الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 26 بَابُ: مَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ عمدة القاري الْكَلَامُ فِيهِ عَلَى أَنْوَاعٍ: الْأَوَّلُ: إِنَّ لَفْظَ بَابُ مُضَافٌ إِلَى مَا بَعْدَهُ، وَلَا يَجُوزُ غَيْرُهُ قَطْعًا، وَارْتِفَاعُهُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هَذَا بَابُ مَنْ قَالَ... إِلَخْ، وَأَصْلُ الْكَلَامِ هَذَا بَابٌ فِي بَيَانِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ. الثَّانِي: وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ عَقَدَ الْبَابَ: الْأَوَّلُ: لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ مِنَ الْإِيمَانِ رَدًّا عَلَى الْمُرْجِئَةِ، وَهَذَا الْبَابُ أَيْضًا مَعْقُودٌ لِبَيَانِ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ رَدًّا عَلَيْهِمْ. وَقَالَ الشَّيْخُ قُطْبُ الدِّينِ فِي شَرْحِهِ فِي هَذَا الْبَابِ إِنَّمَا أَرَادَ الْبُخَارِيُّ الرَّدَّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ، وَقَالَ: قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ غُلَاتِهِمْ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ مُظْهِرَ الشَّهَادَتَيْنِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْهُ بِقَلْبِهِ. الثَّالِثُ: وَجْهُ مُطَابَقَةِ الْآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ هُوَ أَنَّ الْإِيمَانَ لَمَّا كَانَ هُوَ السَّبَبَ لِدُخُولِ الْعَبْدِ الْجَنَّةَ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ بِأَنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الَّتِي أُورِثُوهَا بِأَعْمَالِهِمْ حَيْثُ قَالَ: بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ، وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى أَطْلَقَ عَلَى قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَمَلَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ، فَعَلَى هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . بِمَا كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ عَلَى مَا زَعَمَهُ الْبُخَارِيُّ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَلَكِنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، وَدَعْوَى التَّخْصِيصِ بِلَا بُرْهَانٍ لَا تُقْبَلُ، وَلِهَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ تَخْصِيصٌ بِلَا دَلِيلٍ، وَهَاهُنَا مُنَاقَشَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ إِطْلَاقَ الْعَمَلِ عَلَى الْإِيمَانِ صَحِيحٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ عَمَلُ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مِنْ نَفْسِ الْإِيمَانِ، وَقَصَدَ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ إِثْبَاتَهُ أَنَّ الْعَمَلَ مِنْ أَدَاءِ الْإِيمَانِ رَدًّا عَلَى مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْعَمَلَ لَا دَخْلَ لَهُ فِي مَاهِيَّةِ الْإِيمَانِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَتِمُّ مَقْصُودُهُ عَلَى مَا لَا يَخْفَى، وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ جَوَازَ إِطْلَاقِ الْعَمَلِ عَلَى الْإِيمَانِ، فَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ لِأَحَدٍ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ عَمَلُ الْقَلْبِ، وَهُوَ التَّصْدِيقُ. الرَّابِعُ: قَوْلُهُ: " وَتِلْكَ " إِشَارَةٌ إِلَى الْجَنَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ: " ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ، " وَهِيَ مُبْتَدَأٌ، وَالْجَنَّةُ خَبَرُهُ. وَقَوْلُهُ: الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا صِفَةُ الْجَنَّةِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَوِ الْجَنَّةُ صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ اسْمُ الْإِشَارَةِ، وَالَّتِي أُورِثْتُمُوهَا خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، وَالَّتِي أَوِ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا صِفَةٌ، وَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ الْخَبَرُ، وَالْبَاءُ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ كَمَا فِي الظُّرُوفِ الَّتِي تَقَعُ أَخْبَارًا، وَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ تَتَعَلَّقُ بِأُورِثْتُمُوهَا، وَقُرِئَ: وَرِثْتُمُوهَا. فَإِنْ قُلْتَ: الْإِيرَاثُ إِبْقَاءُ الْمَالِ بَعْدَ الْمَوْتِ لِمَنْ يَسْتَحِقُّهُ، وَحَقِيقَتُهُ مُمْتَنِعَةٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ فَمَا مَعْنَى الْإِيرَاثِ هَاهُنَا. قُلْتُ: هَذَا مِنْ بَابِ التَّشْبِيهِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: شُبِّهَتْ فِي بَقَائِهَا عَلَى أَهْلِهَا بِالْمِيرَاثِ الْبَاقِي عَلَى الْوَرَثَةِ، وَيُقَالُ: الْمُوَرَّثُ هُنَا الْكَافِرُ، وَكَانَ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا، وَلَكِنَّ كُفْرَهُ مَنَعَهُ، فَانْتَقَلَ مِنْهُ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَهَذَا مَعْنَى الْإِيرَاثِ، وَيُقَالُ: الْمُورِّثُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَكِنَّهُ مَجَازٌ عَنِ الْإِعْطَاءِ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ لِهَذَا الْإِعْطَاءِ بِالْإِيرَاثِ. فَإِنْ قُلْتَ: كَلِمَةُ " مَا " فِي قَوْلِهِ: " بِمَا كُنْتُمْ " مَا هِيَ؟ قُلْتُ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً فَالْمَعْنَى: بِكَوْنِكُمْ عَامِلِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، فَالْمَعْنَى بِالَّذِي كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ. فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَنْ يَدْخُلَ أَحَدُكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ. قُلْتُ: الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: " بِمَا كُنْتُمْ " لَيْسَتْ لِلسَّبَبِيَّةِ بَلْ لِلْمُلَابَسَةِ، أَيْ: أُورِثْتُمُوهَا مُلَابِسَةً لِأَعْمَالِكُمْ، أَيْ: لِثَوَابِ أَعْمَالِكُمْ أَوْ لِلْمُقَابَلَةِ نَحْوَ: أَعْطَيْتُ الشَّاةَ بِالدِّرْهَمِ، وَقَالَ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ: الْمَعْنَى الثَّامِنُ لِلْبَاءِ الْمُقَابَلَةُ، وَهِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْأَعْوَاضِ كَاشْتَرَيْتُهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَوْلُهُمْ هَذَا بِذَاكَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَإِنَّمَا لَمْ نُقَدِّرْهَا بَاءَ السَّبَبِيَّةِ كَمَا قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ، وَكَمَا قَالَ الْجَمِيعُ فِي: " لَنْ يَدْخُلَ أَحَدُكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ "; لِأَنَّ الْمُعْطِيَ بِعِوَضٍ قَدْ يُعْطِي مَجَّانًا، وَأَمَّا الْمُسَبَّبُ فَلَا يُوجَدُ بِدُونِ السَّبَبِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَالْآيَةِ لِاخْتِلَافِ مَحَلَّيِ الْبَابَيْنِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: أَوْ إِنَّ الْجَنَّةَ فِي تِلْكَ الْجَنَّةِ جَنَّةٌ خَاصَّةٌ، أَيْ: تِلْكَ الْجَنَّةُ الْخَاصَّةُ الرَّفِيعَةُ الْعَالِيَةُ بِسَبَبِ الْأَعْمَالِ. وَأَمَّا أَصْلُ الدُّخُولِ فَبِرَحْمَةِ اللَّهِ. قُلْتُ: أُشِيرُ بِهَذِهِ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِيمَا قَبْلَهَا، وَهِيَ الْجَنَّةُ الْمَعْهُودَةُ، وَالْإِشَارَةُ تَمْنَعُ مَا ذَكَرَهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْجَوَابِ: إِنَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ بِسَبَبِ الْعَمَلِ، وَالْعَمَلُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى. قُلْتُ: الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى مَمْنُوعَةٌ; لِأَنَّهَا تُخَالِفُ صَرِيحَ الْحَدِيثِ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهَا.

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية