الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ قَتْلِ صَالِحِ بْنِ وَصِيفٍ وَفِيهَا قُتِلَ صَالِحُ بْنُ وَصِيفٍ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ ، وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ الْمُهْتَدِيَ لَمَّا كَانَ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ أَظْهَرَ كِتَابًا زَعَمَ أَنَّ امْرَأَةً دَفَعَتْهُ إِلَى سِيمَا الشَّرَابِيِّ ، وَقَالَتْ : إِنَّ فِيهِ نَصِيحَةً ، وَإِنَّ مَنْزِلَهَا بِمَكَانِ كَذَا ، فَإِنْ طَلَبُونِي فَأَنَا فِيهِ . وَطُلِبَتِ الْمَرْأَةُ فَلَمْ تُوجَدْ . وَقِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَدْرِ مَنْ أَلْقَى الْكِتَابَ . وَدَعَا الْمُهْتَدِي الْقُوَّادَ ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ وَهْبٍ ، فَأَرَاهُمُ الْكِتَابَ ، فَزَعَمَ سُلَيْمَانُ أَنَّهُ خَطُّ صَالِحٍ ، فَقَرَأَهُ عَلَى الْقُوَّادِ ، فَإِذَا فِيهِ أَنَّهُ مُسْتَخْفٍ بِسَامَرَّا ، وَإِنَّمَا اسْتَتَرَّ طَلَبًا لِلسَّلَامَةِ وَإِبْقَاءِ الْمُوَالِي ، وَطَلَبًا لِانْقِطَاعِ الْفِتَنِ ، وَذَكَرَ مَا صَارَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِ الْكُتَّابِ ، وَأُمِّ الْمُعْتَزِّ ، وَجِهَةَ خُرُوجِهَا ، وَيَدُلُّ فِيهِ عَلَى قُوَّةِ نَفْسِهِ ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ قِرَاءَتِهِ وَصَلَهُ الْمُهْتَدِي بِالْحَثِّ عَلَى الصُّلْحِ ، وَالِاتِّفَاقِ ، وَالنَّهْيِ عَنِ التَّبَاغُضِ وَالتَّبَايُنِ ، فَاتَّهَمَهُ الْأَتْرَاكُ بِأَنَّهُ يَعْرِفُ مَكَانَ صَالِحٍ وَيَمِيلُ إِلَيْهِ ، وَطَالَ الْكَلَامُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ . فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ اجْتَمِعُوا بِدَارِ مُوسَى بْنِ بُغَا دَاخِلَ الْجَوْسَقِ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى خَلْعِ الْمُهْتَدِي ، فَقَالَ لَهُمْ بَايِكْبَاكُ : إِنَّكُمْ قَتَلْتُمُ ابْنَ الْمُتَوَكِّلِ ، وَهُوَ حَسَنُ الْوَجْهِ ، سَخِيُّ الْكَفِّ ، فَاضِلُ النَّفْسِ ، وَتُرِيدُونَ قَتْلَ هَذَا ، وَهُوَ مُسْلِمٌ يَصُومُ وَلَا يَشْرَبُ النَّبِيذَ ، مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ ! وَاللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمْ هَذَا لَأَلْحَقَنَّ بِخُرَاسَانَ ( لِأُشِيعَ أَمْرَكُمْ هُنَاكَ ) . فَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِالْمُهْتَدِي ، فَتَحَوَّلَ مِنْ مَجْلِسِهِ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ، وَقَدْ لَبِسَ ثِيَابًا نِظَافًا وَتَطَيَّبَ ، ثُمَّ أَمَرَ بِإِدْخَالِهِمْ عَلَيْهِ ، فَدَخَلُوا فَقَالَ لَهُمْ : بَلَغَنِي مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ، وَلَسْتُ كَمَنْ تَقَدَّمَنِي مِثْلَ الْمُسْتَعِينِ ، وَالْمُعْتَزِّ ، وَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ إِلَيْكُمْ إِلَّا وَأَنَا مُتَحَنِّطٌ ، وَقَدْ أَوْصَيْتُ إِلَى أَخِي بِوَلَدِي ، وَهَذَا سَيْفِي وَاللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ بِهِ مَا اسْتَمْسَكَ قَائِمُهُ بِيَدِي ، وَاللَّهِ لَئِنْ سَقَطَ مِنِّي شَعْرَةٌ لِيَهْلِكَنَّ وَلَيَذْهَبَنَّ أَكْثَرُكُمْ . كَمْ هَذَا الْخِلَافُ عَلَى الْخُلَفَاءِ ، وَالْإِقْدَامُ ، وَالْجُرْأَةُ عَلَى اللَّهِ ! سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ مَنْ قَصَدَ الْإِبْقَاءَ عَلَيْكُمْ ، وَمَنْ كَانَ إِذَا بَلَغَهُ هَذَا مِنْكُمْ دَعَا بِالنَّبِيذِ فَشَرِبَهُ مَسْرُورًا بِمَكْرُوهِكُمْ ، حَتَّى تَعْلَمُوا أَنَّهُ وَصَلَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ دُنْيَاكُمْ ، أَمَا إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّ بَعْضَ الْمُتَّصِلِينَ بِكُمْ أَيْسَرُ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِي وَوَلَدِي ( سَوْأَةٌ لَكُمْ ) ، يَقُولُونَ : إِنِّي أَعْلَمُ بِمَكَانِ صَالِحٍ ، وَهَلْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْمَوَالِي ؟ فَكَيْفَ الْإِقَامَةُ مَعَهُ إِذَا سَاءَ رَأْيُكُمْ فِيهِ ؟ وَإِذَا أَبْرَمْتُمُ الصُّلْحَ فِيهِ كَانَ ( ذَلِكَ مَا أُنْفِذُهُ لِجَمِيعِكُمْ ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَشَأْنَكُمْ ، وَاطْلُبُوا صَالِحًا ، وَأَمَّا أَنَا فَمَا أَعْلَمُ مَكَانَهُ ) . قَالُوا : فَاحْلِفْ لَنَا عَلَى ذَلِكَ ! قَالَ : أَمَّا الْيَمِينُ فَنَعَمْ ، وَلَكِنَّهَا تَكُونُ بِحَضْرَةِ بَنِي هَاشِمٍ ، وَالْقُضَاةِ غَدًا إِذَا صَلَّيْتُ الْجُمُعَةَ ; ثُمَّ قَالَ لِبَايِكْبَاكَ وَلِمُحَمَّدِ بْنِ بُغَا : قَدْ حَضَرْتُمَا مَا عَمِلَهُ صَالِحٌ فِي أَمْوَالِ الْكُتَّابِ ، وَأُمِّ الْمُعْتَزِّ ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا فَقَدْ أَخَذْتُمَا مِثْلَهُ ، فَأَحْفَظَهُمَا ذَلِكَ ، ثُمَّ أَرَادُوا خَلْعَهُ ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُمْ خَوْفُ الِاضْطِرَابِ وَقِلَّةُ الْأَمْوَالِ ، فَأَتَاهُمْ مَالٌ مِنْ فَارِسٍ عَشَرَةُ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَخَمْسُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، فَلَمَّا كَانَ سَلْخُ الْمُحَرَّمِ انْتَشَرَ الْخَبَرُ فِي الْعَامَّةِ أَنَّ الْقَوْمَ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى خَلْعِ الْمُهْتَدِي وَالْفَتْكِ بِهِ ، وَأَنَّهُمْ قَدْ أَرْهَقُوهُ ، وَكَتَبُوا الرِّقَاعَ وَرَمَوْهَا فِي الطُّرُقِ وَالْمَسَاجِدِ ، مَكْتُوبٌ فِيهَا : يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ ادْعُوا اللَّهَ لِخَلِيفَتِكُمُ الْعَدْلِ ، الرِّضَا ، الْمُضَاهِي لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَأَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ عَلَى عَدُوِّهِ ، وَيَكْفِيَهُ مَئُونَةَ ظَالِمِهِ ، وَتَتِمَّ النِّعْمَةُ عَلَيْهِ ، وَعَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ بِبَقَائِهِ ، فَإِنَّ الْأَتْرَاكَ قَدْ أَخَذُوهُ بِأَنْ يَخْلَعَ نَفْسَهُ ، وَهُوَ يُعَذَّبُ مُنْذُ أَيَّامٍ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ . فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ صَفَرٍ تَحَرَّكَ الْمَوَالِي بِالْكَرْخِ وَالدُّورِ ، وَبَعَثُوا إِلَى الْمُهْتَدِي ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ بَعْضَ إِخْوَتِهِ لِيُحَمِّلُوهُ رِسَالَةً ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ أَخَاهُ أَبَا الْقَاسِمِ عَبْدَ اللَّهِ ، فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّهُمْ سَامِعُونَ مُطِيعُونَ ، وَأَنَّهُمْ بَلَغَهُمْ أَنَّ مُوسَى ، وَجَمَاعَةً مَعَهُ يُرِيدُونَهُ عَلَى الْخَلْعِ ، وَأَنَّهُمْ يَبْذُلُونَ دِمَاءَهُمْ دُونَ ذَلِكَ ( وَمَا هُمْ دُونَ ذَلِكَ ) ، وَشَكَوْا تَأَخُّرَ أَرْزَاقِهِمْ ، وَمَا صَارَ مِنَ الْأَقْطَاعِ ، وَالزِّيَادَاتِ ، وَالرُّسُومِ إِلَى قُوَّادِهِمُ الَّتِي قَدْ أَجْحَفَتْ بِالْخَرَاجِ وَالضِّيَاعِ ، مَا قَدْ أَخَذُوا النِّسَاءَ وَالدُّخَلَاءَ ، فَكَتَبُوا بِذَلِكَ كِتَابًا ، فَحَمَلَهُ إِلَى الْمُهْتَدِي وَكَتَبَ جَوَابَهُ بِخَطِّهِ : قَدْ فَهِمْتُ كِتَابَكُمْ ، وَسَرَّنِي مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ طَاعَتِكُمْ ، فَأَحْسَنَ اللَّهُ جَزَاءَكُمْ ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ خَلَّتِكُمْ وَحَاجَتِكُمْ فَعَزِيزٌ عَلَيَّ ذَلِكَ ، وَلَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنَّ صَلَاحَكُمْ يُهَيَّأُ بِأَنْ لَا آكُلَ وَلَا أَشْرَبَ وَلَا أُطْعِمَ وَلَدِي إِلَّا الْقُوتَ ، وَلَا أَكْسُوَهُ ) إِلَّا سَتْرَ الْعَوْرَةِ ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَا صَارَ إِلَيَّ مِنَ الْأَمْوَالِ ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الْإِقْطَاعَاتِ وَغَيْرِهَا فَأَنَا أَنْظُرُ فِي ذَلِكَ وَأُصَرِّفُهُ إِلَى مَحَبَّتِكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . فَقَرَءُوا الْكِتَابَ وَكَتَبُوا ، بَعْدَ الدُّعَاءِ ، يَسْأَلُونَ أَنْ يَرُدَّ الْأُمُورَ فِي الْخَاصِّ وَالْعَامِّ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، لَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ مُعْتَرِضٌ ، وَأَنْ يَرُدَّ رُسُومَهُمْ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَيَّامَ الْمُسْتَعِينِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَلَى كُلِّ تِسْعَةٍ عَرِيفٌ ، وَعَلَى كُلِّ خَمْسِينَ خَلِيفَةٌ ، وَعَلَى كُلِّ مِائَةٍ قَائِدٌ ، وَأَنْ يُسْقِطَ النِّسَاءَ وَالزِّيَادَاتِ ، وَلَا يَدْخُلَ مَوْلًى فِي مَالِهِ وَلَا غَيْرُهُ ، وَأَنْ يُوضَعَ لَهُمُ الْعَطَاءُ كُلَّ شَهْرَيْنِ ، وَأَنْ تُبْطَلَ الْإِقْطَاعَاتُ ، وَذَكَرُوا أَنَّهُمْ سَائِرُونَ إِلَى بَابِهِ لِيَقْضِيَ حَوَائِجَهُمْ ، وَإِنْ بَلَغَهُمْ أَنَّ أَحَدًا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ أَخَذُوا رَأْسَهُ ، وَإِنْ سَقَطَ مِنْ رَأْسِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ شَعْرَةٌ قَتَلُوا بِهَا مُوسَى بْنَ بُغَا وَبَايِكْبَاكَ وَيَاجُورَ وَغَيْرَهُمْ . وَأَرْسَلُوا الْكِتَابَ مَعَ أَبِي الْقَاسِمِ ، وَتَحَوَّلُوا إِلَى سَامَرَّا ، فَاضْطَرَبَ الْقُوَّادُ جِدًّا ; وَقَدْ كَانَ الْمُهْتَدِي قَعَدَ لِلْمَظَالِمِ ، وَعِنْدَهُ الْفُقَهَاءُ ، وَالْقُضَاةُ ، وَقَامَ الْقُوَّادُ فِي مَرَاتِبِهِمْ ، فَدَخَلَ أَبُو الْقَاسِمِ إِلَيْهِ بِالْكِتَابِ ، فَقَرَأَهُ لِلْقُوَّادِ قِرَاءَةً ظَاهِرَةً ، وَفِيهِمْ مُوسَى ، وَكَتَبَ جَوَابَهُ بِخَطِّهِ ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى مَا سَأَلُوا ، وَدَفَعَهُ إِلَى أَبِي الْقَاسِمِ ، فَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ لِمُوسَى بْنِ بُغَا ، وَبَايِكْبَاكَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ بُغَا : وَجِّهُوا مَعِي رُسُلًا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِمْ عَنْكُمْ ; فَوَجَّهُوا مَعَهُ رُسُلًا ، فَوَصَلُوا إِلَى الْأَتْرَاكِ ، وَهُمْ زُهَاءُ أَلْفِ فَارِسٍ ، وَثَلَاثَةُ آلَافِ رَاجِلٍ ، وَذَلِكَ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِنْ صَفَرٍ ، فَأَوْصَلَ الْكِتَابَ ، وَقَالَ : إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَجَابَكُمْ إِلَى مَا سَأَلْتُمْ ، وَقَالَ لَهُمْ : هَؤُلَاءِ رُسُلُ الْقُوَّادِ إِلَيْكُمْ ، يَعْتَذِرُونَ مِنْ شَيْءٍ إِنْ كَانَ بَلَغَكُمْ عَنْهُمْ ، وَهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا أَنْتُمْ إِخْوَةٌ ، وَأَنْتُمْ مِنَّا وَإِلَيْنَا ، وَاعْتَذَرَ عَنْهُمْ . فَكَتَبُوا إِلَى الْمُهْتَدِي يَطْلُبُونَ خَمْسَةَ تَوْقِيعَاتٍ ، تَوْقِيعًا بِخَطِّ الزِّيَادَاتِ ، وَتَوْقِيعًا بِرَدِّ الْإِقْطَاعَاتِ ، وَتَوْقِيعًا بِإِخْرَاجِ الْمَوَالِي الْبَرَّانِيِّينَ مِنَ الْخَاصَّةِ إِلَى الْبَرَّانِيِّينَ ، وَتَوْقِيعًا بِرَدِّ الرُّسُومِ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ أَيَّامَ الْمُسْتَعِينِ ، وَتَوْقِيعًا بِرَدِّ الْبَلَاجِيِّ ، ثُمَّ يَجْعَلُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْجَيْشَ إِلَى أَحَدِ إِخْوَتِهِ ، أَوْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَرَى لِيَرْفَعَ إِلَيْهِمْ أُمُورَهُمْ ، وَلَا يَكُونُ رَجُلًا مِنَ الْمَوَالِي ، وَأَنْ يُحَاسِبَ صَالِحَ بْنَ وَصِيفٍ ، وَمُوسَى بْنَ بُغَا عَمَّا عِنْدَهُمَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَيَجْعَلَ لَهُمُ الْعَطَاءَ كُلَّ شَهْرَيْنِ ، لَا يُرْضِيهِمْ إِلَّا ذَلِكَ ، وَدَفَعُوا الْكِتَابَ إِلَى أَبِي الْقَاسِمِ ، وَكَتَبُوا كِتَابًا آخَرَ إِلَى الْقُوَّادِ مُوسَى وَغَيْرِهِ [ ذَكَرُوا فِيهِ ] أَنَّهُمْ كَتَبُوا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا كَتَبُوا ، وَأَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُمْ شَيْئًا مِمَّا طَلَبُوا إِلَّا أَنْ يَعْتَرِضُوا عَلَيْهِ ، وَأَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَمْ يُوَافِقُوهُمْ ، وَأَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ شَاكَهُ شَوْكَةٌ ، وَأُخِذَ مِنْ رَأْسِهِ شَعْرَةٌ ، أَخَذُوا رُءُوسَهُمْ جَمِيعًا ، وَلَا يُقْنِعُهُمْ إِلَّا أَنْ يَظْهَرَ صَالِحٌ ، وَيَجْتَمِعَ هُوَ وَمُوسَى بْنُ بُغَا حَتَّى يَنْظُرَ أَيْنَ الْأَمْوَالُ . فَلَمَّا قَرَأَ الْمُهْتَدِي الْكِتَابَ أَمَرَ بِإِنْشَاءِ التَوْقِيعًاتِ الْخَمْسَةِ عَلَى مَا سَأَلُوا ، وَسَيَّرَهَا إِلَيْهِمْ مَعَ أَبِي الْقَاسِمِ وَقْتَ الْمَغْرِبِ ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ بِإِجَابَتِهِمْ إِلَى مَا طَلَبُوا ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ مُوسَى بْنُ بُغَا ( كَذَلِكَ ، وَأَذِنَ ) فِي ظُهُورِ صَالَحٍ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ أَخُوهُ وَابْنُ عَمِّهِ ، وَأَنَّهُ مَا أَرَادَ مَا يَكْرَهُونَ ، فَلَمَّا قَرَءُوا الْكِتَابَيْنِ قَالُوا قَدْ أَمْسَيْنَا ، وَغَدًا نُعَرِّفُكُمْ رَأْيَنَا ، فَافْتَرَقُوا . فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ رَكِبَ مُوسَى مِنْ دَارِ الْخَلِيفَةِ ، وَمَعَهُ مِنْ عَسْكَرِهِ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةِ رَجُلٍ ، فَوَقَفَ عَلَى طَرِيقِهِمْ ، وَأَتَاهُمْ أَبُو الْقَاسِمِ ، فَلَمْ يَعْقِلْ مِنْهُمْ جَوَابًا إِلَّا كُلُّ طَائِفَةٍ يَقُولُونَ شَيْئًا ، فَلَمَّا طَالَ الْكَلَامُ انْصَرَفَ أَبُو الْقَاسِمِ ، فَاجْتَازَ بِمُوسَى بْنِ بُغَا وَهُوَ فِي أَصْحَابِهِ ، فَانْصَرَفَ مَعَهُ . ثُمَّ أَمَرَ الْمُهْتَدِي مُحَمَّدَ بْنَ بُغَا أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهِمْ مَعَ أَخِيهِ أَبِي الْقَاسِمِ ، فَسَارَ فِي خَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ ، وَرَجَعَ مُوسَى إِلَى مَكَانِهِ بُكْرَةً ، وَتَقَدَّمَ أَبُو الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدُ بْنُ بُغَا فَوَاعَدَاهُمْ عَنِ الْمُهْتَدِي ، وَأَعْطَيَاهُمْ تَوْقِيعًا فِيهِ أَمَانُ صَالِحِ بْنِ وَصِيفٍ ، مُوَكَّدًا غَايَةَ التَّوْكِيدِ ، فَطَلَبُوا أَنْ يَكُونَ مُوسَى فِي مَرْتَبَةِ بُغَا الْكَبِيرِ ، وَصَالِحٌ فِي مَرْتَبَةِ أَبِيهِ ، وَيَكُونَ الْجَيْشُ ( فِي يَدِ مَنْ ) هُوَ فِي يَدِهِ ، وَأَنْ يَظْهَرَ صَالِحُ بْنُ وَصِيفٍ ، وَيُوضَعَ لَهُمُ الْعَطَاءُ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا ، فَقَالَ قَوْمٌ : قَدْ رَضِيَنَا ; وَقَالَ قَوْمٌ : لَمْ نَرْضَ ; فَانْصَرَفَ أَبُو الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدُ بْنُ بُغَا عَلَى ذَلِكَ ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ إِلَى الْكَرْخِ ، وَالدُّورِ وَسَامَرَّا . فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ رَكِبَ بَنُو وَصِيفٍ فِي جَمَاعَةٍ مَعَهُمْ ، وَتَنَادَوْا : السِّلَاحَ ، وَنَهَبُوا دَوَابَّ الْعَامَّةِ ، وَعَسْكَرُوا بِسَامَرَّا ، وَتَعَلَّقُوا بِأَبِي الْقَاسِمِ ، وَقَالُوا : نُرِيدُ صَالِحًا ! وَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُهْتَدِيَ ، فَقَالَ لِمُوسَى : يَطْلُبُونَ صَالِحًا مِنِّي كَأَنِّي أَنَا أَخْفَيْتُهُ ، إِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُظْهِرُوهُ . ثُمَّ رَكِبَ مُوسَى ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْقُوَّادِ ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ ، فَبَلَغَ عَسْكَرُهُ أَرْبَعَةَ آلَافِ فَارِسٍ ، وَعَسْكَرُوا ، وَتَفَرَّقَ الْأَتْرَاكُ وَمَنْ مَعَهُمْ ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْكَرْخِيِّينَ وَلَا لِلدُّورِيِّينَ فِي هَذَا الْيَوْمِ حَرَكَةٌ ، وَجَدَّ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ فِي طَلَبِ ابْنِ وَصِيفٍ ، وَاتَّهَمُوا جَمَاعَةً بِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ ، ثُمَّ إِنَّ غُلَامًا دَخَلَ دَارًا وَطَلَبَ مَاءً لِيَشْرَبَهُ ، فَسَمِعَ قَائِلًا يَقُولُ : أَيُّهَا الْأَمِيرُ تَنَحَّ ، فَإِنَّ غُلَامًا يَطْلُبُ مَاءً ، فَسَمِعَ الْغُلَامُ الْكَلَامَ ، فَجَاءَ إِلَى عَيَّارٍ فَأَخْبَرَهُ ، فَأَخَذَ مَعَهُ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ ، وَجَاءَ إِلَى صَالِحٍ ، وَبِيَدِهِ مِرْآةٌ وَمُشْطٌ ، وَهُوَ يُسَرِّحُ لِحْيَتَهُ ، فَأَخَذَهُ ، فَتَضَرَّعَ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : لَا يُمْكِنُنِي تَرْكُكَ وَلَكِنِّي أَمُرُّ بِكَ عَلَى دِيَارِ أَهْلِكَ وَقُوَّادِكَ ، وَأَصْحَابِكَ ، فَإِنِ اعْتَرَضَكَ مِنْهُمُ اثْنَانِ أَطْلَقْتُكَ . فَأُخْرِجَ حَافِيًا لَيْسَ عَلَى رَأْسِهِ شَيْءٌ ، وَالْعَامَّةُ تَعْدُو خَلْفَهُ ، وَهُوَ عَلَى بِرْذَوْنٍ بِأُكَافٍ ، فَأَتَوْا بِهِ نَحْوَ الْجَوْسَقِ ، فَضَرَبَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ مُوسَى عَلَى عَاتِقِهِ ، ثُمَّ قَتَلُوهُ ، وَأَخَذُوا رَأْسَهُ ، وَتَرَكُوا جُثَّتَهُ ، وَوَافَوْا بِهِ دَارَ الْمُهْتَدِي قَبْلَ الْمَغْرِبِ ، فَقَالُوا لَهُ فِي ذَلِكَ : فَقَالَ وَارُوهُ ، ثُمَّ حُمِلَ رَأْسُهُ وَطِيفَ بِهِ عَلَى قَنَاةٍ ، وَنُودِيَ عَلَيْهِ : هَذَا جَزَاءُ مَنْ قَتَلَ مَوْلَاهُ . وَلَمَّا قُتِلَ أَنْزَلَ مُوسَى رَأْسَ بُغَا الصَّغِيرَ ، وَسُلِّمَ إِلَى أَهْلِهِ لِيَدْفِنُوهُ ، وَلَمَّا قُتِلَ صَالِحٌ قَالَ السَّلُولِيُّ لِمُوسَى بْنِ بُغَا : أَخَذْتَ وَتَرَكَ مِنْ فِرْعَوْنَ حِينَ طَغَى وَجِئْتَ إِذْ جِئْتَ يَا مُوسَى عَلَى قَدَرِ ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ بَاغٍ أَخُو حَسَدٍ يَرْمِيكَ بِالظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ عَنْ وَتَرِ وَصِيفٌ فِي الْكَرْخِ مَمْثُولٌ بِهِ وَبُغَا بِالْجِسْرِ مُحْتَرِقٌ بِالنَّارِ وَالشَّرَرِ وَصَالِحُ بْنُ وَصِيفٍ بَعْدَ مُنْعَفِرٍ بِالْحِيرِ جُثَّتُهُ وَالرُّوحُ فِي سَقَرِ

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية