الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        فصل [فيمن أودع وديعة وقد جحده المودع مثلها، هل يجحده؟]

                                                                                                                                                                                        واختلف فيمن أودع وديعة وقد جحده المودع مثلها، هل يجحده؟ فمنع ذلك مالك في المدونة، وقال ابن القاسم: ظننته أنه قال ذلك للحديث: "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" . [ ص: 6010 ]

                                                                                                                                                                                        وروى عنه ابن وهب أنه قال: إذا علم أن على الجاحد دينا إن قيم عليه لم يكن ذلك له في المحاصة، فلا يأخذه، وإن علم أنه لا دين عليه فلا بأس، ورواه ابن نافع وزاد: إذا أمن أن يحلف كاذبا فليأخذ قدر حقه.

                                                                                                                                                                                        وقال محمد بن عبد الحكم: لا بأس أن يأخذ ذلك وإن كان عليه دين ما لم يفلس، وقال محمد بن المواز في كتاب الإقرار الأول: ومن غصب مني شيئا ثم خفي لي أخذه بعينه أكنت آخذه؟ قال: ذلك جائز، قلت: فإن لم أجد الشيء بعينه وظفرت له بغيره من ماله، قال: لو أعلم أنه لا دين عليه يحيط بماله لم أر عليه شيئا .

                                                                                                                                                                                        والصواب أن له أن يجحده ما أودعه مكان حقه عليه; لقول الله -عز وجل-: وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به [النحل: 126]; ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند بنت عتبة، وقالت: إنه رجل مسيك، فهل علي جناح أن آخذ من ماله؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"، وقد قيل في معنى الحديث: ولا تخن من خانك فتأخذ فوق حقك، وإن كان عليه غرماء جاز أن يحبس جميعها إذا كانوا عالمين بفلسه وتركوه يبيع ويشتري ويقضي، أو شكوا في حاله فتركوه، وإن كان ظاهره عندهم اليسر ولو علموا ضربوا على يده - جاز لهذا أن يحبس ما لا يشك أنه يصير له في المحاصة. وإن كانت الوديعة عرضا جاز له أن يبيعها ويحبس الثمن مما له عليه. [ ص: 6011 ]

                                                                                                                                                                                        واختلف هل يجحدها إذا كان يحلفه وفي صفة اليمين؟ فقال مالك: إنما يجوز له أن يجحده إذا أمن من أن يحلفه كاذبا. يريد أن المودع يقول له: احلف أني ما أودعتك، وقيل: يحلف ما أودعتني شيئا، ينوي: يلزمني رده، وقيل: ينوي: إلا ولي مثله، أو يحرك به لسانه، وكل ذلك واسع.

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية