الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
فَصْلٌ وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَلَسَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ جَلَسَ مُتَوَرِّكًا ، وَكَانَ يُفْضِي بِوَرِكِهِ إِلَى الْأَرْضِ وَيُخْرِجُ قَدَمَهُ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ . فَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوَرُّكِ . ذَكَرَهُ أبو داود فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ ، وَقَدْ ذَكَرَ أبو حاتم فِي " صَحِيحِهِ " هَذِهِ الصِّفَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُهُ . الْوَجْهُ الثَّانِي : ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ أبي حميد أَيْضًا قَالَ : ( وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى ، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ ) فَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ الْأَوَّلَ فِي الْجُلُوسِ عَلَى الْوَرِكِ ، وَفِيهِ زِيَادَةُ وَصْفٍ فِي هَيْئَةِ الْقَدَمَيْنِ لَمْ تَتَعَرَّضِ الرِّوَايَةُ الْأُولَى لَهَا . الْوَجْهُ الثَّالِثُ : مَا ذَكَرَهُ مسلم فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ عبد الله بن الزبير : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( كَانَ يَجْعَلُ قَدَمَهُ الْيُسْرَى بَيْنَ فَخِذِهِ وَسَاقِهِ ، وَيَفْرِشُ قَدَمَهُ الْيُمْنَى ) وَهَذِهِ هِيَ الصِّفَةُ الَّتِي اخْتَارَهَا أَبُو الْقَاسِمِ الْخِرَقِيُّ فِي " مُخْتَصَرِهِ " ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلصِّفَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فِي إِخْرَاجِ الْيُسْرَى مِنْ جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ ، وَفِي نَصْبِ الْيُمْنَى ، وَلَعَلَّهُ كَانَ يَفْعَلُ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً ، وَهَذَا أَظْهَرُ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنِ اخْتِلَافِ الرُّوَاةِ ، وَلَمْ يُذْكَرْ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ هَذَا التَّوَرُّكُ إِلَّا فِي التَّشَهُّدِ الَّذِي يَلِيهِ السَّلَامُ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمَنْ وَافَقَهُ : هَذَا مَخْصُوصٌ بِالصَّلَاةِ الَّتِي فِيهَا تَشَهُّدَانِ ، وَهَذَا التَّوَرُّكُ فِيهَا جُعِلَ فَرْقًا بَيْنَ الْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ الَّذِي يُسَنُّ تَخْفِيفُهُ ، فَيَكُونُ الْجَالِسُ فِيهِ مُتَهَيِّئًا لِلْقِيَامِ ، وَبَيْنَ الْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ الثَّانِي الَّذِي يَكُونُ الْجَالِسُ فِيهِ مُطْمَئِنًّا . وَأَيْضًا فَتَكُونُ هَيْئَةُ الْجُلُوسَيْنِ فَارِقَةً بَيْنَ التَّشَهُّدَيْنِ مُذَكِّرَةً لِلْمُصَلِّي حَالَهُ فِيهِمَا . وَأَيْضًا فَإِنَّ أبا حميد إِنَّمَا ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفَةَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجِلْسَةِ الَّتِي فِي التَّشَهُّدِ الثَّانِي ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ صِفَةَ جُلُوسِهِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ ، وَأَنَّهُ ( كَانَ يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا ثُمَّ قَالَ : وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ ) وَفِي لَفْظٍ ( فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ ) . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ : حَتَّى إِذَا كَانَتِ الْجِلْسَةُ الَّتِي فِيهَا التَّسْلِيمُ أَخْرَجَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى ، وَجَلَسَ عَلَى شِقِّهِ مُتَوَرِّكًا ، فَهَذَا قَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَرَى التَّوَرُّكَ يُشْرَعُ فِي كُلِّ تَشَهُّدٍ يَلِيهِ السَّلَامُ ، فَيَتَوَرَّكُ فِي الثَّانِيَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الدَّلَالَةِ ، بَلْ سِيَاقُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ فِي التَّشَهُّدِ الَّذِي يَلِيهِ السَّلَامُ مِنَ الرُّبَاعِيَّةِ وَالثُّلَاثِيَّةِ ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ صِفَةَ جُلُوسِهِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَقِيَامَهُ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ : ( حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّجْدَةُ الَّتِي فِيهَا التَّسْلِيمُ جَلَسَ مُتَوَرِّكًا ) فَهَذَا السِّيَاقُ ظَاهِرٌ فِي اخْتِصَاصِ هَذَا الْجُلُوسِ بِالتَّشَهُّدِ الثَّانِي .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية