الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب بول الصبيان

221 [ ص: 132 ] 86 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره ، فبال على ثوبه ، فدعا بماء ، فنضحه ، ولم يغسله .

التالي السابق


مطابقته للترجمة ظاهرة .

( بيان رجاله ) : وهم خمسة تقدموا كلهم ، وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري ، وأم قيس بفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف ، ومحصن بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة وفي آخره نون وهي أخت عكاشة بن محصن ، أسلمت بمكة قديما وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم ، وهاجرت إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم روي لها أربعة وعشرون حديثا في الصحيحين منها اثنان ، وهي من المعمرات ، وقال ابن عبد البر اسمها جذامة بالجيم والذال المعجمة ، وقال السهيلي اسمها آمنة ، وذكرها الحافظ الذهبي في ( تجريد الصحابة ) في الكنى ، ولم يذكر لها اسما .

( بيان لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، والإخبار بصيغة الجمع في موضع ، والعنعنة في ثلاث مواضع ، ورواته ما بين تنيسي ومدني .

( بيان من أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري هنا فقط ، وأخرجه بقية الجماعة ، فمسلم في الطب عن ابن أبي عمر ، وفيه : وفي الطهارة عن يحيى بن يحيى ، وأبي بكر بن أبي شيبة ، وعمرو الناقد ، وأبي خيثمة زهير بن حرب خمستهم عن سفيان بن عيينة ، وفي الطهارة أيضا عن محمد بن رمح ، عن الليث بن سعد ، وعن حرملة بن يحيى ، عن ابن وهب ، عن يونس ثلاثتهم عن الزهري به ، وخرجه أبو داود في الطهارة ، عن القعنبي ، عن مالك به ، والترمذي فيه عن قتيبة ، وأحمد بن منيع كلاهما عن سفيان بن عيينة به ، والنسائي فيه عن قتيبة عن مالك ، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح كلاهما عن سفيان به .

( بيان لغته وإعرابه ) : قوله : " بابن لها " ، الابن لا يطلق إلا على الذكر بخلاف الولد ، قوله : " صغير " ، هو ضد الكبير ، ولكن المراد منه الرضيع لأنه فسره بقوله : " لم يأكل الطعام " ، فإذا أكل يسمى فطيما ، وغلاما أيضا إلى سبع سنين ، وقال الزمخشري : الغلام هو الصغير إلى حد الالتحاء ، وقال بعضهم من أهل اللغة : ما دام الولد في بطن أمه فهو جنين ، فإذا ولدته يسمى صبيا ما دام رضيعا ، فإذا فطم يسمى غلاما إلى سبع سنين ، فمن هذا عرفت أن الصغير يطلق إلى حد الالتحاء من حين يولد ، فلذلك قيد في الحديث بقوله : " لم يأكل الطعام " ، والطعام في اللغة ما يؤكل ، وربما خص الطعام بالبر ، وفي حديث أبي سعيد : " كنا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام أو صاعا من شعير " ، والطعم بالفتح ما يؤديه الذوق ، يقال : طعمه مر ، والطعم بالضم الطعام ، وقد طعم يطعم طعما فهو طاعم إذا أكل وذاق ، مثل : غنم يغنم غنما فهو غانم ، قال تعالى : فإذا طعمتم فانتشروا وقال تعالى : ومن لم يطعمه فإنه مني أي من لم يذقه ، قاله الجوهري ، وقال الزمخشري أيضا : ومن لم يطعمه : ومن لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه ، ومنه طعم الشيء لمذاقه قال : (

وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا

) .

ألا ترى كيف عطف عليه البرد وهو النوم ، قلت : أول البيت : (

وإن شئت حرمت النساء سواكم

) .

والنقاخ بضم النون وبالقاف والخاء المعجمة الماء العذب ، وقال بعضهم : وقد أخذه من كلام النووي المراد من الطعام ما عدا اللبن الذي يرتضعه ، والتمر الذي يحنك به ، والعسل الذي يلعقه للمداواة ، وغيرها ، قلت : لا يحتاج إلى هذه التقديرات ; لأن المراد من قوله : " لم يأكل الطعام " لم يقدر على مضغ الطعام ، ولا على دفعه إلى باطنه لأنه رضيع لا يقدر على ذلك ، أما اللبن فإنه مشروب غير مأكول ، فلا يحتاج إلى استثنائه ، لأنه لم يدخل في قوله : " لم يأكل الطعام " ، حتى يستثنى منه ، وأما التمر الذي يحنك به أو العسل الذي يلعقه ، فليس باختياره بل بعنف من فاعله قصدا للتبرك أو المداواة ، فلا حاجة أيضا لاستثنائهما ، فعلم مما ذكرنا أن المراد من قوله : " لم يأكل الطعام " أي قصدا أو استقلالا أو تقويا ، فهذا شأن الصغير الرضيع ، وقد علمت من هذا أن الذي نقله القائل المذكور من النووي ، ومن نكت التنبيه صادر من غير روية ، ولا تحقيق ، وكذلك لا يحتاج إلى سؤال الكرماني وجوابه ها هنا بقوله : فإن قلت اللبن طعام ، فهل يخص الطعام بغير اللبن أم لا ؟ قلت : الطعام هو ما يؤكل ، واللبن مشروب لا مأكول ، فلا يخصص قوله : " فأجلسه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم " الضمير المنصوب فيه يرجع إلى الابن .

[ ص: 133 ] قال بعضهم : أي وضعه إن قلنا : إنه كان كما ولد ، ويحتمل أن يكون الجلوس حصل منه على العادة ، إن قلنا : إنه كان في سن من يحبو ، قلت : ليس المعنى كذلك ; لأن الجلوس يكون عن نوم أو اضطجاع ، وإذا كان قائما كانت الحال التي يخالفها القعود ، والمعنى ها هنا أقامه عن مضجعه ; لأن الظاهر أن أم قيس أتت به وهو في قماطه مضطجع ، فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم أي أقام في حجره ، وإن كانت أتت به وهو في يدها بأن كان عمره مقدار سنة أو جاوزها قليلا ، والحال أنه رضيع يكون المعنى : تناوله منها وأجلسه في حجره ، وهو يمسكه لعدم مسكته ; لأن أصل تركيب هذه المادة يدل على ارتفاع في الشيء ، والحجر بكسر الحاء وفتحها وسكون الجيم لغتان مشهورتان ، قوله : " فبال على ثوبه " ، الظاهر أن الضمير في ثوبه يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد قيل : إنه يرجع إلى الابن ، أي بال الابن على ثوب نفسه وهو في حجره صلى الله عليه وسلم ، فنضح عليه الماء خوفا أن يكون طار على ثوبه منه شيء ، قلت : هذا مما يؤيد قول الحنفية ، وقد نسب هذا القول إلى ابن شعبان ، قوله : " فنضحه " قد ذكرنا أن النضح هو الرش ، وقال ابن سيده : نضح الماء عليه ينضحه نضحا إذا ضربه بشيء ، فأصابه منه رشاش ، ونضح عليه الماء رش ، وقال ابن الأعرابي : النضح ما كان على اعتماد ، والنضخ ما كان على غير اعتماد ، وقيل : هما لغتان بمعنى ، وكله رش ، قلت : الأول بالحاء المهملة ، والثاني بالخاء المعجمة ، وفي ( الواعي ) لأبي محمد ، ( والصحاح ) لأبي نصر ، ( والمجمل ) لابن فارس ، ( والجمهرة ) لابن دريد ، وابن القوطية ، وابن القطاع ، وابن طريف في ( الأفعال ) ، والفارابي في ( ديوان الأدب ) ، وكراع في ( المنتخب ) ، وغيرهم : النضح : الرش ، وقد استقصينا الكلام به في الحديث السابق مستقصى ، قوله : " ولم يغسله " ، ولمسلم من طريق الليث عن ابن شهاب : " فلم يزد على أن نضح بالماء " ، وله من طريق ابن عيينة ، عن ابن شهاب : فرشه ، وقال بعضهم : ولا تخالف بين الروايتين بين نضح ورش ; لأن المراد به : أن الابتداء كان بالرش ، وهو بتنقيط الماء ، فانتهى إلى النضح ، وهو صب الماء ، ويؤيده رواية مسلم في حديث عائشة من طريق جرير ، عن هشام : " فدعا بماء فصبه عليه " ، ولأبي عوانة : " فصبه على البول يتبعه إياه " ، قلت : عدم التخالف بين الروايتين ليس من الوجه الذي ذكره بل باعتبار أن النضح والرش بمعنى كما ذكرنا عن الكتب المذكورة ، والوجه الذي ذكره ليس بوجه على ما لا يخفى ، وأما رواية مسلم فإنها تثبت أن النضح بمعنى الصب ; لأن الأحاديث المذكورة في هذا الباب باختلاف ألفاظها تنتهي إلى معنى واحد دفعا للتضاد ، ألا ترى أن أم الفضل لبابة بنت الحارث قد روي عنها حديثان أحدهما فيه النضح ، والثاني فيه الصب ، فحمل النضح على الصب دفعا للتضاد ، وعملا بالحديثين على أن الأحاديث الواردة في حكم واحد باختلاف ألفاظها يفسر بعضها بعضا ، ومن الدليل على أن النضح هو صب الماء والغسل من غير عرك قول العرب : غسلني السماء ، وإنما يقولون ذلك عند انصباب المطر عليهم ، وكذلك يقال : غسلني التراب إذا انصب عليه ، فإن قلت : يعكر على هذا قوله : " فنضحه ولم يغسله " ، قلت : قد مر جوابه في تفسير الحديث السابق على أن الأصيلي ادعى أن قوله : " ولم يغسله " من كلام ابن شهاب راوي الحديث ، وأن المرفوع انتهى عند قوله : " فنضحه " ، قال : وكذلك رواه معمر عن ابن شهاب ، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة قال : فرشه ولم يزد على ذلك .

( وأما الإعراب ) : فقوله : " لها " جملة في محل الجر ، لأنها صفة لابن ، وكذلك قوله : " صغير " بالجر صفة ابن ، وكذلك قوله : " لم يأكل الطعام " ، وقوله : " إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، كلمة : " إلى " تتعلق بقوله : " أتت " ، والفاءات الأربعة للعطف بين الكلام بمعنى التعقيب .

( بيان استنباط الأحكام ) : منها حكم بول الغلام الرضيع ، وقد مر الكلام فيه مستقصى ، ومنها الرفق بالصغار والشفقة عليهم ، ألا ترى أن سيد الأولين والآخرين كيف كان يأخذهم في حجره ويتلطف بهم حتى إن منهم من يبول على ثوبه فلا يؤثر فيه ذلك ، ولا يتغير ، ولهذا كان يخفف الصلاة عند سماعه بكاء الصبي وأمه وراءه ، وروي عنه أنه قال : من لم يرحم صغيرنا فليس منا ، ومنها حمل الأطفال إلى أهل الفضل والصلاح ليدعوا لهم سواء كان عقيب الولادة أو بعدها ، وقال بعضهم : حمل الأطفال حال الولادة ، قلت : حملهم حال الولادة غير متصور ، فهذا كلام صادر عن غير ترو ، وأيضا قال هذا القائل : في هذا الحديث من الفوائد كذا وكذا ، وعد منها تحنيك المولود ، وليس في الحديث ما يدل على ذلك صريحا ، وإن كان جاء هذا في أحاديث أخر ; لأن ظاهر الحديث يدل على أن أم قيس إنما أتت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأجل التبرك ، ولدعائه له ; لأن من [ ص: 134 ] دعا له هذا النبي الكريم يسعد في الدنيا والآخرة ، وإن كان فيه احتمال التحنيك .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث