الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
1461 [ ص: 157 ] حديث رابع لعمرو بن يحيى مرسل .

مالك ، عن عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا ضرر ولا ضرار .

التالي السابق


لم يختلف ، عن مالك في إسناد هذا الحديث وإرساله هكذا ، وقد رواه الدراوردي ، عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . ورواه كثير بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وإسناد كثير هذا ، عن أبيه ، عن جده غير صحيح .

وأما معنى هذا الحديث فصحيح في الأصول ، وقد ثبت ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : حرم الله من المؤمن دمه ، وماله ، وعرضه ، وأن لا يظن به إلا الخير ، وقال : إن دماءكم ، وأموالكم ، وأعراضكم عليكم حرام ، يعني من بعضكم على بعض . وقال حاكيا عن ربه عز وجل : يا عبادي إني حرمت الظلم ( على نفسي ) فلا تظالموا ، وقال الله عز وجل : ( وقد خاب من حمل ظلما ) ، وأصل الظلم وضع الشيء غير موضعه ، وأخذه من غير وجهه ، ومن أضر [ ص: 158 ] بأخيه المسلم أو بمن له ذمة فقد ظلمه ، والظلم ظلمات يوم القيامة كما ثبت في الأثر الصحيح ، وقد روى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن جابر الجعفي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ضرر ولا ضرار ، وللجار أن يغرز خشبه في جدار جاره .

قال أبو عمر :

كان شعبة ، والثوري يثنيان على جابر الجعفي ، ويصفانه بالحفظ والإتقان ، وكان ابن عيينة يذمه ويحكي عنه من سوء مذهبه ما يسقط روايته ، واتبعه على ذلك أصحابه : ابن معين وعلي ، وأحمد وغيرهم ، فلهذا قلت : إن هذا الحديث لا يستند من وجه صحيح ، والله أعلم .

وأما قوله صلى الله عليه وسلم : لا ضرر ولا ضرار فقيل : إنهما لفظتان بمعنى واحد تكلم بهما جميعا على وجه التأكيد ، وقال ابن حبيب : الضرر عند أهل العربية : الاسم ، والضرار : الفعل . قال : ومعنى " لا ضرر " لا يدخل على أحد ضرر لم يدخله على نفسه ، ومعنى : " لا ضرار " لا يضار أحد بأحد ، هذا ما حكى ابن حبيب .

وقال الخشني : الضرر الذي لك فيه منفعة ، وعلى جارك فيه مضرة ، والضرار : الذي ليس لك فيه منفعة وعلى جارك فيه المضرة . وهذا وجه حسن المعنى في الحديث ، والله أعلم .

[ ص: 159 ] أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال : حدثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل بن الفرج قال : حدثنا أبي قال : حدثنا أبو علي الحسن بن سليمان قبيطة ، حدثنا عبد الملك بن معاذ النصيبي ، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، عن عمرو بن يحيى بن عمارة ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار ، من ضار ضر الله به ، ومن شاق شق الله عليه ، وقال غيره : الضرر والضرار : مثل القتل والقتال ، فالضرر أن تضر بمن لا يضرك ، والضرار أن تضر بمن قد أضر بك من غير جهة الاعتداء بالمثل والانتصار بالحق ، وهو نحو قوله صلى الله عليه وسلم : أد الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك ، وهذا معناه عند أهل العلم : لا تخن من خانك بعد أن انتصرت منه في خيانته لك ، والنهي إنما وقع على الابتداء ، أو ما يكون في معنى الابتداء كأنه يقول : ليس لك أن تخونه وإن كان قد خانك ، كما لم يكن له أن يخونك أولا ، وأما من عاقب بمثل ما عوقب به وأخذ حقه ، فليس بخائن ، وإنما الخائن من أخذ ما ليس له أو أكثر مما له ، وقد اختلف الفقهاء في الذي يجحد حقا عليه لأحد ويمنعه منه ، ثم يظفر المجحود بمال الجاحد قد ائتمنه عليه ، ونحو ذلك ، فقال منهم قائلون : ليس له أن يأخذ حقه من ذلك ، ولا يجحده إياه ، واحتجوا بظاهر قوله : أد الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك ، وقال آخرون : له أن ينتصف منه ، ويأخذ حقه [ ص: 160 ] من تحت يده ، واحتجوا بحديث عائشة في قصة هند مع أبي سفيان ، واختلف قول مالك في هذه المسألة على الوجهين المذكورين ، فروى الرواية الأولى عنه ابن القاسم ، وروى الأخرى عنه زياد بن عبد الرحمن ، وغيره . وللفقهاء في هذه المسألة وجوه ، واعتلالات ليس هذا باب ذكرها ، وإنما ذكرنا ههنا لما في معنى الضرار من مداخلة الانتصار بالإضرار ممن أضر بك ، والذي يصح في النظر ، ويثبت في الأصول أنه ليس لأحد أن يضر بأحد سواء أضر به قبل أم لا ، إلا أن له أن ينتصر ويعاقب إن قدر بما أبيح له من السلطان ، والاعتداء بالحق الذي له هو مثل ما اعتدي به عليه ، والانتصار ليس باعتداء ، ولا ظلم ، ولا ضرر إذا كان على الوجه الذي أباحته السنة ، وكذلك ليس لأحد أن يضر بأحد من غير الوجه الذي هو الانتصاف من حقه ، ويدخل الضرر في الأموال من وجوه كثيرة لها أحكام مختلفة ، فمن أدخل على أخيه المسلم ضررا منع منه ، فإن أدخل على أخيه ضررا بفعل ما كان له فعله فيما له ، فأضر فعله ذلك بجاره أو غير جاره ، نظر إلى ذلك الفعل : فإن كان تركه أكبر ضررا من الضرر الداخل على الفاعل ذلك في ماله إذا قطع عنه ما فعله - قطع أكبر الضررين ، وأعظمهما حرمة في الأصول ، مثال ذلك : رجل فتح كوة يطلع منها على دار أخيه ، وفيها العيال ، والأهل ، ومن شأن النساء في بيوتهن إلقاء بعض ثيابهن والانتشار في حوائجهن ، ومعلوم أن الاطلاع على العورات محرم قد ورد فيه النهي ، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل يتحقق عليه من خلال باب داره : لو علمت أنك تنظر لفقأت عينك ، إنما جعل الاستئذان من أجل النظر ، وقد جعل جماعة من أهل العلم من فقئت عينه في مثل هذا هدرا للأحاديث الواردة بمعنى ما ذكرت لك . وأبى ذلك آخرون وجعلوا فيه القصاص ، منهم مالك ، وغيره ، فلحرمة الاطلاع على العورات رأى العلماء أن يغلقوا على فاتح الكوة ، والباب ما فتح ما له فيه منفعة وراحة ، وفي [ ص: 161 ] غلقه عليه ضرر ; لأنهم قصدوا إلى قطع أعظم الضررين إذا لم يكن بد من قطع أحدهما , وكذلك من أحدث بناء في رحا ماء أو غير رحا فيبطل ما أحدثه على غيره منفعة قد استحقت ، وثبت ملكها لصاحبها منع من ذلك ; لأن إدخاله المضرة على جاره بما له فيه منفعة كإدخاله عليه المضرة بما لا منفعة فيه . ألا ترى أنه لو أراد هدم منفعة جاره وإفسادها من غير بناء يبنيه لنفسه لم يكن ذلك له ؟ فكذلك إذا بنى أو فعل لنفسه فعلا يضر به بجاره ويفسد عليه ملكه ، أو شيئا قد استحقه وصار ماله .

وهذه أصول قد بانت عللها ، فقس عليها ما كان في معناها تصب إن شاء الله .

وهذا كله باب واحد متقارب المعاني متداخل ، فاضبط أصله . ومن هذا الباب وجه آخر من الضرر منع منه العلماء ، كدخان الفرن ، والحمام ، وغبار الأندر ، والأنتان ، والدود المتولدة من الزبل المبسوط في الرحاب ، وما كان مثل ذلك كله فإنه يقطع منه ما بان ضرره ، وبقي أثره ، وخشي تماديه ، وأما ما كان ساعة خفيفة مثل نفض التراب ، والحصر عند الأبواب ، فإن هذا مما لا غنى بالناس عنه ، وليس مما يستحق به شيء يبقى ، والضرر في منع مثل هذا أكبر وأعظم من الصبر على ذلك ساعة خفيفة ، وللجار على جاره في أدب السنة أن يصبر من أذاه على ما يقدر ، كما عليه أن لا يؤذيه وأن يحسن إليه ، ولقد أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كاد أن يورثه ( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ) ( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ) ، ( ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) . [ ص: 162 ] أخبرنا خلف بن القاسم قال : حدثنا أبو بكر أحمد بن صالح بن عمر المقرئ قال : حدثنا أبو علي الحسن بن الطيب الكوفي قال : حدثنا سعيد بن أبي الربيع السمان البصري قال : حدثنا عنبسة بن سعيد قال : حدثنا فرقد السبخي ، عن مرة الطيب ، عن أبي بكر الصديق قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ملعون من ضار مسلما أو ماكره .

حدثنا أحمد بن فتح بن عبد الله قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حامد البغدادي المعروف بابن ثرثال قال : حدثنا الحسن بن الطيب بن حمزة الشجاعي البلخي قال : حدثنا سعيد بن أبي الربيع السمان قال : حدثنا عنبسة بن سعيد قال : حدثنا فرقد السبخي ، عن مرة الطيب ، عن أبي بكر الصديق قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ملعون من ضار أخاه المسلم أو ماكره وهذا حديث في إسناده رجال معروفون بضعف الحديث ، فليس مما يحتج به ، ولكنه مما يخاف عقوبة ما جاء فيه . ومما يدخل في هذا الباب مسألة ذكرها إسماعيل بن أبي أويس ، عن مالك أنه سئل ، عن امرأة عرض لها - يعني مسا من الجن - فكانت إذا أصابها زوجها ، أو جنبت ، أو دنا منها اشتد ذلك بها ، فقال مالك : لا أرى أن يقربها ، وأرى للسلطان أن يحول بينه وبينها . قال : وقال مالك : من مثل بامرأته فرق بينهما بتطليقة . قال : وإنما يفرق بينهما مخافة أن يعود إليها فيمثل بها أيضا كالذي فعل أول مرة ، وإنما ذلك في المثلة البينة التي يأتيها متعمدا ، مثل فقء العين ، وقطع اليد ، وأشباه ذلك ، قال : وقد يفرق بين الرجل وامرأته بما هو أيسر من هذا وأقل ضررا ، إن شاء الله .




الخدمات العلمية