الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 4707 14 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ : وَأَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ قَالَ : إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِذْ جَاءَهَا عِرَاقِيٌّ فَقَالَ : أَيُّ الْكَفَنِ خَيْرٌ ، قَالَتْ : وَيَحَكَ وَمَا يَضُرُّكَ ، قَالَ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرِينِي مُصْحَفَكِ ، قَالَتْ : لِمَ ؟ قَالَ : لَعَلِّي أُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ ، قَالَتْ : وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ ،إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ الْمُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ نَزَلَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ لَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ لَقَالُوا : لَا نَدَعُ الْخَمْرَ أَبَدًا ، وَلَوْ نَزَلَ لَا تَزْنُوا لَقَالُوا : لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا ، لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنِّي لِجَارِيَةٌ أَلْعَبُ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ ، قَالَ : فَأَخْرَجَتْ لَهُ الْمُصْحَفَ فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ آيَ السُّورَةِ . عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ يُمْكِنُ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْ قَوْلِهِ : " لَعَلِّي أُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ " ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى بْنِ يَزِيدَ الْفَرَّاءُ أَبُو إِسْحَاقَ الرَّازِيُّ يُعْرَفُ بِالصَّغِيرِ ، وَهُوَ شَيْخُ مُسْلِمٍ أَيْضًا ، وَابْنُ جُرَيْجٍ هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ ، وَيُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ بِفَتْحِ الْهَاءِ مُعَرَّبٌ ; لِأَنَّ مَاهَكَ بِالْفَارِسِيَّةِ قُمَيْرٌ مُصَغَّرُ الْقَمَرِ وَمَاهَ اسْمُ الْقَمَرِ ، وَالتَّصْغِيرُ عِنْدَهُمْ بِإِلْحَاقِ الْكَافِ فِي آخِرِ الِاسْمِ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : وَالْأَصَحُّ فِيهِ الِانْصِرَافُ ، قُلْتُ : الْأَصَحُّ فِيهِ عَدَمُ الِانْصِرَافِ لِلْعُجْمَةِ وَالْعَلَمِيَّةِ . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ وَفِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ . قَوْلُهُ : " قَالَ : وَأَخْبَرَنِي يُوسُفُ " أَيْ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأَخْبَرَنِي يُوسُفُ ، قَالَ بَعْضُهُمْ : وَمَا عَرَفْتُ مَاذَا عُطِفَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْوَاوَ سَاقِطَةً فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ ، قُلْتُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أَنْ يُقَالَ ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي فَلَانٌ بِكَذَا وَأَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ إِلَى آخِرِهِ ، قَوْلُهُ : " إِذْ جَاءَهَا " كَلِمَةُ إِذْ لِلْمُفَاجَأَةِ ، قَوْلُهُ : " عِرَاقِيٌّ " أَيْ : رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَلَمْ يُدْرَ اسْمُهُ ، قَوْلُهُ : " أَيُّ الْكَفَنِ خَيْرٌ " يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُهُ عَنِ الْكَمِّ يَعْنِي لِفَافَةً أَوْ أَكْثَرَ ، وَعَنِ الْكَيْفِ يَعْنِي أَبْيَضَ أَوْ غَيْرَهُ وَنَاعِمًا أَوْ خَشِنًا ، وَعَنِ النَّوْعِ أَنَّهُ قُطْنٌ أَوْ كَتَّانٌ مَثَلًا . قَوْلُهُ : " وَيْحَكَ " كَلِمَةُ تَرَحُّمٍ ، قَوْلُهُ : " وَمَا يَضُرُّكَ " أَيْ : أَيُّ شَيْءٍ يَضُرُّكَ بَعْدَ مَوْتِكَ وَسُقُوطُ التَّكْلِيفِ عَنْكَ فِي أَيِّ كَفَنٍ كُفِّنْتَ لِبُطْلَانِ حِسِّكَ بِالنُّعُومَةِ وَالْخُشُونَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، قَوْلُهُ : " قَالَتْ : لِمَ ؟ " أَيْ : لِمَ أُرِيكَ مُصْحَفِي ، " قَالَ : لَعَلِّي أُؤَلِّفُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ " قِيلَ قِصَّةُ الْعِرَاقِيِّ كَانَتْ قَبْلَ أَنْ يُرْسِلَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ إِلَى الْآفَاقِ ، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ يُوسُفَ بْنَ مَاهَكَ لَمْ يُدْرِكْ زَمَانَ إِرْسَالِ عُثْمَانَ الْمَصَاحِفَ إِلَى الْآفَاقِ ، وَقَدْ صَرَّحَ يُوسُفُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ عَائِشَةَ حِينَ سَأَلَهَا هَذَا الْعِرَاقِيُّ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْعِرَاقِيَّ كَانَ مِمَّنْ أَخَذَ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَمَّا حَضَرَ مُصْحَفَ عُثْمَانَ إِلَى الْكُوفَةِ لَمْ يُوَافِقْ عَلَى الرُّجُوعِ عَنْ قِرَاءَتِهِ وَلَا عَلَى إِعْدَامِ مُصْحَفِهِ ، وَكَانَ تَأْلِيفُ مُصْحَفِ الْعِرَاقِيِّ مُغَايِرًا لِتَأْلِيفِ مُصْحَفِ عُثْمَانَ فَلِذَلِكَ جَاءَ إِلَى عَائِشَةَ وَسَأَلَ الْإِمْلَاءَ مِنْ مُصْحَفِهَا . قَوْلُهُ : " أَيَّهُ " بِالنَّصْبِ وَقِيلَ بِالضَّمِّ أَيْ : أَيَّ آيِ الْقُرْآنِ قَرَأْتَ ، قَوْلُهُ : " قَبْلُ " أَيْ : قَبْلَ قِرَاءَةِ السُّورَةِ الْأُخْرَى ، قَوْلُهُ : " مِنْهُ " أَيْ : مِنَ الْقُرْآنِ ، قَوْلُهُ : " مِنَ الْمُفَصَّلِ " قَالَ الْخَطَّابِيُّ : سُمِّيَ مُفَصَّلًا لِكَثْرَةٍ مَا يَقَعُ فِيهَا مِنْ فُصُولِ التَّسْمِيَةِ بَيْنَ السُّورِ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ فَقِيلَ : هُوَ سُورَةُ ق ، وَقِيلَ : سُورَةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : سُمِّيَ بِالْمُفَصِّلِ لِقِصَرِ سُوَرِهِ وَقُرْبِ انْفِصَالِهِنَّ بَعْضِهِنَّ مِنْ بَعْضٍ . قَوْلُهُ : " أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ " أَيْ : مِنَ الْقُرْآنِ " مِنَ الْمُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ " وَأَوَّلُ مَا نَزَلَ إِمَّا الْمُدَّثِّرُ وَإِمَّا اقْرَأْ ، فَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، أَمَّا فِي الْمُدَّثِّرِ فَصَرِيحٌ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ وَقَوْلُهُ : فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ وَأَمَّا فِي اقْرَأْ فَيَلْزَمُ ذِكْرُهُمَا مِنْ قَوْلِهِ : كَذَّبَ وَتَوَلَّى وَسَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ، وَقَوْلُهُ : إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يُرَدُّ عَلَى بَعْضِهِمْ فِي قَوْلِهِ : هَذَا ظَاهِرُهُ يُغَايِرُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، قَوْلُهُ : " حَتَّى إِذَا ثَابَ " أَيْ : رَجَعَ ، قَوْلُهُ : " نَزَلَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ " أَشَارَتْ بِهِ إِلَى الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ فِي تَرْتِيبِ التَّنْزِيلِ وَأَنَّهُ أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ الدُّعَاءُ إِلَى التَّوْحِيدِ وَالتَّبْشِيرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُطِيعِينَ بِالْجَنَّةِ ، وَالْإِنْذَارُ وَالتَّخْوِيفُ لِلْكَافِرِينَ بِالنَّارِ فَلَمَّا اطْمَأَنَّتِ النُّفُوسُ عَلَى ذَلِكَ أُنْزِلَتِ الْأَحْكَامُ ، وَلِهَذَا قَالَتْ : وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ لَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ إِلَى آخِرِهِ ; وَذَلِكَ لِانْطِبَاعِ النُّفُوسِ بِالنُّفْرَةِ عَنْ تَرْكِ الْمَأْلُوفِ . قَوْلُهُ : " لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ " إِلَى آخِرِهِ إِشَارَةٌ مِنْهَا إِلَى تَقْوِيَةِ مَا ظَهَرَ لَهَا مِنَ الْحِكْمَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهُوَ تَقَدُّمُ سُورَةِ الْقَمَرِ وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْأَحْكَامِ عَلَى نُزُولِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ ، مَعَ كَثْرَةِ اشْتِمَالِهِمَا عَلَى الْأَحْكَامِ ، قَوْلُهُ : " إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ " يَعْنِي بِالْمَدِينَةِ ; لِأَنَّ دُخُولَهُ عَلَيْهَا إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِلَا خِلَافٍ ، قَوْلُهُ : " فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ " أَيْ : أَمْلَتْ عَائِشَةُ عَلَى الْعِرَاقِيِّ مِنَ الْإِمْلَاءِ ، وَيُرْوَى مِنَ الْإِمْلَالِ ، وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، قِيلَ : فِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى النَّحَّاسِ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ مَكِّيَّةٌ ، مُسْتَنِدًا إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا نَزَلَتْ بِمَكَّةَ اتِّفَاقًا فِي قِصَّةِ مِفْتَاحِ الْكَعْبَةِ ، وَهِيَ حُجَّةٌ وَاهِيَةٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نُزُولِ آيَةٍ أَوْ آيَاتٍ مِنْ سُورَةٍ طَوِيلَةٍ بِمَكَّةَ إِذَا نَزَلَ مُعْظَمُهَا بِالْمَدِينَةِ أَنْ تَكُونَ مَكِّيَّةً ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية