الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس

جزء التالي صفحة
السابق

الوجه السادس عشر - أن رحمته سبحانه سبقت غضبه في المعذبين ، فإنه أنشأهم برحمته ورباهم برحمته ورزقهم وعافاهم برحمته وأرسل إليهم الرسل برحمته .

وأسباب النقمة والعذاب متأخرة عن أسباب الرحمة طارئة عليها فرحمته سبقت غضبه فيهم ، وخلقهم على خلقة تكون رحمته إليهم أقرب من غضبه وعقوبته ; ولهذا ترى أطفال الكفار قد ألقى عليهم رحمته فمن رآهم رحمهم ، ولهذا نهى عن قتلهم فرحمته سبقت غضبه فيهم فكانت هي السابقة إليهم ، ففي كل حال هم في رحمته في حال معافاتهم وابتلائهم . وإذا كانت الرحمة هي السابقة فيهم لم يبطل أثرها بالكلية ، وإن عارضها أثر الغضب والسخط فذلك لسبب منهم ، وأما أثر الرحمة فسببه منه سبحانه ، فما منه يقتضي رحمتهم ، وما منهم يقتضي عقوبتهم ، والذي منه سابق وغالب . وإذا كانت رحمته تغلب غضبه فلأن يغلب أثر الرحمة أثر الغضب أولى وأحرى .

الوجه السابع عشر - أنه سبحانه يخبر عن العذاب أنه عذاب يوم عقيم ، وعذاب يوم عظيم ، وعذاب يوم أليم ، ولا يخبر عن النعيم أنه نعيم يوم ولا في موضع واحد . وقد ثبت في الصحيح تقدير يوم القيامة بخمسين ألف سنة ، والمعذبون متفاوتون في مدة لبثهم في العذاب بحسب جرائمهم ، والله سبحانه جعل العذاب على ما كان من الدنيا وأسبابها ، وما أريد به الدنيا ولم يرد به الله فالعذاب على ذلك ، وأما ما كان للآخرة وأريد به وجه الله فلا عذاب عليه ، والدنيا قد جعل لها أجل تنتهي إليه ، فما انتقل منها إلى تلك الدار مما ليس لله فهو المعذب به .

وأما ما أريد به وجه الله والدار الآخرة فقد أريد به ما لا يفنى ولا يزول فيدوم بدوام المراد به ، فإن الغاية المطلوبة إذا كانت دائمة لا تزول لم يزل ما تعلق بها ، بخلاف الغاية المضمحلة الفانية فما أريد به غير الله يضمحل ويزول بزوال مراده ومطلوبه ، وما أريد به وجه الله يبقى ببقاء المطلوب المراد ، فإذا اضمحلت الدنيا وانقطعت أسبابها وانتقل ما كان فيها لغير الله من الأعمال والذوات وانقلب عذابا وآلاما لم يكن له متعلق يدوم بدوامه بخلاف النعيم . الوجه الثامن عشر - أنه ليس في حكمة أحكم الحاكمين أن يخلق خلقا يعذبهم أبد الآباد [ ص: 80 ] عذابا سرمدا لا نهاية له ولا انقطاع أبدا ، وقد دلت الأدلة السمعية والعقلية والفطرية على أنه سبحانه حكيم وأنه أحكم الحاكمين ، فإذا عذب خلقه عذبهم بحكمة كما يوجد التعذيب والعقوبة في الدنيا في شرعه وقدره فإن فيه من الحكم والمصالح وتطهير العبد ومداواته وإخراج المواد الردية عنه بتلك الآلام ما تشهده العقول الصحيحة ، وفي ذلك من تزكية النفوس وصلاحها وزجرها وردع نظائرها وتوقيفها على فقرها وضرورتها إلى ربها وغير ذلك من الحكم والغايات الحميدة مما لا يعلمه إلا الله .

ولا ريب أن الجنة طيبة لا يدخلها إلا طيب ; ولهذا يحاسبون - إذا قطعوا الصراط على قنطرة بين الجنة والنار - فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا ، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة ، ومعلوم أن النفوس الشريرة الخبيثة المظلمة التي لو ردت إلى الدنيا قبل العذاب لعادت لما نهيت عنه لا يصلح أن تسكن دار السلام في جوار رب العالمين ، فإذا عذبوا بالنار عذابا يخلص نفوسهم من ذلك الخبث والوسخ والدرن كان ذلك من حكمة أحكم الحاكمين ورحمته ، ولا ينافي الحكمة خلق نفوس فيها شر يزول بالبلاء الطويل والنار كما يزول بها خبث الذهب والفضة والحديد فهذا معقول في الحكمة وهو من لوازم العالم المخلوق على هذه الصفة ، أما خلق نفوس لا يزول شرها أبدا وعذابها لا انتهاء له ، فلا يظهر في الحكمة والرحمة ، وفي وجوب مثل هذا النوع نزاع بين العقلاء ، أعني ذواتا هي شر من كل وجه ليس فيها شيء من خير أصلا ، وعلى تقدير دخوله في الوجود فالرب تبارك وتعالى قادر على قلب الأعيان وإحالتها وإحالة صفاتها ، فإذا وجدت الحكمة المطلوبة من خلق هذه النفوس والحكمة المطلوبة من تعذيبها فالله سبحانه قادر أن ينشئها نشأة أخرى غير تلك النشأة ، ويرحمها في النشأة الثانية نوعا آخر من الرحمة .

يوضحه ( الوجه التاسع عشر ) وهو أنه قد ثبت أن الله سبحانه ينشئ للجنة خلقا آخر يسكنهم إياها ولم يعملوا خيرا تكون الجنة جزاء لهم عليه ، فإذا أخذ العذاب من هذه النفوس مأخذه وبلغت العقوبة مبلغها ، فانكسرت تلك النفوس وخضعت وذلت واعترفت لربها وفاطرها بالحمد ، وأنه عدل فيها كل العدل ، وأنها في هذه الحال كانت في تخفيف منه ، ولو شاء أن يكون عذابهم أشد من ذلك لفعل وشاء كتب العقوبة طلبا لموافقة رضاه ومحبته وعلم أن العذاب أولى بها وأنه لا يليق بها سواه ولا تصلح إلا له فذابت منها تلك الخبائث كلها وتلاشت وتبدلت بذل وانكسار وحمد وثناء على الرب تبارك وتعالى - لم يكن [ ص: 81 ] في حكمته أن يستمر بها في العذاب بعد ذلك ; إذ قد تبدل شرها بخيرها وشركها بتوحيدها وكبرها بخضوعها وذلها ، ولا ينتقض هذا بقوله عز وجل : ( ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ) ( 28 ) فإن هذا قبل مباشرة العذاب الذي يزيل تلك الخبائث ، وإنما هو عند المعاينة قبل الدخول ، فإنه سبحانه قال : ( ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا ياليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ) فهذا إنما قالوه قبل أن يستخرج العذاب منهم تلك الخبائث . فأما إذا لبثوا في العذاب أحقابا - والحقب كما رواه الطبراني في معجمه من حديث أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الحقب خمسون ألف سنة ) - فإنه من الممتنع أن يبقى ذلك الكبر والشرك والخبث بعد هذه المدد المتطاولة في العذاب .

الوجه العشرون - أنه قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري في حديث الشفاعة " فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة من حميل السيل فيقول أهل الجنة : هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه " فهؤلاء أحرقتهم النار جميعهم فلم يبق في بدن أحدهم موضع لم تمسه النار بحيث صاروا حمما - وهو الفحم المحترق بالنار - . وظاهر السياق أنه لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير فإن لفظ الحديث هكذا : " فيقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض الله قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط " فهذا السياق يدل على أن هؤلاء لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير ومع هذا فأخرجتهم الرحمة ، ومن هذا رحمته سبحانه للذي أوصى أهله أن يحرقوه بالنار ويذروه في البر والبحر زعما منه بأنه يفوت الله سبحانه . فهذا قد شك في المعاد والقدرة ولم يعمل خيرا قط ، ومع هذا فقال له : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : خشيتك وأنت أعلم ، فما تلافاه أن رحمه الله فلله سبحانه في خلقه حكم لا تبلغه عقول البشر . وقد ثبت في حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يقول الله عز وجل : أخرجوا من النار من ذكرني يوما أو خافني في مقام " قالوا : ومن ذا الذي في مدة عمره كلها من أولها إلى آخرها لم يذكر ربه يوما واحدا ولا خافه ساعة واحدة ؟ ولا ريب أن رحمته سبحانه إذا أخرجت من النار من ذكره وقتا ما أو خافه في مقام ما فغير بدع أن تفنى النار ولكن هؤلاء خرجوا منها وهي نار .

الوجه الحادي والعشرون - أن اعتراف العبد بذنبه حقيقة الاعتراف المتضمن لنسبة [ ص: 82 ] السوء والظلم واللوم إليه من كل وجه ، ونسبة العدل والحمد والرحمة والكمال المطلق إلى ربه من كل وجه ، يستعطف ربه تبارك وتعالى عليه ويستدعي رحمته له ، وإذا أراد أن يرحم عبده ألقى ذلك في قلبه والرحمة معه ولا سيما إذا اقترن بذلك جزم العبد على ترك المعاودة لما يسخط ربه عليه وعلم الله أن ذلك داخل قلبه وسويدائه فإنه لا يتخلف عنه الرحمة مع ذلك .

وفي معجم الطبراني من حديث يزيد بن سنان الرهاوي ، عن سليمان بن عامر ، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن آخر رجل يدخل الجنة رجل يتقلب على الصراط ظهرا لبطن كالغلام يضربه أبوه وهو يفر منه ، يعجز عنه عمله أن يسعى فيقول : يارب بلغ بي الجنة ونجني من النار . فيوحي الله تبارك وتعالى إليه : عبدي ! إن أنا نجيتك من النار وأدخلتك الجنة أتعترف لي بذنوبك وخطاياك ؟ فيقول العبد : نعم يارب وعزتك وجلالك إن نجيتني من النار لأعترفن لك بذنوبي وخطاياي . فيجوز الجسر ويقول العبد فيما بينه وبين نفسه : لئن اعترفت له بذنوبي وخطاياي ليردني إلى النار ، فيوحي الله إليه : عبدي اعترف لي بذنوبك وخطاياك أغفرها لك وأدخلك الجنة ، فيقول العبد : لا وعزتك وجلالك ما أذنبت ذنبا قط ولا أخطأت خطيئة قط ، فيوحي الله إليه : عبدي إن لي عليك بينة فيلتفت العبد يمينا وشمالا فلا يرى أحدا ، فيقول يارب أرني بينتك ، فيستنطق الله تعالى جلده بالمحقرات فإذا رأى ذلك العبد يقول : يارب عندي وعزتك العظائم فيوحي الله إليه : عبدي أنا أعرف بها منك اعترف لي بها أغفرها لك وأدخلك الجنة . فيعترف العبد بذنوبه فيدخل الجنة ) ثم ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه - يقول هذا أدنى أهل الجنة منزلة فكيف بالذي فوقه ؟ فالرب تعالى يريد من عبده الاعتراف والانكسار بين يديه والخضوع والذلة له والعزم على مرضاته . فما دام أهل النار فاقدين لهذا الروح فهم فاقدون لروح الرحمة ، فإذا أراد عز وجل أن يرحمهم أو من يشاء منهم جعل في قلبه ذلك فتدركه الرحمة ، وقدرة الرب تبارك وتعالى غير قاصرة عن ذلك وليس فيه ما يناقض موجب أسمائه وصفاته وقد أخبر أنه فعال لما يريد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث