الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

ثم اختلف في اعتبار مدة المسح أنه من أي وقت يعتبر ؟ فقال عامة العلماء يعتبر من وقت الحدث بعد اللبس ، فيمسح من وقت الحدث إلى وقت الحدث وقال بعضهم : يعتبر من وقت اللبس ، فيمسح من وقت اللبس إلى وقت اللبس .

وقال بعضهم : يعتبر من وقت المسح ، فيمسح من وقت المسح إلى وقت المسح حتى لو توضأ بعد ما انفجر الصبح ، ولبس خفيه ، وصلى الفجر ، ثم أحدث بعد طلوع الشمس ، ثم توضأ ، ومسح على خفيه بعد زوال الشمس ، فعلى قول العامة يمسح إلى ما بعد طلوع الشمس من اليوم الثاني إن كان مقيما ، وإن كان مسافرا يمسح إلى ما بعد طلوع الشمس من اليوم الرابع ، وعلى قول من اعتبر وقت اللبس ، يمسح إلى ما بعد انفجار الصبح من اليوم الثاني إن كان مقيما ، وإن كان مسافرا إلى ما بعد انفجار الصبح من اليوم الرابع ، وعلى قول من اعتبر وقت المسح يمسح إلى ما بعد زوال الشمس من اليوم الثاني إن كان مقيما .

وإن كان مسافرا يمسح إلى ما بعد زوال الشمس من اليوم الرابع ، والصحيح اعتبار وقت الحدث بعد اللبس ; لأن الخف جعل مانعا من سراية الحدث إلى القدم ، ومعنى المنع إنما يتحقق عند الحدث ، فيعتبر ابتداء المدة من هذا الوقت ; لأن هذه المدة ضربت توسعة ، وتيسيرا لتعذر نزع الخفين في كل زمان ، والحاجة إلى التوسعة عند الحدث ; لأن الحاجة إلى النزع عنده ، ولو توضأ ، ولبس خفيه ، وهو مقيم ثم سافر ، فإن سافر بعد استكمال مدة الإقامة ، لا تتحول مدته إلى مدة مسح السفر ; لأن مدة الإقامة لما تمت سرى الحدث السابق إلى القدمين ، فلو جوزنا المسح صار الخف رافعا للحدث لا مانعا ، وليس هذا عمل الخف في الشرع .

وإن سافر قبل أن يستكمل مدة الإقامة ، فإن سافر قبل الحدث ، أو بعد [ ص: 9 ] الحدث ، قبل المسح ، تحولت مدته إلى مدة السفر من وقت الحدث بالإجماع ، وإن سافر بعد المسح فكذلك عندنا ، وعند الشافعي لا يتحول ، ولكنه يمسح تمام مدة الإقامة ، وينزع خفيه ، ويغسل رجليه ، ثم يبتدئ مدة السفر ، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم { يمسح المقيم يوما ، وليلة } ، ولم يفصل .

( ولنا ) قوله صلى الله عليه وسلم { ، والمسافر ثلاثة أيام ، ولياليها } ، وهذا مسافر ، ولا حجة له في صدر الحديث لأنه يتناول المقيم وقد بطلت الإقامة بالسفر ، هذا إذا كان مقيما فسافر .

وأما إذا كان مسافرا فأقام فإن أقام بعد استكمال مدة السفر نزع خفيه ، وغسل رجليه ، لما ذكرنا ، وإن أقام قبل أن يستكمل مدة السفر فإن أقام بعد تمام يوم ، وليلة ، أو أكثر ، فكذلك ينزع خفيه ، ويغسل رجليه ; لأنه لو مسح لمسح ، وهو مقيم أكثر من يوم ، وليلة ، وهذا لا يجوز ، وإن أقام قبل تمام يوم ، وليلة أتم يوما ، وليلة ; لأن أكثر ما في الباب أنه مقيم فيتم مدة المقيم ، ثم ما ذكرنا من تقدير مدة المسح بيوم ، وليلة في حق المقيم ، وبثلاثة أيام ، ولياليها في حق المسافر ، في حق الأصحاء .

فأما في حق أصحاب الأعذار ، كصاحب الجرح السائل ، والاستحاضة ، ومن بمثل حالهما فكذلك الجواب عند زفر وأما عند أصحابنا الثلاثة فيختلف الجواب ، إلا في حالة واحدة ، وبيان ذلك أن صاحب العذر إذا توضأ ، ولبس خفيه فهذا على أربعة أوجه : أما إن كان الدم منقطعا وقت الوضوء ، واللبس وأما إن كان سائلا في الحالين جميعا وأما إن كان منقطعا وقت الوضوء ، سائلا وقت اللبس .

وأما إن كان سائلا وقت الوضوء ، منقطعا وقت اللبس ، فإن كان منقطعا في الحالين ، فحكمه حكم الأصحاء ; لأن السيلان وجد عقيب اللبس ، فكان اللبس على طهارة كاملة ، فمنع الخف سراية الحدث إلى القدمين ما دامت المدة باقية .

وأما في الفصول الثلاثة ، فإنه يمسح ما دام الوقت باقيا ، فإذا خرج الوقت نزع خفيه ، وغسل رجليه ، عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر يستكمل مدة المسح كالصحيح وجه قوله أن طهارة صاحب العذر طهارة معتبرة شرعا ; لأن السيلان ملحق بالعدم ، ألا ترى أنه يجوز أداء الصلاة بها ، فحصل اللبس على طهارة كاملة ، فألحقت بطهارة الأصحاء .

( ولنا ) أن السيلان ملحق بالعدم في الوقت ، بدليل أن طهارته تنتقض بالإجماع إذا خرج الوقت ، وإن لم يوجد الحدث ، فإذا مضى الوقت صار محدثا من وقت السيلان .

والسيلان كان سابقا على لبس الخف ، ومقارنا له ، فتبين أن اللبس حصل لا على الطهارة ، بخلاف الفصل الأول ; لأن السيلان ثمة وجد عقيب اللبس ، فكان اللبس حاصلا عن طهارة كاملة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث