللَّبَنَ يَنْقُصُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ وَلَا يَزْدَادُ فَكَانَتْ الزِّيَادَةُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْحَمْلِ الثَّانِي لَا مِنْ الْأَوَّلِ . وَجْهُ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ أَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ بِالْحَمْلِ يَنْقَطِعُ اللَّبَنُ الْأَوَّلُ وَيَحْدُثُ عِنْدَهُ لَبَنٌ آخَرُ فَكَانَ الْمَوْجُودُ عِنْدَ الْحَمْلِ الثَّانِي مِنْ الْحَمْلِ الثَّانِي لَا مِنْ الْأَوَّلِ ; فَكَانَ الرَّضَاعُ مِنْهُ لَا مِنْ الْأَوَّلِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ نُزُولَ اللَّبَنِ مِنْ الْأَوَّلِ ثَبَتَ بِيَقِينٍ ; لِأَنَّ الْوِلَادَةَ سَبَبٌ لِنُزُولِ اللَّبَنِ بِيَقِينٍ عَادَةً فَكَانَ حُكْمُ الْأَوَّلِ ثَابِتًا بِيَقِينٍ فَلَا يَبْطُلُ حُكْمُهُ مَا لَمْ يُوجَدْ سَبَبٌ آخَرُ مِثْلُهُ بِيَقِينٍ وَهُوَ وِلَادَةٌ أُخْرَى لَا الْحَمْلُ ; لِأَنَّ الْحَامِلَ قَدْ يَنْزِلُ لَهَا لَبَنٌ بِسَبَبِ الْحَمْلِ وَقَدْ لَا يَنْزِلُ حَتَّى تَضَعَ وَالثَّابِتُ بِيَقِينٍ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ . وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ : لَمَّا ازْدَادَ اللَّبَنُ دَلَّ عَلَى حُدُوثِ اللَّبَنِ مِنْ الثَّانِي فَمَمْنُوعٌ ; لِأَنَّ زِيَادَةَ اللَّبَنِ تَدُلُّ عَلَى حُدُوثِ اللَّبَنِ مِنْ الْحَمْلِ فَإِنَّ لِزِيَادَةِ اللَّبَنِ أَسْبَابًا مِنْ زِيَادَةِ الْغِذَاءِ وَجَوْدَتِهِ وَصِحَّةِ الْبَدَنِ وَاعْتِدَالِ الطَّبِيعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَلَا يَدُلُّ الْحَمْلُ عَلَى حُدُوثِ الزِّيَادَةِ بِالشَّكِّ فَلَا يَنْقَطِعُ الْحُكْمُ عَنْ الْأَوَّلِ بِالشَّكِّ ، وَقَدْ خَرَجَ الْجَوَابُ عَمَّا قَالَهُ مُحَمَّدٌ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .

                                                                                                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                الخدمات العلمية