صحيح البخاري
290 ( قال أبو عبد الله : وحديث النبي صلى الله عليه وسلم أكثر ) .
عمدة القاري
أبو عبد الله هو البخاري نفسه وكأنه أشار بهذا الكلام إلى درجة التوفيق بين الخبرين ، وهو أن كلام الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم أكثر قوة وقبولا من كلام غيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وقال الكرماني : ويروى : أكبر ، بالباء الموحدة ، ومعناه على هذا ، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم أعظم وأجل وآكد ثبوتا ، وفسر الكرماني الأكثر بالثاء المثلثة ، أي : أشمل ; لأنه يتناول بنات إسرائيل وغيرهن ، وقال بعضهم : أكثر ، أي : أشمل ; لأنه عام في جميع بنات بني آدم ، فيتناول الإسرائيليات ومن قبلهن . قلت : لم لا يجوز أن يكون الشمول في بنات إسرائيل ومن بعدهن ، وقال الداودي : ليس بينهما مخالفة فإن نساء [ ص: 256 ] بني إسرائيل من بنات آدم . وقال بعضهم : فعلى هذا ، فقوله : بنات آدم عام ، أريد به الخصوص . قلت : ما أبعد كلام الداودي في التوفيق بينهما نعم نحن ما ننكر أن نساء بني إسرائيل من بنات آدم ، ولكن الكلام في لفظ الأولية فيهما ، ولا تنتفي المخالفة إلا بالتوفيق بين لفظي الأولية ، وأبعد من هذا قول هذا القائل عام أريد به الخصوص ، فكيف يجوز تخصيص عموم كلام النبي صلى الله عليه وسلم بكلام غيره ، ثم قال هذا القائل : ويمكن أن يجمع بينهما بأن الذي أرسل على نساء بني إسرائيل طول مكثه بهن عقوبة لهن لا ابتداء وجوده . قلت : هذا كلام من لا يذوق المعنى ، وكيف يقول : لا ابتداء وجوده ، والخبر فيه أول ما أرسل وبينه وبين كلامه منافاة ، وأيضا من أين ورد أن الحيض طال مكثه في نساء بني إسرائيل ، ومن نقل هذا ، وقد روى الحاكم بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ابتداء الحيض كان على حواء عليها الصلاة والسلام بعد أن أهبطت من الجنة ، وكذا رواه ابن المنذر ، وقد روى الطبري وغيره عن ابن عباس وغيره ، أن قوله تعالى في قصة إبراهيم صلى الله عليه وسلم : وامرأته قائمة فضحكت أي : حاضت ، والقصة متقدمة على بني إسرائيل بلا ريب ; لأن إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام . قلت : ولقد حضر لي جواب في التوفيق من الأنوار الإلهية بعونه ولطفه ، وهو أنه يمكن أن الله تعالى قطع حيض نسائهم ; لأن من حكم الله تعالى أنه جعل الحيض مسببا لوجود النسل ، ألا ترى أن المرأة إذا ارتفع حيضها لا تحمل عادة ، فلما أعاده عليهن كان ذلك أول الحيض بالنسبة إلى مدة الانقطاع فأطلق الأولية عليه بهذا الاعتبار ; لأنها من الأمور النسبية فافهم .


