الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                        بَابٌ . قِسْمُ الصَّدَقَاتِ . اعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ الرَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَخَّرَ هَذَا الْبَابَ إِلَى آخِرِ رُبْعِ الْمُعَامَلَاتِ فَعَطَفَهُ عَلَى قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ ، وَهُنَاكَ ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْأَكْثَرُونَ . وَذَكَرَهُ هَاهُنَا الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي ( الْأُمِّ ) وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَاتٌ ، فَرَأَيْتُ هَذَا أَنْسَبَ وَأَحْسَنَ فَقَدَّمْتُهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . أَصْنَافُ الزَّكَاةِ ثَمَانِيَةٌ . الْأَوَّلُ : الْفَقِيرُ ، وَهُوَ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ وَلَا كَسْبَ ، يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ حَاجَتِهِ ، فَالَّذِي لَا يَقَعُ مَوْقِعًا ، كَمَنْ يَحْتَاجُ عَشَرَةً وَلَا يَمْلِكُ إِلَّا دِرْهَمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ، فَلَا يَسْلُبُهُ ذَلِكَ اسْمَ الْفَقِيرِ . وَكَذَا الدَّارُ الَّتِي يَسْكُنُهَا ، وَالثَّوْبُ الَّذِي يَلْبَسُهُ مُتَجَمِّلًا بِهِ ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ " التَّهْذِيبِ " وَغَيْرُهُ . وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِعَبْدِهِ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى خِدْمَتِهِ ، وَهُوَ فِي سَائِرِ الْأُمُورِ مُلْحَقٌ بِالْمَسْكَنِ . قُلْتُ : قَدْ صَرَّحَ ابْنُ كَجٍّ فِي كِتَابِهِ " التَّجْرِيدِ " : بِأَنَّهُ كَالْمَسْكَنِ وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : الْقَدْرُ الَّذِي يُؤَدَّى بِهِ الدَّيْنُ لَا عِبْرَةَ بِهِ فِي مَنْعِ الِاسْتِحْقَاقِ ، كَمَا لَا عِبْرَةَ لَهُ فِي وُجُوبِ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ ، وَكَذَا فِي الْفِطْرَةِ كَمَا سَبَقَ . وَفِي فَتَاوَى صَاحِبِ " التَّهْذِيبِ " : أَنَّهُ لَا يُعْطَى سَهْمُ الْفُقَرَاءِ حَتَّى يُصْرَفَ مَا عِنْدَهُ إِلَى الدَّيْنِ . قَالَ : وَيَجُوزُ أَخْذُ الزَّكَاةِ - لِمَنْ مَالُهُ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ - إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَى مَالِهِ . وَلَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ ، فَلَهُ أَخْذُ كِفَايَتِهِ إِلَى حُلُولِ الْأَجَلِ . وَقَدْ يَتَرَدَّدُ النَّاظِرُ فِي اشْتِرَاطِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ . فَرْعٌ الْمُعْتَبَرُ فِي عَجْزِهِ عَنِ الْكَسْبِ ، عَجْزُهُ عَنْ كَسْبٍ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ حَاجَتِهِ ، لَا عَنْ أَصْلِ الْكَسْبِ . وَالْمُعْتَبَرُ كَسْبٌ يَلِيقُ بِحَالِهِ وَمُرُوءَتِهِ . وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الْكَسْبِ ، إِلَّا أَنَّهُ مُشْتَغِلٌ بِبَعْضِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَلَوْ أَقْبَلَ عَلَى الْكَسْبِ ، لَانْقَطَعَ عَنِ التَّحْصِيلِ ، حَلَّتْ لَهُ الزَّكَاةُ . أَمَّا الْمُعَطَّلُ الْمُعْتَكِفُ فِي الْمَدْرَسَةِ ، وَمَنْ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ التَّحْصِيلُ ، فَلَا تَحِلُّ لَهُمَا الزَّكَاةُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكَسْبِ . قُلْتُ : هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْمُشْتَغِلِ بِالْعِلْمِ ، هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا . وَذَكَرَ الدَّارِمِيُّ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ . أَحَدُهَا : يَسْتَحِقُّ ، وَالثَّانِي : لَا ، وَالثَّالِثُ : إِنْ كَانَ نَجِيبًا يُرْجَى تَفَقُّهُهُ وَنَفْعُ النَّاسِ بِهِ ، اسْتَحَقَّ ، وَإِلَّا ، فَلَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمَنْ أَقْبَلَ عَلَى نَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ ، وَالْكَسْبُ يَمْنَعُهُ مِنْهَا ، أَوِ اسْتِغْرَاقِ الْوَقْتِ بِهَا ، لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ ، وَإِذَا لَمْ يَجِدِ الْكَسُوبُ مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ ، حَلَّتِ الزَّكَاةُ لَهُ . فَرْعٌ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْفَقْرِ الزَّمَانَةُ وَالتَّعَفُّفُ عَنِ السُّؤَالِ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُعْتَبِرُونَ . وَقِيلَ : قَوْلَانِ . الْجَدِيدُ : كَذَلِكَ ، وَالْقَدِيمُ : يُشْتَرَطُ . فَرْعٌ الْمَكْفِيُّ بِنَفَقَةِ أَبِيهِ أَوْ غَيْرِهِ ، مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ ، وَالْفَقِيرَةُ الَّتِي يُنْفِقُ عَلَيْهَا زَوْجٌ غَنِيٌّ ، هَلْ يُعْطَيَانِ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ ؟ يُبْنَى عَلَى مَسْأَلَةٍ ، وَهِيَ لَوْ وَقَفَ عَلَى فُقَرَاءِ أَقَارِبِهِ ، أَوْ أَوْصَى لَهُمْ ، وَكَانَا فِي أَقَارِبِهِ ، هَلْ يَسْتَحِقَّانِ سَهْمًا مِنَ الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ ؟ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ . أَصَحُّهَا : لَا ، قَالَهُ أَبُو زَيْدٍ وَالْخُضَرِيُّ ، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَغَيْرُهُ ، وَالثَّانِي : نَعَمْ ، قَالَهُ ابْنُ الْحَدَّادِ ، وَالثَّالِثُ : يَسْتَحِقُّ الْقَرِيبُ دُونَ الزَّوْجَةِ ، لِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ عِوَضَهَا ، وَتَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ ، قَالَهُ الْأَوْدَنِيُّ ، وَالرَّابِعُ : عَكْسُهُ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقَرِيبَ تَلْزَمُ كِفَايَتُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، حَتَّى الدَّوَاءِ وَأُجْرَةِ الطَّبِيبِ ، فَانْدَفَعَتْ حَاجَاتُهُ ، وَالزَّوْجَةُ لَيْسَ لَهَا إِلَّا مُقَدَّرٌ ، وَرُبَّمَا لَا يَكْفِيهَا . وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الزَّكَاةِ ، فَإِنْ قُلْنَا : لَا حَقَّ لَهُمَا فِي الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ ، فَالزَّكَاةُ أَوْلَى ، وَإِلَّا فَيُعْطَيَانِ عَلَى الْأَصَحِّ . وَقِيلَ : لَا يُعْطَيَانِ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ . وَالْفَرْقُ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ فِي الْوَقْفِ ، بِاسْمِ الْفَقْرِ ، وَلَا يَزُولُ اسْمُ الْفَقْرِ بِقِيَامِ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ . وَفِي الزَّكَاةِ الْحَاجَةُ ، وَلَا حَاجَةَ مَعَ تَوَجُّهِ النَّفَقَةِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ يَكْسِبُ كُلَّ يَوْمٍ كِفَايَتَهُ ، حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ مِنَ الزَّكَاةِ ، وَإِنْ كَانَ مَعْدُودًا فِي الْفُقَرَاءِ . وَالْخِلَافُ فِي مَسْأَلَةِ الْقَرِيبِ إِذَا أَعْطَاهُ غَيْرُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ أَوِ الْمَسَاكِينِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ غَيْرِهِمَا بِلَا خِلَافٍ . وَأَمَّا الْمُنْفَقُ عَلَيْهِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ، لِغِنَاهُ بِنَفَقَتِهِ ، وَلِأَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ النَّفَقَةَ ، وَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِ ، وَالْغَارِمِ ، وَالْغَازِي ، وَالْمُكَاتَبِ ، إِذَا كَانَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ ، وَكَذَا مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا ، فَلَا يُعْطِيهِ ، لِأَنَّهُ يُسْقِطُ النَّفَقَةَ عَنْ نَفْسِهِ . وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ سَهْمِ ابْنِ السَّبِيلِ مُؤْنَةَ السَّفَرِ دُونَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ سَفَرًا وَحَضَرًا ، فَإِنَّ هَذَا الْقَدْرَ هُوَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ . وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الزَّوْجَةِ ، فَالْوَجْهَانِ يَجْرِيَانِ فِي الزَّوْجِ كَغَيْرِهِ ، لِأَنَّهُ بِالصَّرْفِ إِلَيْهَا لَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ النَّفَقَةَ ، بَلْ نَفَقَتُهَا عِوَضٌ لَازِمٌ ، غَنِيَّةً كَانَتْ أَمْ فَقِيرَةً ، فَصَارَ كَمَنِ اسْتَأْجَرَ فَقِيرًا ، فَلَهُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ مَعَ الْأُجْرَةِ . فَإِنْ مَنَعْنَا ، فَلَوْ كَانَتْ نَاشِزَةً ، فَفِي " التَّهْذِيبِ " . أَنَّهُ يَجُوزُ إِعْطَاؤُهَا ، لِأَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا . وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَكْثَرُونَ : الْمَنْعُ ، لِأَنَّهَا قَادِرَةٌ عَلَى النَّفَقَةِ بِتَرْكِ النُّشُوزِ ، فَأَشْبَهَتِ الْقَادِرَ عَلَى الْكَسْبِ . وَلِلزَّوْجِ أَنْ يُعْطِيَهَا مِنْ سَهْمِ الْمُكَاتَبِ وَالْغَارِمِ قَطْعًا ، وَمِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَبِهِ قُطِعَ فِي " التَّتِمَّةِ " . . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ : لَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَلَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ عَامِلَةً وَلَا غَازِيَةً . وَأَمَّا سَهْمُ ابْنِ السَّبِيلِ ، فَإِنْ سَافَرَتْ مَعَ الزَّوْجِ ، لَمْ تُعْطَ مِنْهُ ، سَوَاءٌ سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ، لِأَنَّ نَفَقَتَهَا عَلَيْهِ فِي الْحَالَيْنِ ، لِأَنَّهَا فِي قَبْضَتِهِ ، وَلَا تُعْطَى مُؤْنَةَ السَّفَرِ إِنْ سَافَرَتْ مَعَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ، لِأَنَّهَا عَاصِيَةٌ . قُلْتُ : قَالَ أَصْحَابُنَا : مُؤْنَةُ سَفَرِهَا مَعَهُ إِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ ، فَهِيَ عَلَيْهِ ، فَلَا تُعْطَى ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ، فَلَا تُعْطَى الْحَمُولَةَ عَلَى الْأَصَحِّ ، لِأَنَّهَا عَاصِيَةٌ . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ : تُعْطَى . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَإِنْ سَافَرَتْ وَحْدَهَا ، فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ ، وَأَوْجَبْنَا نَفَقَتَهَا ، أُعْطِيَتْ مُؤْنَةَ السَّفَرِ فَقَطْ مِنْ سَهْمِ ابْنِ السَّبِيلِ ، وَإِنْ لَمْ نُوجِبْهَا ، أُعْطِيَتْ جَمِيعَ كِفَايَتِهَا ، وَإِنْ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ، لَمْ تُعْطَ مِنْهُ ، لِأَنَّهَا عَاصِيَةٌ . وَيَجُوزُ أَنْ تُعْطَى هَذِهِ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ، بِخِلَافِ النَّاشِزَةِ ، لِأَنَّهَا تَقْدِرُ عَلَى الْعَوْدِ إِلَى طَاعَتِهِ ، وَالْمُسَافِرَةُ لَا تَقْدِرُ . فَإِنْ تَرَكَتْ سَفَرَهَا وَعَزَمَتْ عَلَى الْعَوْدِ إِلَيْهِ ، أُعْطِيَتْ مِنْ سَهْمِ ابْنِ السَّبِيلِ .

                                                                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية