الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 791 211 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ : صَلَّى لَنَا أَبُو سَعِيدٍ ، فَجَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ وَحِينَ سَجَدَ وَحِينَ رَفَعَ وَحِينَ قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ ، وَقَالَ : هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) . عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ فِي قَوْلِهِ : " حِينَ قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ " وَهِيَ حَالَةُ النُّهُوضِ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ ، وَبِهَذَا يُرَدُّ عَلَى ابْنِ الْمُنِيرِ حَيْثُ قَالَ : أَجْرَى الْبُخَارِيُّ التَّرْجَمَةَ وَأَثَرُ ابْنِ الزُّبَيْرِ مَجْرَى التَّبْيِينِ لِحَدِيثَيِ الْبَابِ ; لِأَنَّهُمَا لَيْسَا صَرِيحَيْنِ فِي أَنَّ ابْتِدَاءَ التَّكْبِيرِ يَكُونُ مَعَ أَوَّلِ النُّهُوضِ . انْتَهَى . بَيَانُ وَجْهِ الرَّدِّ أَنَّ قَوْلَ الْبُخَارِيِّ : ( بَابٌ يُكَبِّرُ ... ) إِلَى آخِرِهِ - هُوَ حَاصِلُ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : " وَحِينَ قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ " فَالْمُطَابَقَةُ تَامَّةٌ ، وَلَمْ يَقُلْ : بَابٌ يُكَبِّرُ مَعَ أَوَّلِ النُّهُوضِ - حَتَّى يَصِحَّ كَلَامُ الْمُنِيرِ ، وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِشْكَالٌ ; لِأَنَّهُ تَرْجَمَ فِيمَا مَضَى بَابَ التَّكْبِيرِ إِذَا قَامَ مِنَ السُّجُودِ ، وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَفِيهِمَا التَّنْصِيصُ عَلَى أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِي حَالَةِ النُّهُوضِ ، وَهُوَ الَّذِي اقْتَضَتْهُ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ ، فَكَأَنَّ ظَاهِرَهَا التَّكْرَارُ . انْتَهَى . قُلْتُ : لَا نُسَلِّمُ أَنَّ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِشْكَالًا ، وَلَا يَلْزَمُ مِمَّا ذَكَرَهُ التَّكْرَارُ ، فَقَوْلُهُ فِي بَابِ التَّكْبِيرِ : ( إِذَا قَامَ مِنَ السُّجُودِ ) أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ سُجُودِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوِ الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ ، وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ فِي التَّكْبِيرِ عِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ بَعْدِ التَّشَهُّدِ خَاصَّةً ، وَأَمَّا فَائِدَةُ ذِكْرِ هَذَا بَعْدَ شُمُولِ الْأَعَمِّ إِيَّاهُ فَلِأَجْلِ إِيرَادِهِ هَاهُنَا حَدِيثَيْ أَبِي سَعِيدٍ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا . ( ذِكْرُ رِجَالِهِ ) : وَهُمْ أَرْبَعَةٌ : الْأَوَّلُ : يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ ، أَبُو زَكَرِيَّا الْوُحَاظِيُّ الْحِمْصِيُّ . الثَّانِي : فُلَيْحٌ - بِضَمِّ الْفَاءِ - ابْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، وَكَانَ اسْمُهُ عَبْدَ الْمَلِكِ ، وَلَقَبُهُ فُلَيْحٌ ، فَغَلَبَ عَلَى اسْمِهِ وَاشْتُهِرَ بِهِ . الثَّالِثُ : سَعِيدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُعَلَّى الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ قَاضِيهَا . الرَّابِعُ : أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، وَاسْمُهُ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ . ( ذِكْرُ لَطَائِفِ إِسْنَادِهِ ) : فِيهِ التَّحْدِيثُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي مَوْضِعَيْنِ ، وَفِيهِ الْعَنْعَنَةُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ، وَفِيهِ الْقَوْلُ فِي مَوْضِعَيْنِ ، وَفِيهِ أَنَّ رُوَاتَهُ مَا بَيْنَ حِمْصِيٍّ وَمَدَنِيَّيْنِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ ، وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي يَعْلَى ، حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ عَنْ سَعِيدٍ ، سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مُطَوَّلًا ، وَلَفْظُهُ : " اشْتَكَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَوْ غَابَ ، فَصَلَّى أَبُو سَعِيدٍ ، فَجَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ افْتَتَحَ ، وَحِينَ رَكَعَ ... " الْحَدِيثَ ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ " فَلَمَّا انْصَرَفَ قِيلَ لَهُ : قَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ عَلَى صَلَاتِكَ ، فَقَامَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ، فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي - وَاللَّهِ - مَا أُبَالِي اخْتَلَفَتْ صَلَاتُكُمْ أَمْ لَمْ تَخْتَلِفْ ، إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَكَذَا يُصَلِّي " . وَذَكَرَ الْحُمَيْدِيُّ فِي ( الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ ) أَنَّ الْبُرْقَانِيَّ خَرَّجَهُ فِي صَحِيحِهِ بِلَفْظِ : " إِنَّ النَّاسَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي صَلَاتِكَ " . انْتَهَى . وَالِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ كَانَ فِي الْجَهْرِ بِالتَّكْبِيرِ وَالْإِسْرَارِ بِهِ ، وَكَانَ مَرْوَانُ وَغَيْرُهُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ يُسِرُّونَ ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فِي إِمَارَةِ مَرْوَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ . وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُصَلِّي خِلَافَ صَلَاتِهِمْ فَرُوِيَ فِي ( الْمُوَطَّأِ ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ فِي حَالِ قِيَامِهِ ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ ( مَا يَقُولُ الْإِمَامُ وَمَنْ خَلْفَهُ ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : " وَإِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ " وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى إِذَا شَرَعَ فِي الْقِيَامِ .

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية