الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب بول الصبيان

220 85 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي فبال على ثوبه ، فدعا بماء ، فأتبعه إياه .

التالي السابق


مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة .

( بيان رجاله ) وهم خمسة والكل قد تقدموا وعبد الله هو التنيسي ، وعروة هو ابن الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه .

( بيان لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع ، والإخبار بصيغة الجمع ، وفيه العنعنة في ثلاث مواضع .

( بيان من أخرجه غيره ) : أخرجه النسائي في الطهارة عن قتيبة ، عن مالك .

( بيان لغته ومعناه ) قوله : " بصبي " قد مر تفسير الصبي الآن ، وذكر الدارقطني من حديث الحجاج بن أرطاة أن هذا الصبي هو عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما ، " وأنها قالت : فأخذته أخذا عنيفا ، فقال صلى الله عليه وسلم : إنه لم يأكل الطعام فلا يضر بوله " ، وفي لفظ : " فإنه لم يطعم الطعام فلم يقذر بوله " ، وقد قيل : إنه الحسن ، وقيل : إنه الحسين ، وقال بعضهم : يظهر لي أن المراد به ابن أم قيس المذكور بعده ، قلت : هذا ليس بظاهر أصلا والظاهر أحد الأقوال الثلاثة ، وأظهرها ما ذكره الدارقطني ، قوله : " فأتبعه إياه " أي فأتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم البول الذي على الثوب الماء وذلك بصبه عليه ، وفي رواية مسلم زاد : " ولم يغسله " ، ولابن المنذر من طريق الثوري عن هشام : " فصب عليه الماء " ، وفي رواية الطحاوي من طريق زائدة الثقفي عن هشام : " فنضحه عليه " .

( بيان استنباط الأحكام ) منها : أن الشافعية احتجوا بهذا على أن بول الصبي يكتفى فيه بإتباع الماء إياه ولا

[ ص: 130 ] يحتاج إلى الغسل لظاهر رواية مسلم ، ولم يغسله ، وعن هذا قال بعضهم بطهارة بوله ، وقال النووي : الخلاف في كيفية تطهير الشيء الذي بال عليه الصبي ، ولا خلاف في نجاسته ، وقد نقل بعض أصحابنا إجماع العلماء على نجاسة بول الصبي ، وأنه لم يخالف فيه إلا داود ، وأما ما حكاه أبو الحسن بن بطال ، ثم القاضي عياض عن الشافعي وغيره أنهم قالوا : بول الصبي طاهر وينضح فحكايته باطلة قطعا ، قلت : هذا إنكار من غير برهان ، ولم ينقل هذا عن الشافعي وحده بل نقل عن مالك أيضا أن بول الصغير الذي لا يطعم طاهر وكذا نقل عن الأوزاعي وداود الظاهري ثم قال النووي : وكيفية طهارة بول الصبي والجارية على ثلاثة مذاهب ، وفيها ثلاثة أوجه لأصحابنا الصحيح المشهور المختار أنه يكفي النضح في بول الصبي ، ولا يكفي في بول الجارية بل لا بد من غسله كغيره من النجاسات ، والثاني أنه يكفي النضح فيهما ، والثالث لا يكفي النضح فيهما ، وهما شاذان ضعيفان ، وممن قال بالفرق : علي بن أبي طالب ، وعطاء بن أبي رباح ، والحسن البصري ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وابن وهب من أصحاب مالك رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، وروي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، قلت : علم من ذلك أن الصحيح من مذهب الشافعي هو التفريق بين حكم بول الصبي ، وبول الصبية قبل أن يأكل الطعام وأنه يدل على أن بول الصبي طاهر ، وبول الصبية نجس وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور .

واحتجوا على ذلك بأحاديث منها : حديث عائشة رضي الله تعالى عنها المذكور ; لأن إتباع الماء البول هو النضح دون الغسل ، ولهذا صرح في رواية مسلم : " ولم يغسله " ، وعدم الغسل دل على طهارة بول الصبي ، ومنها حديث علي رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الرضيع : " يغسل بول الجارية وينضح بول الغلام " ، أخرجه أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، ومنها حديث لبابة بنت الحارث أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : " كان الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبال عليه فقلت : البس ثوبا وأعطني إزارك حتى أغسله ، قال : إنما يغسل من بول الأنثى ، وينضح من بول الذكر " ، أخرجه أبو داود ، وابن ماجه ، وابن خزيمة في صحيحه والكبجي في سننه ، والبيهقي أيضا في سننه من وجوه كثيرة ، والطحاوي أيضا من وجهين ، ومنها حديث أم قيس على ما يأتي عن قريب إن شاء الله ، ومنها حديث زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها ، أخرجه الطبراني في الكبير مطولا ، وفيه : " أنه يصب من الغلام ويغسل من الجارية " ، وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف ، ومنها حديث أبي السمح أخرجه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه قال : " كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم " الحديث ، وفيه : " يغسل من بول الجارية ، ويرش من بول الغلام " ، وأبو السمح بفتح السين المهملة ، وسكون الميم ، وفي آخره حاء مهملة ولا يعرف له اسم ، ولا يعرف له غير هذا الحديث ، كذا قاله أبو زرعة الرازي ، وقيل : اسمه إياد ، ومنها حديث عبد الله بن عمرو أخرجه الطبراني في الأوسط عنه : " أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بصبي فبال عليه فنضحه ، وأتي بجارية ، فبالت عليه فغسله " ، ومنها حديث ابن عباس أخرجه الدارقطني عنه قال : " أصاب النبي صلى الله عليه وسلم أو جلده بول صبي وهو صغير فصب عليه من الماء بقدر البول " ، ومنها حديث أنس بن مالك ، أخرجه الطبراني في الكبير مطولا ، وفيه : " يصب على بول الغلام ويغسل بول الجارية " ، وفي إسناده نافع بن هرمز وأجمعوا على ضعفه ، ومنها حديث أبي أمامة أخرجه أيضا في الكبير : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بالحسين ، فجعل يقبله ، فبال عليه ، فذهبوا ليتناولوه ، فقال : ذروه ، فتركه حتى فرغ من بوله " ، وفي إسناده عمرو بن معدان ، وأجمعوا على ضعفه ، ومنها حديث أم سلمة رضي الله عنها عنده أيضا في الأوسط أن الحسن أو الحسين بال على بطن النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال عليه الصلاة والسلام : " لا تزرموا ابني أو : لا تستعجلوه ، فتركوه حتى قضى بوله ، فدعا بماء فصبه عليه " ، ومنها حديث أم كرز أخرجه ابن ماجه عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " بول الغلام ينضح وبول الجارية يغسل " ، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه ومالك أنه لا يفرق بين بول الصغير والصغيرة في نجاسته ، وجعلوهما سواء في وجوب غسله منهما ، وهو مذهب إبراهيم النخعي ، وسعيد بن المسيب ، والحسن بن حي ، والثوري .

وأجابوا عن ذلك بأن النضح هو صب الماء ; لأن العرب تسمي ذلك نضحا ، وقد يذكر ويراد به الغسل ، وكذلك الرش يذكر ويراد به الغسل .

أما الأول فيدل عليه . ما رواه أبو داود وغيره " عن المقداد بن الأسود أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أمره أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه ؟ قال علي : فإن [ ص: 131 ] عندي ابنته ، وأنا أستحي أن أسأله ، قال المقداد : فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه ، وليتوضأ وضوءه للصلاة " ، ثم الذي يدل على أنه أريد بالنضح ها هنا الغسل ما رواه مسلم وغيره عن علي رضي الله تعالى عنه قال : " كنت رجلا مذاء ، فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته ، فأمرت المقداد بن الأسود ، فسأله ، فقال : يغسل ذكره ويتوضأ " ، والقصة واحدة ، والراوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحد ، ومما يدل على أن النضح يذكر ويراد به الغسل ما رواه الترمذي وغيره عن سهل بن حنيف قال : " كنت ألقى من المذي شدة ، وكنت أكثر منه الغسل ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إنما يجزيك من ذلك الوضوء ، قلت : يا رسول الله ، فكيف بما يصيب ثوبي منه ، فقال : يكفيك أن تأخذ كفا من ماء فتنضح به من ثوبك حيث يرى أنه أصابه " ، وأنه أراد بالنضح ها هنا الغسل .

وأما الثاني وهو أن الرش يذكر ويراد به الغسل فقد صح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لما حكى وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ غرفة من ماء ، فرش على رجله اليمنى حتى غسلها ، وأراد بالرش ها هنا صب الماء قليلا قليلا ، وهو الغسل بعينه .

ومما يدل على أن النضح والرش يذكران ويراد بهما الغسل قوله عليه الصلاة والسلام في حديث أسماء رضي الله تعالى عنها : " تحته ثم تقرصه بالماء ، ثم تنضحه ، ثم تصلي فيه " ، معناه تغسله هذا في رواية الصحيحين ، وفي رواية الترمذي : " حتيه ، ثم اقرصيه ، ثم رشيه ، وصلي فيه " ، أراد : اغسليه ، قاله البغوي ، فلما ثبت أن النضح والرش يذكران ويراد بهما الغسل وجب حمل ما جاء في هذا الباب من النضح والرش على الغسل بمعنى إسالة الماء عليه من غير عرك ، لأنه متى صب الماء عليه قليلا قليلا حتى تقاطر وسال حصل الغسل ; لأن الغسل هو الإسالة فافهم .

فإن قلت : قد صرح في رواية مسلم وغيره : " فأتبعه بوله ولم يغسله " ، فكيف يحمل النضح والرش على الغسل ؟ قلت : معناه : ولم يغسله بالعرك كما يغسل الثياب إذا أصابتها النجاسة ، ونحن نقول به ، قال النووي : وأما حقيقة النضح ها هنا فقد اختلف أصحابنا فيها فذهب الشيخ أبو محمد الجويني ، والقاضي حسين ، والبغوي إلى أن معناه أن الشيء الذي أصابه البول يغمر بالماء كسائر النجاسات بحيث لو عصر لانعصر ، وذهب إمام الحرمين والمحققون إلى أن النضح أن يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا يبلغ جريان الماء وتقاطره بخلاف المكاثرة في غيره ، فإنه يشترط فيها أن يكون بحيث يجري بعض الماء ويتقاطر من المحل ، وإن لم يشترط عصره ، وهذا هو الصحيح المختار ، ثم إن النضح إنما يجزئ ما دام الصبي يقتصر به على الرضاع ، أما إذا أكل الطعام على جهة التغذية فإنه يجب الغسل بلا خلاف ، وسنقول معنى النضح مما قاله أهل اللغة في الحديث الآتي ، ولا فرق بين النضح والغسل فيما قاله البغوي والجويني ، وقال ابن دقيق العيد : اتبعوا في ذلك القياس ، أراد أن الحنفية اتبعوا في هذه المسألة القياس ، يعني تركوا الأحاديث الصحيحة ، وذهبوا إلى القياس ، وقالوا : المراد من قولها ، أي : من قول أم قيس : ولم يغسله ، أي : غسلا مبالغا فيه ، وهو خلاف الظاهر .

ويبعده ما ورد في الأحاديث الأخر التي فيها التفرقة بينهما أوجه ، منها ما هو ركيك وأقوى ذلك ما قيل : إن النفوس أعلق بالذكور منها بالإناث ، يعني : فحصلت الرخصة في الذكور لكثرة المشقة ، قلت : نقل عن بعضهم للغمز على الحنفية ، ولكن هذا لا يشفي علتهم ، فقوله : " اتبعوا في ذلك القياس " غير صحيح لأنهم ما اتبعوا في ذلك إلا الأحاديث التي احتج خصمهم بها ، ولكن على غير الوجه الذي ذكروا ، وقد ذكرناه الآن محررا على أنه قد روي عن بعض المتقدمين من التابعين ما يدل على أن الأبوال كلها سواء في النجاسة ، وأنه لا فرق بين بول الذكر والأنثى ، فمنها ما رواه الطحاوي ، وقال : حدثنا محمد بن خزيمة ، قال : حدثنا حجاج ، قال : حدثنا حماد ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب أنه قال : الرش بالرش ، والصب بالصب من الأبوال كلها ، حدثنا محمد بن خزيمة قال : حدثنا حجاج ، قال : حدثنا حماد ، عن حميد ، عن الحسن أنه قال : بول الجارية يغسل غسلا ، وبول الغلام يتبع بالماء ، أفلا يرى أن سعيدا قد سوى بين حكم الأبوال كلها من الصبيان وغيرهم ، فجعل ما كان منه رشا يطهر بالرش ، وما كان منه صبا يطهر بالصب ، ليس ; لأن بعضها عنده طاهر وبعضها غير طاهر ، ولكنها كلها عنده نجسة ، وفرق بين التطهير من نجاستها عنده بضيق مخرجها وسعته ، انتهى كلام الطحاوي ، ومعنى قوله : " وفرق " إلى آخره ، أن مخرج البول من الصبي ضيق فيرش البول ، ومن الجارية واسع فيصب البول صبا ، فيقابل الرش بالرش ، والصب بالصب .

ومنها أن فيه الندب إلى حسن المعاشرة ، واللين ، والتواضع ، والرفق بالصغار ، وغيرهم .

ومنها استحباب حمل الأطفال إلى أهل الفضل للتبرك بهم ، وسواء في هذا الاستحباب المولود حال ولادته أو بعدها .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث