الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
115 - وعن ابن الديلمي ، قال : أتيت أبي بن كعب ، فقلت له : قد وقع في نفسي شيء من القدر ، فحدثني لعل الله أن يذهبه من قلبي . فقال لو أن الله عز وجل عذب أهل سماواته وأهل أرضه ؟ عذبهم ، وهو غير ظالم لهم ، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر ، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك ، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك . ولو مت على غير هذا لدخلت النار . قال : ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك . قال ثم أتيت حذيفة بن اليمان ، فقال مثل ذلك . ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك . رواه أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه .

التالي السابق


115 - ( وعن ابن الديلمي ، رضي الله عنه ) : هو أبو عبد الله ، وقيل أبو عبد الرحمن ، وقيل : أبو الضحاك فيروز الديلمي ، ويقال له الحميري ؛ لنزوله في حمير ، وهو من أبناء الفرس الذين بعثهم كسرى إلى اليمن . قال محمد بن سعيد : ومن أهل الحديث من يقول : فيروز بن الديلمي ، وهو واحد . وفد فيروز على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو قاتل الأسود العنسي الكذاب المدعي للنبوة ، قتله في آخر حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ووصل خبر قتله إياه إليه في مرض الموت فقال - عليه الصلاة والسلام - : قتله الرجل الصالح فيروز ، فاز فيروز ، فاز فيروز ، ويقال : إن فيروز ابن أخت النجاشي ، روى عن ابن الضحاك ، وعبد الله ، وغيرهما ، توفي في خلافة عثمان ، وقيل : في زمن معاوية بعد الخمسين كذا في " تهذيب الأسماء " . قال ميرك شاه : هذا كلام صحيح في نفس الأمر ليس المراد من ابن الديلمي في هذا المحل هو فيروز الديلمي ، بل المراد ابن الضحاك بن فيروز ، وهو تابعي مقبول من أوساط التابعين ، وأبوه معدود في الصحابة ، وله أحاديث ، ويحتمل أن يكون المراد به عبد الله بن فيروز أخا الضحاك ، وهو ثقة من كبار التابعين ، ومنهم من ذكره في الصحابة ، وهذا الاحتمال عندي أظهر ، والله أعلم اهـ . وقد ذكر المصنف في أسماء الرجال للمشكاة ابن الديلمي هو : الضحاك بن فيروز ؛ تابعي حديثه في المصريين ، روى عن أبيه ، والديلمي بفتح الدال منسوب إلى الديلم ، هو الجبل المعروف بين الناس ، وفيروز بفتح الفاء ، وسكون الياء تحتها نقطتان ، وضم الراء ، وبالزاي : ( قال : أتيت أبي بن كعب ) : أقرأ الصحابة رضي الله عنهم . قال المصنف : هو أبي بن كعب الأكبر الأنصاري الخزرجي ، كان يكتب للنبي - صلى الله عليه وسلم - الوحي ، وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، كناه النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا المنذر ، وعمر أبا الطفيل ، وسماه النبي - صلى الله عليه وسلم - سيد الأنصار ، وعمر سيد المسلمين ، مات بالمدينة سنة تسعة عشر ، روى عنه خلق كثير . ( فقلت له ) : بحكم قوله تعالى : ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) ( وقد وقع في نفسي شيء من القدر ) أي : حزازة ، واضطراب عظيم من جهة أمر القضاء والقدر باعتبار العقل لا بموجب النقل . قال ابن حجر ؛ أي : من بعض شبه القدر التي ربما تؤدي إلى الشك فيه كاعتقاد أن الإنسان يخلق فعل نفسه كما قالته المعتزلة ، أو أنه مجبور على الفعل كما قالته الجبرية فكيف يعذب ، وأنا أريد الخلاص منه أي : من [ ص: 189 ] هذا المبحث . ( فحدثني ) أي : بحديث ( لعل الله أن يذهبه من قلبي . ) أي : رجاء أن يزيل ذلك مني ، وقال أولا في نفسي ، وثانيا من قلبي إشعارا بأن ذلك تمكن منه ، وأخذ بمجامعه من ذاته ، وقلبه كذا قاله الطيبي ، والأظهر أن الحزازة تنشأ من الخطرات النفسية ، والثبات والاطمئنان من الصفات القلبية ، ثم قوله : أن يذهبه : خبر لعل أعطاه حكم عسى في دخول أن في خبره ، ( فقال ) أي : أبي رضي الله عنه متحريا غاية البيان الشافي ، وغاية الإرشاد الوافي ( لو ) أي : فرض ( أن الله عذب أهل سماواته ) من الملائكة المقربين ( وأهل أرضه ) : من الأنبياء والمرسلين ( عذبهم ) : وفيه إشكال ، ودفعه أن الشرطية غير لازمة الوقوع ( وهو غير ظالم لهم ) : الواو للحال لأنه متصرف في ملكه ، وملكه فعذابه عدل ، وثوابه فضل . قيل فيه إرشاد عظيم ، وبيان شاف لإزالة ما طلب منه ؛ لأنه يهدم منه قاعدة الحسن ، والقبح العقليين لأنه مالك الجميع ، فله أن يتصرف كيف شاء ، ولا ظلم أصلا ( ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ) أي : الصالحة ؛ إشارة إلى أن رحمته ليست بسبب من الأعمال ، وإيجابها إياها إذ هي لا توجبها عليه ، كيف وهي من جملة رحمته بهم ، فرحمته إياهم محض فضل منه تعالى عليهم ، فلو رحم الأولين والآخرين فله ذلك ، ولا يخرج عن حكمة غايته أنه أخبر أن المطيعين لهم الثواب ، وأن العاصين لهم العقاب كما هو مثبت في أم الكتاب ، فالأمر المقدر لا يتبدل ، ولا يتغير ، وهذا هو الصواب في الجواب ( ولو أنفقت مثل أحد ) : بضمتين جبل عظيم قريب المدينة المعظمة ( ذهبا ) تمييز ( في سبيل الله ) أي : مرضاته ، وطريق خيراته ( ما قبلها الله ) أي : ذلك الإنفاق ، أو مثل ذلك الجبل ( منك ) : وهو تمثيل على سبيل الفرض لا تحديد ؛ إذ لو فرض إنفاق ملء السماوات والأرض كان كذلك ( حتى تؤمن بالقدر ) أي : بأن جميع الأمور الكائنة خيرها ، وشرها ، وحلوها ، ومرها ، ونفعها ، وضرها ، وقليلها ، وكثيرها ، وكبيرها ، وصغيرها ، بقضائه وقدره ، وإرادته وأمره وأنه ليس فيها لهم إلا مجرد الكسب ، ومباشرة الفعل ، والمراد هنا كمال الإيمان ، وسلب القبول مع فقده يؤذن بأن المبتدعة لا تقبل لهم أعمال أي : لا يثابون عليها ما داموا على بدعتهم ، ويؤيده خبر : أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يتوب من بدعته ، وفيه إشعار بأن أهل البدعة ليسوا من المتقين ؛ لقوله تعالى ( إنما يتقبل الله من المتقين ) وأنه لا يحبهم فإن الله يحب المتقين . ( وتعلم ) : تخصيص بعد تعميم ( أن ما أصابك ) : من النعمة ، والبلية ، أو الطاعة ، والمعصية مما قدره الله لك أو عليك ( لم يكن ليخطئك ) أي : يجاوزك ( وأن ما أخطأك ) : من الخير ، والشر ( لم يكن ليصيبك ) : وهذا وضع موضع المحال كأنه قيل : محال أن يخطئك ، وفيه ثلاث مبالغات : دخول أن ، ولحوق اللام المؤكدة للنفي ، وتسليط النفي على الكينونة ، وسرايته في الخبر ، وهو مضمون قوله تعالى : ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) ، وفيه حث على التوكل والرضا ، ونفي الحول والقوة ، وملازمة القناعة ، والصبر على المصائب ( ولو مت ) : بضم الميم من مات يموت ، وبكسرها من مات يميت ، ( على غير هذا ) أي : على اعتقاد غير هذا الذي ذكرت لك من الإيمان بالقدر ( لدخلت النار ) : يحتمل الوعيد ، ويحتمل التهديد ، ( قال ) أي : ابن الديلمي ( ثم أتيت عبد الله بن مسعود ) : صاحب السجادة ، والمخدة ، والنعلين ، والمطهرة - رضي الله عنه - ( فقال مثل ذلك ) أي : مثل جواب أبي في سؤالي ( قال : ثم أتيت حذيفة بن اليمان ) : مر ذكره ، وهو صاحب سر النبي صلي الله [ ص: 190 ] عليه وسلم ، وأبوه اسمه حسيل بالتصغير ، واليمان لقب له ، وقتل بأحد شهيدا - رضي الله عنهما - ( فقال مثل ذلك ) : فالحديث من طرقهم صار موقوفا ( ثم أتيت زيد بن ثابت ) : أفضل كتبة الوحي ، وأفرض الصحابة .

قال المصنف : هو زيد بن ثابت الأنصاري ، كاتب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كان له حين قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة إحدى عشرة سنة ، وكان أحد فقهاء الصحابة الأجلة القائم بالفرائض ، وهو أحد من جمع القرآن ، وكتبه في خلافة أبي بكر ، ونقله من المصحف في زمن عثمان ، روى عنه خلق كثير ، مات بالمدينة سنة خمس وأربعين ، وله ست وخمسون سنة . ( فحدثني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك . ) فصار الحديث من طريقه مرفوعا . قال الطيبي : في سؤاله من الصحابة واحدا بعد واحد ، واتفاقهم في الجواب من غير تغيير ، ثم انتهاء الجواب إلى حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - دليل على الإجماع المستند إلى النص الجلي ، فمن خالف ذلك فقد كابر الحق الصريح . ( رواه أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه ) .




الخدمات العلمية