قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=171ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا [ ص: 382 ] قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=171يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم نهي عن الغلو . والغلو التجاوز في الحد ؛ ومنه غلا السعر يغلو غلاء ؛ وغلا الرجل في الأمر غلوا ، وغلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها ؛ ويعني بذلك فيما ذكره المفسرون غلو
اليهود في
عيسى حتى قذفوا
مريم ، وغلو
النصارى فيه حتى جعلوه ربا ؛ فالإفراط والتقصير كله سيئة وكفر ؛ ولذلك قال
مطرف بن عبد الله : الحسنة بين سيئتين ؛ وقال الشاعر :
وأوف ولا تستوف حقك كله وصافح فلم يستوف قط كريم ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد
كلا طرفي قصد الأمور ذميم
وقال آخر :
عليك بأوساط الأمور فإنها نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا
وفي صحيح
nindex.php?page=showalam&ids=12070البخاري عنه عليه السلام :
nindex.php?page=hadith&LINKID=832761لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى وقولوا عبد الله ورسوله .
قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=171ولا تقولوا على الله إلا الحق أي لا تقولوا إن له شريكا أو ابنا . ثم بين تعالى
nindex.php?page=treesubj&link=31986حال عيسى عليه السلام وصفته فقال :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=171إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته وفيه ثلاث مسائل :
الأولى : قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=171إنما المسيح المسيح رفع بالابتداء ؛ و
عيسى بدل منه وكذا ابن مريم . ويجوز أن يكون خبر الابتداء ويكون المعنى : إنما
المسيح ابن مريم . ودل بقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=171عيسى ابن مريم على أن من كان منسوبا بوالدته كيف يكون إلها ،
nindex.php?page=treesubj&link=29426وحق الإله أن يكون قديما لا محدثا . ويكون رسول الله خبرا بعد خبر .
[ ص: 383 ] الثانية :
nindex.php?page=treesubj&link=31979لم يذكر الله عز وجل امرأة وسماها باسمها في كتابه إلا مريم ابنة عمران ؛ فإنه ذكر اسمها في نحو من ثلاثين موضعا لحكمة ذكرها بعض الأشياخ ؛ فإن الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في الملإ ، ولا يبتذلون أسماءهن ؛ بل يكنون عن الزوجة بالعرس والأهل والعيال ونحو ذلك ؛ فإن ذكروا الإماء لم يكنوا عنهن ولم يصونوا أسماءهن عن الذكر والتصريح بها ؛ فلما قالت
النصارى في
مريم ما قالت وفي ابنها صرح الله باسمها ، ولم يكن عنها بالأموة والعبودية التي هي صفة لها ؛ وأجرى الكلام على عادة العرب في ذكر إمائها .
الثالثة :
nindex.php?page=treesubj&link=31982اعتقاد أن عيسى عليه السلام لا أب له واجب ، فإذا تكرر اسمه منسوبا للأم استشعرت القلوب ما يجب عليها اعتقاده من نفي الأب عنه ، وتنزيه الأم الطاهرة عن مقالة
اليهود لعنهم الله ، والله أعلم .
قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=171وكلمته ألقاها إلى مريم أي هو مكون بكلمة " كن " فكان بشرا من غير أب ؛ والعرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا كان صادرا عنه . وقيل : كلمته بشارة الله تعالى
مريم عليها السلام ، ورسالته إليها على لسان
جبريل عليه السلام ؛ وذلك قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=45إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه . وقيل : " الكلمة " هاهنا بمعنى الآية ؛ قال الله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=66&ayano=12وصدقت بكلمات ربها و
nindex.php?page=tafseer&surano=31&ayano=27ما نفدت كلمات الله . وكان
لعيسى أربعة أسماء ؛
المسيح وعيسى وكلمة وروح ، وقيل غير هذا مما ليس في القرآن . ومعنى
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=171ألقاها إلى مريم أمر بها
مريم .
قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=171وروح منه هذا
nindex.php?page=treesubj&link=31994الذي أوقع النصارى في الإضلال ؛ فقالوا :
عيسى جزء منه فجهلوا وضلوا ؛ وعنه أجوبة ثمانية : الأول : قال
أبي بن كعب : خلق الله أرواح بني
آدم لما أخذ عليهم الميثاق ؛ ثم ردها إلى صلب
آدم وأمسك عنده روح
عيسى عليه السلام ؛ فلما أراد خلقه أرسل ذلك الروح إلى
مريم ، فكان منه
عيسى عليه السلام ؛ فلهذا قال : وروح منه . وقيل : هذه الإضافة للتفضيل وإن كان جميع الأرواح من خلقه ؛ وهذا كقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=22&ayano=26وطهر بيتي للطائفين ، وقيل : قد يسمى من تظهر منه الأشياء العجيبة روحا ، وتضاف إلى الله تعالى فيقال : هذا روح من الله أي من خلقه ؛ كما يقال في النعمة إنها من الله . وكان
عيسى يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى فاستحق هذا الاسم . وقيل : يسمى
روحا بسبب نفخة
[ ص: 384 ] جبريل عليه السلام ، ويسمى النفخ روحا ؛ لأنه ريح يخرج من الروح . قال الشاعر - هو
nindex.php?page=showalam&ids=15871ذو الرمة :
فقلت له ارفعها إليك وأحيها بروحك واقتته لها قيتة قدرا
وقد ورد أن
جبريل نفخ في درع
مريم فحملت منه بإذن الله ؛ وعلى هذا يكون
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=171وروح منه معطوفا على المضمر الذي هو اسم الله في ألقاها التقدير : ألقى الله
وجبريل الكلمة إلى مريم . وقيل : روح منه أي من خلقه ؛ كما قال :
nindex.php?page=tafseer&surano=45&ayano=13وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه أي من خلقه . وقيل : روح منه أي رحمة منه ؛ فكان
عيسى رحمة من الله لمن اتبعه ؛ ومنه قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=58&ayano=22وأيدهم بروح منه أي برحمة ، وقرئ : " فروح وريحان " . وقيل : وروح منه وبرهان منه ؛ وكان
عيسى برهانا وحجة على قومه صلى الله عليه وسلم .
قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=171فآمنوا بالله ورسوله أي آمنوا بأن الله إله واحد خالق
المسيح ومرسله ، وآمنوا برسله ومنهم
عيسى فلا تجعلوه إلها . ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة عن
الزجاج . قال
ابن عباس : يريد بالتثليث الله تعالى وصاحبته وابنه . وقال
الفراء وأبو عبيد : أي لا تقولوا هم ثلاثة ؛ كقوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=18&ayano=22سيقولون ثلاثة . قال
أبو علي : التقدير ولا تقولوا هو ثالث ثلاثة ؛ فحذف المبتدأ والمضاف .
والنصارى مع فرقهم مجمعون على
nindex.php?page=treesubj&link=29434التثليث ويقولون : إن الله جوهر واحد وله ثلاثة أقانيم ؛ فيجعلون كل أقنوم إلها ويعنون بالأقانيم الوجود والحياة والعلم ، وربما يعبرون عن الأقانيم بالأب والابن وروح القدس ؛ فيعنون بالأب الوجود ، وبالروح الحياة ، وبالابن
المسيح ، في كلام لهم فيه تخبط بيانه في أصول الدين . ومحصول كلامهم يئول إلى التمسك بأن
عيسى إله بما كان يجريه الله سبحانه وتعالى على يديه من خوارق العادات على حسب دواعيه وإرادته ؛ وقالوا : قد علمنا خروج هذه الأمور عن مقدور البشر ، فينبغي أن يكون المقتدر عليها موصوفا بالإلهية ؛ فيقال لهم : لو كان ذلك من مقدوراته وكان مستقلا به كان تخليص نفسه من أعدائه ودفع شرهم عنه من مقدوراته ، وليس كذلك ؛ فإن اعترفت
النصارى بذلك فقد سقط قولهم ودعواهم أنه كان يفعلها مستقلا به ؛ وإن لم يسلموا ذلك فلا حجة لهم أيضا ؛ لأنهم معارضون
بموسى عليه السلام ، وما كان يجري على يديه من الأمور العظام ، مثل قلب العصا ثعبانا ، وفلق البحر واليد البيضاء والمن والسلوى ، وغير ذلك ؛ وكذلك ما جرى
[ ص: 385 ] على يد الأنبياء ؛ فإن أنكروا ذلك فننكر ما يدعونه هم أيضا من ظهوره على يد
عيسى عليه السلام ، فلا يمكنهم إثبات شيء من ذلك
لعيسى ؛ فإن طريق إثباته عندنا نصوص القرآن وهم ينكرون القرآن ، ويكذبون من أتى به ، فلا يمكنهم إثبات ذلك بأخبار التواتر . وقد قيل : إن
النصارى كانوا على دين الإسلام إحدى وثمانين سنة بعدما رفع
عيسى ؛ يصلون إلى القبلة ؛ ويصومون شهر رمضان ، حتى وقع فيما بينهم وبين
اليهود حرب ، وكان في
اليهود رجل شجاع يقال له
بولس ، قتل جماعة من أصحاب
عيسى فقال : إن كان الحق مع
عيسى فقد كفرنا وجحدنا وإلى النار مصيرنا ، ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار ؛ وإني أحتال فيهم فأضلهم فيدخلون النار ؛ وكان له فرس يقال لها العقاب ، فأظهر الندامة ووضع على رأسه التراب وقال
للنصارى : أنا
بولس عدوكم قد نوديت من السماء أن ليست لك توبة إلا أن تتنصر ، فأدخلوه في الكنيسة بيتا فأقام فيه سنة لا يخرج ليلا ولا نهارا حتى تعلم الإنجيل ؛ فخرج وقال : نوديت من السماء أن الله قد قبل توبتك فصدقوه وأحبوه ، ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم
نسطورا وأعلمه أن
عيسى ابن مريم إله ، ثم توجه إلى اللاهوت والناسوت وقال : لم يكن
عيسى بإنس فتأنس ولا بجسم فتجسم ولكنه ابن الله . وعلم رجلا يقال له
يعقوب ذلك ؛ ثم دعا رجلا يقال له الملك فقال له ؛ إن الإله لم يزل ولا يزال
عيسى ؛ فلما استمكن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحدا واحدا وقال له : أنت خالصتي ولقد رأيت
المسيح في النوم ورضي عني ، وقال لكل واحد منهم : إني غدا أذبح نفسي وأتقرب بها ، فادع الناس إلى نحلتك ، ثم دخل المذبح فذبح نفسه ؛ فلما كان يوم ثالثه دعا كل واحد منهم الناس إلى نحلته ، فتبع كل واحد منهم طائفة ، فاقتتلوا واختلفوا إلى يومنا هذا ، فجميع
النصارى من الفرق الثلاث ؛ فهذا كان سبب شركهم فيما يقال ؛ والله أعلم . وقد رويت هذه القصة في معنى قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=14فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسيأتي إن شاء الله تعالى .
قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=171انتهوا خيرا لكم خيرا منصوب عند
nindex.php?page=showalam&ids=16076سيبويه بإضمار فعل ؛ كأنه قال : ائتوا خيرا لكم ، لأنه إذا نهاهم عن الشرك فقد أمرهم بإتيان ما هو خير لهم ؛ قال
nindex.php?page=showalam&ids=16076سيبويه : ومما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=171انتهوا خيرا لكم لأنك إذا قلت : ائته فأنت تخرجه من أمر وتدخله في آخر ؛ وأنشد :
فواعديه سرحتي مالك أو الربا بينهما أسهلا
ومذهب
أبي عبيدة : انتهوا يكن خيرا لكم ؛ قال
محمد بن يزيد : هذا خطأ ؛ لأنه يضمر
[ ص: 386 ] الشرط وجوابه ، وهذا لا يوجد في كلام العرب . ومذهب
الفراء أنه نعت لمصدر محذوف ؛ قال
علي بن سليمان : هذا خطأ فاحش ؛ لأنه يكون المعنى : انتهوا الانتهاء الذي هو خير لكم .
قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=171إنما الله إله واحد هذا ابتداء وخبر ؛ وواحد نعت له . ويجوز أن يكون إله بدلا من اسم الله عز وجل وواحد خبره ؛ التقدير إنما المعبود واحد .
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=171سبحانه أن يكون له ولد أي تنزيها عن أن يكون له ولد ؛ فلما سقط " عن " كان أن في محل النصب بنزع الخافض ؛ أي كيف يكون له ولد ؟ وولد الرجل مشبه له ، ولا شبيه لله عز وجل .
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=171له ما في السماوات وما في الأرض فلا شريك له ،
وعيسى ومريم من جملة ما في السماوات وما في الأرض ، وما فيهما مخلوق ، فكيف يكون
عيسى إلها وهو مخلوق ! وإن جاز ولد فليجز أولاد حتى يكون كل من ظهرت عليه معجزة ولدا له .
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=171وكفى بالله وكيلا أي لأوليائه ؛ وقد تقدم .