الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              جزء صفحة
                                                                                              صحيح مسلم 914 (57) بَابٌ كَمْ يُسَلِّمُ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَبِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يُعْرَفُ انْقِضَاءُ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ [ 470 ] عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ ، أَنَّ أَمِيرًا كَانَ بِمَكَّةَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : أَنَّى عَلِقَهَا ؟! إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُهُ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ (581) (117) . المفهم (57) وَمِنْ بَابِ : كَمْ يُسَلِّمُ مِنَ الصَّلَاةِ قَوْلُهُ : إِنَّ أَمِيرًا كَانَ بِمَكَّةَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ ; هَذَا الْأَمِيرُ هُوَ فِيمَا أَحْسَبُ : الْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ الْجُمَحِيُّ ، وَهُوَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - الَّذِي ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ : أَنَّ أَمِيرَ مَكَّةَ خَطَبَ فَقَالَ : عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَنْسُكَ لِرُؤْيَتِهِ ، فَإِنْ لَمْ نَرَهُ ، وَشَهِدَ بِهِ شَاهِدَا عَدْلٍ ، نَسَكْنَا بِشَهَادَتِهِمَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّى عَلِقَهَا . . . ; أَيْ : كَيْفَ حَفِظَهَا ، وَأَصْلُهُ مِنْ عَلَاقَةِ الْحُبِّ . وَهَذَا الِاسْتِبْعَادُ مِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَمَلَ النَّاسِ كَانَ عَلَى تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ . فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْفَرْضَ فِي حَقِّهِمْ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَبَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّ فَرْضَهُمُ اثْنَتَانِ . قَالَ الدَّاوُدِيُّ : وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مِنْ سَلَّمَ وَاحِدَةً فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ . وَعَلَى هَذَا فَالَّذِي ذُكِرَ عَنْ أَحْمَدَ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ فَرْضٌ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ ، فَيَعْصِي مِنْ تَرَكَهَا ، وَيَقَعُ التَّحَلُّلُ بِدُونِهَا . فَإِذَا تَنَزَّلْنَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْفَرْضَ وَاحِدَةٌ ، فَهَلْ يُخْتَارُ زِيَادَةٌ عَلَيْهَا لِجَمِيعِهِمْ ، أَوْ فِيهِ تَفْصِيلٌ ؟ اخْتُلِفَ فِيهِ ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ فِي غَيْرِ الْمَشْهُورِ عَنْهُ : أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْجَمْعِ تَسْلِيمَتَانِ ، وَذَهَبَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ : إِلَى أَنَّ الْإِمَامَ وَالْمُنْفَرِدَ يَقْتَصِرَانِ عَلَى تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَا يَزِيدَانِ عَلَيْهَا . وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَيُسَلِّمُ ثَانِيَةً ، يَرُدُّ بِهَا عَلَى الْإِمَامِ ، فَإِنْ كَانَ عَنْ يَسَارِهِ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ ، فَهَلْ يَنْوِي بِالثَّانِيَةِ الرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ وَعَلَيْهِ ، أَوْ يُسَلِّمُ ثَلَاثًا يَنْوِي بِهِمَا الرَّدَّ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ مِمَّنْ عَلَى يَسَارِهِ ؟ قَوْلَانِ . ثُمَّ إِذَا قُلْنَا بِالثَّالِثَةِ فَهَلْ يَبْدَأُ بَعْدَ الْأُولَى بِالْإِمَامِ ، أَوْ مِمَّنْ عَلَى يَسَارِهِ ، أَوْ هُوَ مُخَيَّرٌ ؟ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . وَسَبَبُ الْخِلَافِ : اخْتِلَافُ الْأَحَادِيثِ ; وَذَلِكَ أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ . قَالَ النَّسَائِيُّ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : حَتَّى نَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ ، وَبَيَاضَ خَدِّهِ الْأَيْسَرِ . وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ : كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ ، يَمِيلُ إِلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ شَيْئًا . وَأَحَادِيثُ التَّسْلِيمَتَيْنِ أَصَحُّ ، وَأَحَادِيثُ التَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ عَمِلَ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ . وَلَمْ يَرَ مَالِكٌ فِي السَّلَامِ مِنَ الصَّلَاةِ زِيَادَةً : وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ تَمَسُّكًا بِلَفْظِ التَّسْلِيمِ ، وَرَأَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ تَمَسُّكًا بِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ; قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ - فَقَطْ - . وَمَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - : بِأَنَّ التَّحَلُّلَ يَقَعُ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى لَفْظِ التَّسْلِيمِ ، وَلَا يَشْتَرِطُ فِي ذَلِكَ زِيَادَةً . ثُمَّ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي السَّلَامِ لَفْظٌ مُعَيَّنٌ ، فَلَا يُجْزِئُ غَيْرُهُ ، أَوْ يُجْزِئُ كُلُّ مَا كَانَ مَأْخُوذًا مِنْ لَفْظِ السَّلَامِ ؟ وَبِالْأَوَّلِ قَالَ مَالِكٌ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : تَحْرِيمُ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرُ ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ حَوَالَةٌ عَلَى مَعْهُودِ سَلَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَكُلُّ مَنْ رَوَى سَلَامَهُ عَيَّنَ لَفْظَهُ ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، وَبِالثَّانِي قَالَ الشَّافِعِيُّ تَمَسُّكًا بِلَفْظِ التَّسْلِيمِ ، وَحَمْلًا لَهُ عَلَى عُمُومِ مَا يُشْتَقُّ مِنْهُ ، وَبِإِطْلَاقِ قَوْلِ الرَّاوِي : إِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَلِّمُ . وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَصُولِ السَّلَامِ وَفُرُوعِهِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى : أَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَّا بِالسَّلَامِ . [وَهُمُ الْجُمْهُورُ] . وَقَدْ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فُرُوضِهَا ، وَأَنَّهُ سُنَّةٌ ، وَأَنَّهُ يَتَحَلَّلُ مِنْهَا بِكُلِّ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ يُنَافِيهَا . وَذَهَبَ الطَّبَرِيُّ إِلَى التَّخْيِيرِ فِي ذَلِكَ ، وَالْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ كُلُّهَا تَرُدُّ عَلَيْهِمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                              الخدمات العلمية