الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون

جزء التالي صفحة
السابق

( يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم ) هذا بيان لما يخطر في بال من يقرأ ما قبله أو يسمعه ، فإنه يقول في نفسه : يا ليت شعري كيف يكون حال هؤلاء الظالمين الذين يتولى بعضهم بعضا في الدنيا بما كانوا يكسبون من الأوزار إذا قدموا على الله يوم القيامة ؟ فجاء الجواب في هذه الآية بأنهم ينادون ويسألون عن دعوة الرسل لإقامة الحجة عليهم بها فيما يترتب من الجزاء على مخالفتها ، وقد حققنا معنى المعشر في تفسير الآية 130 فما العهد بها ببعيد . والاستفهام هنا للتقرير التوبيخي ، وقوله : ( رسل منكم ) ظاهره أن كلا من الفريقين قد أرسل الله منهم رسلا إلى قومهم ، والجمهور على أن الرسل كلهم من الإنس كما يدل عليه ظاهر الآيات ، كحصر الرسالة في الرجال وجعلها في ذرية نوح وإبراهيم ; ولذلك صرفوا النظم عن ظاهره وقالوا : إن المراد بقوله : ( منكم ) من جملتكم - لا من كل منكم ، وهو يصدق برسل الإنس الذين تثبت رسالتهم إلى الإنس والجن ، وذكروا له شاهدا من القرآن قوله تعالى : ( يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ) ( 55 : 22 ) بعد قوله : ( مرج البحرين ) ( 55 : 19 ) إلخ . أي الملح والحلو وهو البحيرات وكبار الأنهار ، وهذا مبني على زعمهم أن البحار الحلوة لا يخرج منها لؤلؤ ولا مرجان . والصواب أن اللؤلؤ يخرج من بعضها كبعض أنهار الهند ، ثبت ذلك قطعا واستدركه ( سايل ) مترجم القرآن بالإنكليزية على البيضاوي . وهو مما أخبر به القرآن من حقائق الأكوان التي لم تكن معروفة عند العرب حتى في أيام حضارتهم واستعمارهم للأقطار . ذكر هذا الشاهد ابن جرير وتبعه به من بعده . وروي عن ابن جريج أنه قال في الآية : جمعهم كما جمع قوله : ( ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها ) ( 35 : 12 ) ولا يخرج من الأنهار حلية انتهى . وقد علمت أن هذا خطأ ، ولفظ هذه الآية أبعد عن هذا التأويل من آية الرحمن بل هو يبطله ، وخرجه بعضهم من باب التغليب كقولهم : أكلت تمرا ولبنا . ( قال ابن جريج ) قال ابن عباس : هم الجن الذين لقوا قومهم وهم رسل إلى قومهم . انتهى . يعني أن الرسل من الجن هم الذين تلقوا منهم الدعوة من رسل الإنس وبلغوها لقومهم من الجن كالذين أنزل الله فيهم قوله في سورة الأحقاف : ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين ) ( 46 : 29 ) الآيات . وهو مبني على جواز تسمية رسول [ ص: 93 ] الرسول رسولا . وذكروا أن منه رسل أصحاب القرية في أوائل سورة " يس " ( 36 : 13 - 20 ) وذكر ابن جرير أن المسألة خلافية ، وروي أن الضحاك سئل عن الجن هل كان فيهم نبي قبل أن يبعث الله النبي صلى الله عليه وسلم فقال للسائل : ألم تسمع إلى قول الله : ( يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا ) فقالوا : بلى ؟ وذكر أن الذين يقولون بقول الضحاك يردون التأويل السابق بأنه خلاف المتبادر من اللفظ ، ولو صدق في رسل الجن لصدق في رسل الإنس لعدم الفرق . وذكر غيره أن الضحاك استدل على ذلك بقوله تعالى : ( وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ) ( 35 : 24 ) ومثله قوله : ( ولكل أمة رسول ) ( 10 : 47 ) وقوله : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) ( 16 : 36 ) مع ضميمة إطلاق لفظ الأمة على جميع أنواع الأحياء لقوله تعالى : ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ) ( 6 : 38 ) وتقدم في تفسيره أن بعض الصوفية قال بتكليف الحيوانات واستدلوا بآية ( 35 : 24 ) وأن الشعراني ذكر في الجواهر أنه يجوز أن يكون نذرها منها وأن يكونوا من غيرها ، واستدل أيضا بقوله تعالى : ( ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ) ( 6 : 9 ) أي بناء على استئناس الجنس بالجنس وفهمه عنه ، وقد يرد هذا بأنه ثبت في القرآن أن الجن يفهمون من رسل الإنس . وجملة القول في الخلاف أنه ليس في المسألة نص قطعي ، والظواهر التي استدل بها الجمهور يحتمل أن تكون خاصة برسل الإنس لأن الكلام معهم ، وليست أقوى من ظاهر الآيات التي استدل بها على كون الرسل من الفريقين والجن عالم غيبي لا نعرف عنه إلا ما ورد به النص ، وقد دل القرآن - وكذا الحديث الصحيح - على رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم إليهم ، وحكى تعالى عن الذين استمعوا القرآن منهم أنهم قالوا : ( إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى ) ( 46 : 30 ) فظاهره أنه كان مرسلا إليهم . فنحن نؤمن بما ورد ونفوض الأمر فيما عدا ذلك إلى الله تعالى ، ثم إنه تعالى وصف الرسل الذين أرسلهم إلى الفريقين منهم بقوله : ( يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا ) أي يتلون عليكم آياتي التي أنزلتها عليكم المبينة لأصول الإيمان ، ومكارم الأخلاق وحسنات الأعمال التي يترتب عليها صلاح الأحوال وسلامة المآل وينذرونكم لقاء يومكم هذا بإعلامكم ما يقع فيه من الحساب والعقاب على من كفر عن جحود أو ارتياب .

( قالوا شهدنا على أنفسنا ) هذا ما حكاه تعالى من جوابهم عن السؤال عندما يؤذن لهم في مواقف القيامة بالكلام ، وثم مواقف أخرى لا ينطقون فيها ولا يؤذن لهم فيعتذرون ، ومواقف يكذبون فيها على أنفسهم بما ينكرون من كفرهم وأعمالهم ، وتقدم شيء [ ص: 94 ] من ذلك ، وجوابهم هذا وجيز يدل على أنهم يعترفون بكفرهم ويقرون بإتيان الرسل وبلوغهم دعوتهم منهم أو ممن نقلها عنهم . وأنهم كذبوا واتبعوا أهواءهم ; ولذلك قال : ( وغرتهم الحياة الدنيا ) أي غرهم متاع الحياة الدنيا من الشهوات والمال والجاه وحب الرياسة والسلطان على الناس ، ورأوا من دعوة الرسل في عصرهم أن اتباعهم إياهم يجعل الرئيس منهم مرءوسا ومساويا لضعفاء المؤمنين في جميع الحقوق والمعاملات . وقد يكرمون عليه بما يفضلونه به من التقوى وصالح الأعمال ، وكذلك حال من على مقربة من الرؤساء والزعماء بشجاعتهم أو ثروتهم أو عصبيتهم ، فهؤلاء كانوا يكفرون بالرسل كفر كبر وعناد يقلدهم فيه كثير من أتباعهم تقليدا ، فيغتر كل منهم بما يعتز به من التعاون مع الآخر . وكان عصر الخلفاء الراشدين نحوا من عصر الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه المساواة ، ولكنه اختلف عنه بما تجدد للإسلام من الملك والثروة والقوة ، ولم يكن ذلك مانعا لجبلة بن الأيهم من الارتداد عنه لما علم أن عمر يقتص منه لأحد السوقة .

وأما غرور أهل هذه الأعصار بالدنيا المانع لهم من اتباع الرسل ، فهو ما غلب عليهم من الإسراف في الشهوات المحرمة والجاه الباطل المذمومين في كل دين ، وقد زالت من أكثر البلاد الحكومات الدينية التي كان أهل الدين يعتزون بها ، وحل محلها حكومات مادية لا يرتقي فيها ولا ينال الحظوة عند أهلها من يتبع الرسل ، بل لم يعد هذا الاتباع سببا من أسباب نعيم الدنيا ورياستها المشروعين ، فما القول بالمحظورين . وهذا على خلاف الأصل في الدين فإنه شرع ليكون سببا لسعادة الدنيا والآخرة ، ولكن الناس لبسوه مقلوبا حتى جهلوا حقيقته ، ولا سيما دين الإسلام الكامل المكمل المتمم بجمعه بين حاجة الروح والجسد وجميع مصالح الاجتماع والسيادة بالحق . ولو كان للإسلام ملك قوي في هذا العصر لقل في اللابسين لباسه النفاق والفسوق - دع الكفر والمروق - ولدخل الناس فيه من سائر الأمم أفواجا .

( وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ) أي وشهدوا في ذلك الموقف من مواقف ذلك اليوم إذ تقوم الحجة عليهم بأنهم كانوا في الدنيا كافرين بتلك الآيات والنذر التي جاء بها الرسل ; إذ لا يجدون فيه مجالا للكذب والمكابرة ولا للتأويل . وليس الكفر بما جاء به الرسل محصورا في تكذيبهم بالقول ، بل منه عدم الإذعان النفسي الذي يتبعه العمل بحسب سنة الله تعالى في الطباع والأخلاق وترتب الأعمال عليها ، فالكفر نوعان : عدم الإيمان بما جاء به الرسول ، وعدم الإسلام له بالإذعان والعمل . والذنب العارض لا ينافي الإسلام كما فصل مرارا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث