الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( قَالَ ) : وَكَذَلِكَ إنْ اخْتَلَعَتْ عَلَى أَنْ تُزَوِّجَهُ امْرَأَةً وَتُمْهِرَ عَنْهُ ، فَالْخُلْعُ جَائِزٌ ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ ; لِلْجَهَالَةِ الْمُسْتَتِمَّةِ فِي الْمُسَمَّى ، وَلَكِنَّ الْغُرُورَ يَتَمَكَّنُ لِتَسْمِيَةِ الْإِمْهَارِ ، فَعَلَيْهَا رَدُّ الْعِوَضِ ، وَإِنْ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ عَلَى مَوْصُوفٍ مِنْ الْمَكِيلِ ، أَوْ الْمَوْزُونِ ، أَوْ النَّبَاتِ ، فَهُوَ جَائِزٌ كَمَا فِي الصَّدَاقِ ، وَإِنْ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ عَلَى دَارٍ ، فَالتَّسْمِيَةُ فَاسِدَةٌ لِلْجَهَالَةِ الْمُسْتَتِمَّةِ كَمَا فِي الصَّدَاقِ ، وَلَهُ الْمَهْرُ الَّذِي أَعْطَاهَا بِسَبَبِ الْغُرُورِ ، وَكَذَلِكَ إنْ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ بِدَابَّةٍ لِلْجَهَالَةِ الْمُسْتَتِمَّةِ ، فَإِنَّ اسْمَ الدَّابَّةِ يَتَنَاوَلُ أَجْنَاسًا مُخْتَلِفَةً ، فَلَهُ الْمَهْرُ الَّذِي أَعْطَاهَا ، وَإِنْ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ بِشَيْءٍ مَعْرُوفٍ مُسَمًّى ، وَلَهَا عَلَيْهِ مَهْرٌ ، وَقَدْ دَخَلَ بِهَا ، أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا لَزِمَهَا مَا سَمَّتْ لَهُ ، وَلَا شَيْءَ لَهَا مِمَّا سُمِّيَ عَلَى الزَّوْجِ مِنْ الْمَهْرِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَهَا أَنْ تَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالْمَهْرِ ، إنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا ، وَيُنَصَّفُ الْمَهْرُ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ أَخَذَتْ الْمَهْرَ ، ثُمَّ خَلَعَهَا قَبْلَ الدُّخُول عَلَى شَيْءٍ مُسَمًّى ، فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ مِنْ الْمَهْرِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الْمَهْرِ . وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا بِلَفْظَةِ الْمُبَارَأَةِ ، فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُبَارَأَةِ : الْجَوَابُ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخُلْعَ ، وَالْمُبَارَأَةَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى تُوجِبَانِ بَرَاءَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ مِنْ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ بِالنِّكَاحِ حَتَّى لَا يَرْجِعَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يُوجِبَانِ إلَّا الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ ، وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ يُجْعَلُ كَالْفُرْقَةِ بِغَيْرِ جُعْلٍ بِالطَّلَاقِ ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْخُلْعِ الْجَوَابُ كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَفِي الْمُبَارَأَةِ الْجَوَابُ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ هَذَا طَلَاقٌ بِعِوَضٍ فَيَجِبُ بِهِ الْعِوَضُ الْمُسَمَّى ، وَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ كَمَا لَوْ كَانَ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِعَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ إلَّا فِي اسْتِحْقَاقِ الْعِوَضِ الْمُسَمَّى بِهِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ دَيْنٌ وَاجِبٌ بِسَبَبٍ آخَرَ ، أَوْ عَيْنٌ فِي يَدِهِ ، لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِالْخُلْعِ وَالْمُبَارَأَةِ ، فَكَذَلِكَ الْحُقُوقُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ نَفَقَةَ عِدَّتِهَا لَا تَسْقُطُ ، وَهِيَ مِنْ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ بِالنِّكَاحِ ، فَكَذَلِكَ الْمَهْرُ ، بَلْ أَوْلَى ; لِأَنَّ النَّفَقَةَ أَضْعَفُ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : الْمَقْصُودُ بِهَذَا الْعَقْدِ لَا يَتِمُّ إلَّا بِإِسْقَاطِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ بِالنِّكَاحِ ، فَلِإِتْمَامِ هَذَا الْمَقْصُودِ يَتَعَدَّى حُكْمُ هَذَا الْعَقْدِ إلَى الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ بِالنِّكَاحِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَهَذَا لِأَنَّ الْخُلْعَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ النُّشُوزِ ، وَسَبَبُ النُّشُوزِ الْوَصْلَةُ الَّتِي بَيْنَهُمَا بِسَبَبِ النِّكَاحِ ، فَتَمَامُ انْقِطَاعِ الْمُنَازَعَةِ وَالنُّشُوزِ ، إنَّمَا يَكُونُ بِإِسْقَاطِ مَا وَجَبَ بِاعْتِبَارِ تِلْكَ الْوَصْلَةِ . وَفِي لَفْظِهِمَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الْمُبَارَأَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْبَرَاءَةِ ، وَالْخُلْعُ مِنْ الْخَلْعِ ، وَهُوَ الِانْتِزَاعُ ، يَقُولُ الرَّجُلُ : خَلَعْت الْخُفَّ مِنْ الرِّجْلِ إذَا قَطَعْت مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْوَصْلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْعَقْدُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ ، فَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُسْقِطُ الْحُقُوقَ الْوَاجِبَةَ أَيْضًا بِالنِّكَاحِ ; لِإِتْمَامِ الْمَقْصُودِ ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَيْسَ فِي لَفْظِ الطَّلَاقِ مَا يَدُلُّ عَلَى إسْقَاطِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ بِالنِّكَاحِ ; فَلِهَذَا لَا تَسْقُطُ ، فَأَمَّا سَائِرُ الدُّيُونِ فَوُجُوبُهَا مَا كَانَ بِسَبَبِ وَصْلَةِ النِّكَاحِ وَالنُّشُوزُ ، وَالْمُنَازَعَةُ لَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهِ ; فَلِهَذَا لَا يَسْقُطُ ، وَأَمَّا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ فَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عِنْدَ الْخُلْعِ ، إنَّمَا تَجِبُ شَيْئًا فَشَيْئًا ، وَالْخُلْعُ ، وَالْمُبَارَأَةُ إسْقَاطُ مَا هُوَ وَاجِبٌ بِحُكْمِ النِّكَاحِ فِي الْحَالِ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَخَذَ فِي الْمُبَارَأَةِ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِتَحْقِيقِ مَعْنَى الْبَرَاءَةِ . وَفِي الْخُلْعِ أَخَذَ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الْبَرَاءَةِ عَنْ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ ، فَجَعَلَ لَفْظَ الْخُلْعِ بِمَنْزِلَةِ لَفْظِ الطَّلَاقِ ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ لَوْ كَانَ مَهْرُهَا أَلْفَ دِرْهَمٍ فَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ مَهْرِهَا ، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ عَلَى الزَّوْجِ بِشَيْءٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَفِي قَوْلِهِمَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعِمِائَةٍ ، وَلَوْ كَانَتْ قَبَضَتْ الْأَلْفَ ، ثُمَّ اخْتَلَعَتْ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْهَا ، لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ غَيْرُ الْمِائَةِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَعِنْدَهُمَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا إلَى تَمَامِ النِّصْفِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَهْرُ عَبْدًا بِعَيْنِهِ فِي يَدِهَا ، فَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ مِنْ الْعَبْدِ ، وَعِنْدَهُمَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الْعَبْدِ ، وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ دِرْهَمٍ ، فَوَهَبَتْ لَهُ النِّصْفَ ، وَقَبَضَتْ النِّصْفَ ، ثُمَّ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ بِشَيْءٍ مَجْهُولٍ كَالثَّوْبِ وَنَحْوِهِ ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِمَا دَفَعَ إلَيْهَا مِنْ الْمَهْرِ لَا بِالْأَلْفِ الَّتِي كَانَ أَصْلُ الْعَقْدِ بِهَا ; لِأَنَّ ثُبُوتَ حَقِّ الرُّجُوعِ عِنْدَ الْغُرُورِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الزَّوْجِ ، وَذَلِكَ يَتِمُّ إذَا رَجَعَ بِمَا سَاقَ إلَيْهَا ، وَلَوْ كَانَتْ وَهَبَتْ جَمِيعَ الْمَهْرِ لِزَوْجِهَا لَمْ يَرْجِعْ الزَّوْجُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ الرُّجُوعَ بِحُكْمِ قَبْضِهَا ، وَلَمْ يَقْبِضْ شَيْئًا ، وَالرُّجُوعُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الزَّوْجِ ، وَالضَّرَرُ مُنْدَفِعٌ هُنَا حِينَ سُلِّمَ لَهُ جَمِيعُ الْمَهْرِ بِالْهِبَةِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية