الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              جزء صفحة
                                                                                              صحيح مسلم 80 [ 43 ] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : غِلَظُ الْقُلُوبِ وَالْجَفَاءُ فِي الْمَشْرِقِ ، وَالْإِيمَانُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ . رَوَاهُ أَحْمَدُ ( 3 \ 345 ) ، وَمُسْلِمٌ ( 53 ) . المفهم وَ (قَوْلُهُ فِي أَهْلِ الْيَمَنِ : " هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً ، وَأَضْعَفُ قُلُوبًا ") يَعْنِي : مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ ، لَا مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : وَالْإِيمَانُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَالْيَمَنُ مِنَ الْحِجَازِ ; كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَدْ وَصَفَ أَهْلَ الْيَمَنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِضِدِّ مَا وَصَفَ بِهِ أَهْلَ الْعِرَاقِ ; فَإِنَّهُ قَابَلَ وَصْفَيِ الْقَسْوَةِ وَالْغِلَظِ بِوَصْفَيِ الرِّقَّةِ وَالضَّعْفِ ; وَالرِّقَّةُ فِي مُقَابَلَةِ الْقَسْوَةِ ، وَالضَّعْفُ يُقَابِلُ الْغِلَظَ ، فَمَعْنَى أَرَقَّ : أَخْشَعُ ، وَمَعْنَى أَضْعَفَ : أَسْرَعُ فَهْمًا وَانْفِعَالًا لِلْخَيْرِ . وَالْأَفْئِدَةُ : جَمْعُ فُؤَادٍ ، وَهُوَ الْقَلْبُ ، وَقِيلَ : الْفُؤَادُ دَاخِلُ الْقَلْبِ ، أَيِ : اللَّطِيفَةُ الْقَابِلَةُ لِلْمَعَانِي مِنَ الْعُلُومِ وَغَيْرِهَا . وَقَوْلُهُ : الْإِيمَانُ يَمَانٍ ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ ، قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْإِيمَانِ . وَالْحِكْمَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ : مَا مَنَعَ مِنَ الْجَهْلِ وَالْجَفَاءِ ، وَالْحَكِيمُ : مَنْ مَنَعَهُ عَقْلُهُ وَحِلْمُهُ مِنَ الْجَهْلِ ; حَكَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ حَكَمَةِ الدَّابَّةِ ، وَهِيَ الْحَدِيدَةُ الَّتِي فِي اللِّجَامِ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهَا تَمْنَعُهَا . وَهَذِهِ الْأَحْرُفُ " ح ك م " حَيْثُمَا تَصَرَّفَتْ فِيهَا مَعْنَى الْمَنْعِ ، قَالَ الشَّاعِرُ : أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ إِنِّي خَشِيتُ عَلَيْكُمُ أَنْ أَغْضَبَا وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ [ الْبَقَرَةِ : 269 ] : إِنَّهَا الْإِصَابَةُ فِي الْقَوْلِ وَالْفَهْمِ ; قَالَ مَالِكٌ : الْحِكْمَةُ الْفِقْهُ فِي الدِّينِ . وَ (قَوْلُهُ : " وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ ") أَيِ : السُّكُونُ وَالْوَقَارُ وَالتَّوَاضُعُ . وَالْفَخْرُ : التَّفَاخُرُ بِالْآبَاءِ الْأَشْرَافِ وَكَثْرَةِ الْأَمْوَالِ وَالْخَوَلِ وَالْجَاهِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَرَاتِبِ أَهْلِ الدُّنْيَا . وَالْخُيَلَاءُ : مَمْدُودَةٌ وَزْنُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ : فُعَلَاءٌ ، وَهِيَ التَّكَبُّرُ وَالتَّعَاظُمُ ; يُقَالُ : خَالَ الرَّجُلُ يَخُولُ ، فَهُوَ خَالٌ وَذُو خَالٍ وَمَخِيلَةٍ ; وَمِنْهُ قَوْلُ طَلْحَةَ لِعُمَرَ : إِنَّا لَا نَخُولُ عَلَيْكَ ، أَيْ : لَا نَتَكَبَّرُ عَلَيْكَ ، وَيُقَالُ : اخْتَالَ يَخْتَالُ فَهُوَ مُخْتَالٌ ; وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [ الْحَدِيدِ : 23 ] . وَأَهْلُ الْوَبَرِ ، يَعْنِي بِهِ : أَهْلَ ذَاتِ الْوَبَرِ ، وَهِيَ الْإِبِلُ ، وَالْوَبَرُ لِلْإِبِلِ كَالصُّوفِ لِلْغَنَمِ ، وَالشَّعْرِ لِلْمَعْزِ ; وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ [ النَّحْلِ : 80 ] . وَهَذَا مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِخْبَارٌ عَنْ أَكْثَرِ حَالِ أَهْلِ الْغَنَمِ ، وَأَهْلِ الْإِبِلِ وَأَغْلَبِهِ . وَرَأْسُ الْكُفْرِ : مُعْظَمُهُ، وَيُرِيدُ : أَنَّ كَثْرَةَ أَهْلِهِ وَرِيَاسَتَهُمْ هُنَاكَ . وَالْحِجَازُ سُمِّيَ بِذَلِكَ ; لِحَجْزِهِ بَيْنَ نَجْدٍ وَتِهَامَةَ ; قَالَهُ الْقُتَبِيُّ ، وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : لِحَجْزِهِ بَيْنَ نَجْدٍ وَالسَّرَاةِ ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : إِذَا انْحَدَرْتَ مِنْ ثَنَايَا ذَاتِ عِرْقٍ ، فَقَدْ أَتْهَمْتَ إِلَى الْبَحْرِ ، فَإِذَا اسْتَقْبَلَكَ الْحِرَارُ ، فَذَلِكَ الْحِجَازُ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهَا حُجِزَتْ بِالْحِرَارِ الْخَمْسِ ، وَقِيلَ : حَدُّ الْحِجَازِ مِنْ جِهَةِ الشَّامِ : شَعْبٌ ، وَمِمَّا يَلِي تِهَامَةَ : بَدْرٌ وَعُكَاظٌ . قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْحِجَازِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : الْمَدِينَةَ فَقَطْ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ : إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ .

                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                              الخدمات العلمية