الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


باب صوم التطوع وما يتعلق به ( وأفضله ) أي صوم التطوع صوم ( يوم و ) فطر ( يوم ) نصا لقوله صلى الله عليه وسلم لابن عمرو { صم يوما وأفطر يوما فذلك صيام داود ، وهو أفضل الصيام قلت : فإني أطيق أفضل من ذلك فقال : لا أفضل من ذلك } متفق عليه ( وسن ) صوم ( ثلاثة ) أيام ( من كل شهر ) لقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو { صم من الشهر ثلاثة أيام فإن الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر } متفق عليه ( وأيام ) الليالي ( البيض أفضل وهي ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس [ ص: 493 ] عشرة ) لحديث أبي ذر { يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام فصم ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر } .

رواه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه وسميت لياليها بالبيض : لبياض ليلها كله بالقمر ( و ) سن صوم يوم ( الاثنين و ) يوم ( الخميس ) لأنه صلى الله عليه وسلم كان يصومهما فسئل عن ذلك ؟ فقال : { إن أعمال الناس تعرض يوم الاثنين والخميس } رواه أبو داود عن أسامة بن زيد .

وفي لفظ { وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم } ( و ) سن صوم ( ستة من شوال ، والأولى تتابعها ، و ) كونها ( عقب العيد وصائمها مع رمضان كأنما صام الدهر ) لحديث أبي أيوب مرفوعا { من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر } رواه أبو داود والترمذي وحسنه .

قال أحمد : هو من ثلاثة أوجه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجري مجرى التقديم لرمضان لأن يوم العيد فاصل ولسعيد عن ثوبان مرفوعا { من صام رمضان شهرا بعشرة أشهر ، وصام ستة أيام بعد الفطر ، وذلك سنة ، أي : الحسنة بعشر أمثالها فالشهر بعشرة أشهر والستة بستين يوما وذلك سنة } والمراد بالخبر الأول : التشبيه بصوم الدهر في حصول العبادة به على وجه لا مشقة فيه كحديث { من صام ثلاثة أيام من كل شهر } مع أن ذلك لا يكره بل يستحب وتحصل فضيلتها متتابعة ومتفرقة .

( و ) سن ( صوم ) شهر الله ( المحرم ) لحديث { أفضل الصلاة بعد المكتوبة جوف الليل ، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم } رواه مسلم ، وغيره من حديث أبي هريرة ولعله صلى الله عليه وسلم لم يكثر الصوم فيه لعذر ، أو لم يعلم فضله إلا آخرا .

قال ابن الأثير : إضافته إلى الله تعالى تعظيما وتفخيما كقولهم : بيت الله وآل الله ، لقريش ( وآكده ) وعبارة بعضهم : أفضله ( العاشر ) ويسمى عاشوراء وينبغي التوسعة فيه على العيال قاله في المبدع ( وهو ) أي : صوم عاشوراء ( كفارة سنة ) لحديث { إني لأحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله } ( ثم ) يلي عاشوراء في الآكدية ( التاسع ) ويسمى تاسوعاء لحديث ابن عباس مرفوعا { لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر } رواه الخلال واحتج به أحمد .

( و ) يسن صوم ( عشر ذي الحجة ) أي : [ ص: 494 ] التسعة الأول منه لحديث { ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله تعالى من هذه الأيام العشر } ( وآكده يوم عرفة وهو ) أي : صومه ( كفارة سنتين ) لحديث مسلم عن أبي قتادة مرفوعا في صومه { إني لأحتسب على الله تعالى أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده } قال في الفروع : والمراد الصغائر حكاه في شرح مسلم عن العلماء فإن لم تكن صغائر رجي التخفيف من الكبائر فإن لم تكن رفعت الدرجات ( ولا يسن ) صوم يوم عرفة ( لمن بها ) أي : بعرفة لحديث أبي هريرة مرفوعا { نهى صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم عرفة بعرفة } رواه أبو داود ، ولأنه يضعفه ويمنعه الدعاء فيه في ذلك الموقف الشريف ( إلا لمتمتع وقارن عدما الهدي ) فيستحب أن يجعلا آخر صيام الثلاثة في الحج يوم عرفة ويأتي .

( ثم ) يلي يوم عرفة في الآكدية يوم ( التروية ) وهو ثامن ذي الحجة لحديث { صوم يوم التروية كفارة سنة } الحديث رواه أبو الشيخ في الثواب وابن النجار عن ابن عباس مرفوعا ( وكره إفراد رجب ) بصوم .

قال أحمد : من كان يصوم السنة صامه وإلا فلا يصمه متواليا بل يفطر فيه ولا يشبهه برمضان ا هـ . لما روى أحمد عن خرشة بن الحر قال " رأيت عمر يضرب أكف المترجبين ، حتى يضعوها في الطعام ويقول : كلوا ، فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية " وبإسناده عن ابن عمر " أنه كان إذا رأى الناس وما يعدونه لرجب كرهه وقال " صوموا منه وأفطروا " ولا يكره إفراد شهر غيره .

( و ) كره إفراد يوم ( الجمعة ) بصوم لحديث أبي هريرة مرفوعا { لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده } متفق عليه .

( و ) كره إفراد يوم ( السبت بصوم ) لحديث { لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم } حسنه الترمذي ، فإن صام معه غيره لم يكره لحديث أبي هريرة وجويرية قال في الكافي : فإن صامهما أي : الجمعة والسبت معا لم يكره لحديث أبي هريرة .

( و ) كره ( صوم يوم الشك ، وهو الثلاثون من شعبان ، إذا لم يكن حين الترائي علة ) من نحو غيم أو قتر لأحاديث النهي عنه ( إلا أن يوافق ) يوم الجمعة أو السبت أو الشك ( عادة ، أو يصله ) أي : يوم الشك ( بصيام قبله ) ويتقدم عن رمضان بأكثر من يومين فلا يكره نصا لظاهر خبر أبي هريرة [ ص: 495 ] { لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين ، إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه } أو يكون صومه ( قضاء ) عن رمضان ( أو ) يكون ( نذرا ) فيصومه لوجوبه ، ومثله صومه عن كفارة .

( و ) كره صوم يوم ( النيروز والمهرجان ) هما عيدان للكفار ( و ) صوم ( كل عيد للكفار أو يوم يفردونه بتعظيم ) قياسا على يوم السبت ، ما لم يوافق عادة أو يصمه عن قضاء رمضان ، أو نذر ونحوه .

( و ) كره ( تقدم ) صوم ( رمضان بصوم يوم أو يومين ) لا بأكثر لحديث أبي هريرة .

( و ) كره ( وصال ) بأن لا يفطر بين اليومين فأكثر ( إلا من النبي صلى الله عليه وسلم ) لحديث ابن عمر { واصل النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان فواصل الناس فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال فقالوا : إنك تواصل قال : إني لست مثلكم إني أطعم وأسقى } متفق عليه ولم يحرم لأن النهي وقع رفقا ورحمة و ( لا ) يكره الوصال ( إلى السحر ) لحديث أبي سعيد مرفوعا { فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر } رواه البخاري ( وتركه ) أي : الوصال إلى السحر ( أولى ) من فعله لفوات فضيلة تعجيل الفطر .

( ولا يصح صوم أيام التشريق ) لحديث { وأيام منى أيام أكل وشرب } رواه مسلم مختصرا ( إلا عن دم متعة أو قران ) لمن عدمه فيصح صومها عنه لقول ابن عمر وعائشة " لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي " رواه البخاري ( ولا ) يصح صوم ( يوم عيد مطلقا ) لا فرضا ولا نفلا ( ويحرم ) صومه لحديث أبي هريرة مرفوعا { نهي عن صوم يومين يوم فطر ويوم أضحى } متفق عليه ولا يكره صوم الدهر إن لم يترك به حقا ولا يخاف منه ضررا ، ولا صام أيام النهي

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث