الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                جزء صفحة
                                                                                                                ( الْفَصْلُ الثَّانِي ) ( فِي النِّزَاعِ فِي الْوَدِيعَةِ ) وَفِيهِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ مَسْأَلَةً الْأُولَى ، فِي الْكِتَابِ : يَصْدُقُ فِي رَدِّ الْوَدِيعَةِ وَالْقِرَاضِ إِلَيْكَ ، إِلَّا أَنْ يَقْبِضَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ فَلَا يَبْرَأُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ ، وَلَوْ قَبَضَ بِبَيِّنَةٍ صُدِّقَ فِي الضَّيَاعِ وَالسَّرِقَةِ ، لِأَنَّ الْإِشْهَادَ عَلَيْهِ مُتَعَذَّرٌ ، وَقَالَ الْأَئِمَّةُ : يُصَدَّقُ وَإِنْ قَبَضَ بِبَيِّنَةٍ . لَنَا : أَنَّهُ لَمَّا أَشْهَدْ عَلَيْهِ فَقَدْ جَعَلَهُ أَمِينًا فِي الْحِفْظِ دُونَ الرَّدِّ ، فَقَدِ ادَّعَى مَا لَيْسَ أَمِينًا فِيهِ فَيَضْمَنُ ، وَلِأَنَّ الْغَالِبَ مِمَّنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ أَنَّهُ يَجْتَهِدُ فِي دَفْعِ تِلْكَ الشَّهَادَةِ عَنْهُ بِمَا يَدْفَعُهَا ، بِحَيْثُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ تَعَيَّنَتِ التُّهْمَةُ الْمُوجِبَةُ لِلضَّمَانِ ، وَلِأَنَّ أَصْلَ الْيَدِ : الضَّمَانُ ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ ) خَالَفْنَاهُ فِي مَوَانِعِ الْإِجْمَاعِ ، فَيَبْقَى عَلَى مُقْتَضَاهُ فِي صُوَرِ النِّزَاعِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْلَا الضَّمَانُ حِينَئِذٍ لَانْتَفَتْ فَائِدَةُ الْإِشْهَادِ ، وَلَا يُقَالُ : فَائِدَتُهُ تَعَذُّرُ الْجُحُودِ عَلَيْهِ ، لِأَنَّا نَقُولُ : دَعْوَى الرَّدِّ يَقُومُ مَقَامَهُ . احْتَجُّوا بِالْقِيَاسِ عَلَى صُورَةِ الْقَبْضِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ ضَامِنٍ ابْتِدَاءً عِنْدَ الْقَبْضِ ، فَلَا يَضْمَنُ انْتِهَاءَ عَمَلًا بِالِاسْتِصْحَابِ . وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : أَنَّ الْقَبْضَ بِالْبَيِّنَةِ حَاثٌّ عَلَى الْإِشْهَادِ عِنْدَ الدَّفْعِ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ ، فَلَمَّا خُولِفَتِ الْعَادَةُ اتُّهِمَ ، بِخِلَافِ الْقَبْضِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُوهُ لِلْإِشْهَادِ ، وَعَنِ الثَّانِي : إِنَّ الِاسْتِصْحَابَ مُعَارَضٌ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ التُّهْمَةِ النَّاشِئَةِ عَنْ مُخَالَفَةِ الْعَادَةِ . تَفْرِيعٌ قَالَ صَاحِبُ النُّكَتِ : إِذَا قَبَضَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَاتُّهِمَ حَلَفَ ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، فَإِنْ نَكَلَ : قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : يَضْمَنُ ، وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمَالِكِ ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا اتَّهَمَهُ وَلَمْ يُحَقِّقْ مَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ : يَحْلِفُ عَلَى الرَّدِّ كَانَ مُتَّهَمًا أَمْ لَا ، بِخِلَافِ الضَّيَاعِ ، وَالْفَرْقُ : أَنَّهُ فِي الرَّدِّ يَدَّعِي تَيَقُّنَ كَذِبِ الْمَالِكِ ، وَفِي الضَّيَاعِ لَا عِلْمَ عِنْدِهِ ، وَلَوْ أَخَذَهَا بِحَضْرَةِ قَوْمٍ لَمْ يَقْصِدْ شَهَادَتَهُمْ عَلَيْهِ صُدِّقَ فِي الرَّدِّ بِخِلَافِ الْأَخْذِ بِبَيِّنَةِ ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَقَرَّ بِهَا عِنْدَ بَيِّنَةٍ بِخِلَافِ مَنْ قَصَدَ الْإِشْهَادَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي تَنْبَعِثُ دَاعِيَتُهُ لِلْإِشْهَادِ عِنْدَ الرَّدِّ ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ : إِذَا قَبَضَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ يَصْدُقُ فِي الرَّدِّ مَعَ يَمِينِهِ ، وَقَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ ، وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ : يُصَدَّقُ فِي الضَّيَاعِ وَالسَّرِقَةِ ، يُرِيدُ : وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُتَّهَمَ ، قَالَهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : قِيلَ : لَا يَمِينَ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهَا تُهْمَةٌ وَهُوَ أَمِينٌ ، وَقِيلَ : يَحْلِفُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَدْلًا يَحْلِفُ مُتَّهَمًا كَانَ أَمْ لَا ، لِأَنَّ النَّاسَ قَدْ اسْتَخَفُّوا التُّهَمَ وَتَغَيَّرَ حَالُهُمْ فَيَحْلِفُونَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ ، إِلَّا الْمُبْرِزُ فِي الْخَيْرِ ، وَيَحْلِفُ مُدَّعِي الرَّدِّ وَقَدْ قَبَضَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ، كَانَ مَأْمُونًا أَوْ غَيْرُهُ ، وَالْفَرْقُ : أَنَّ هَذَا يَدَّعِي عَلَيْهِ التَّحْقِيقَ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ ، لِأَنَّهُ يَتَّهِمُهُ ، إِلَّا أَنْ تَطُولَ الْمُدَّةُ بِحَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُسْتَغْنَى عَنْ مَالِكٍ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ لِقِلَّةِ ذَاتِ يَدِكَ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، وَالْقَابِضُ بِبَيِّنَةٍ لَا يَبْرَأُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِشْهَادُ خَوْفَ الْمَوْتِ لِيَأْخُذَهَا مِنْ تَرِكَتِهِ ، أَوْ قَالَ الْمُودَعُ : أَخَافُ أَنْ يَقُولَ : هِيَ سَلَفٌ فَأَشْهَدُ أَنَّهَا وَدِيعَةٌ ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَعْلَمُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِأَنَّ غَيْرَ التَّوَثُّقِ مِنَ الْقَابِضِ فَيُصَدَّقُ فِي الرَّدِّ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ .

                                                                                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                الخدمات العلمية